لا يجوز للمقلد أن ينكر على مخالفه المقلد فضلا عن المخالف المجتهد

الفقه وأصوله

#ردا_على_المداخلة

من القضايا التي ابتلي بها المسلمون قديما وحديثا وهي في عصرنا أشد انتشارا قضية إنكار المقلدين على مخالفيهم من المسلمين سواء كانوا مجتهدين أم مقلدين لعلماء آخرين مثلهم خاصة إن كان هذا المقلد المنكر يقلد أناسا لم يرتقوا لمرتبة العلماء أصلا كما هو حال المداخلة ورؤوسهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

((مَن صار إلى قولٍ مقلدا لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلدا لقائله، لكن إن كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت، ولا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قول بغير دليل ولا يتعصبَ لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة، بل مَن كان مقلدا لزِمَ حكمَ التقليد فلم يرجِّحْ ولم يزيِّفْ ولم يصوِّبْ ولم يخطِّئْ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سُمع ذلك منه، فقـُبل ما تبين أنه حق، ورُدَّ ما تبين أنه باطل، وتُوقـِّف فيما لم يتبين فيه أحد الأمرين)) (دقائق التفسير: 2/ 24. الفتاوى الكبرى: 1/ 175)

قلت: فإن منع ابن تيمية المقلد من الاعتراض على مقلّدٍ مثله وهما في نفس المرتبة فما عساه يفعل لو سمع كثيرا من المقلدين المنتسبين إليه من أمثال المداخلة ينكرون على أهل الاجتهاد ويسفّهونهم ويخرجونهم من الفرقة الناجية ويدخلونهم في الفِرق الهالكة في النار ويهجرونهم ويهجرون من لا يهجرهم ويحذرون منهم ويجرحونهم ويبدعونهم ويفعلون مثله مع من لم يفعل كفعلهم معهم.

فإن قيل، وكيف يعرف الإنسان نفسه إن كان قد بلغ مرتبة الاجتهاد أم لم يبلغها وكيف للعامي أن يعرف مراتب غيره ؟

أقول، نجد الجواب عند الفقيه الشافعي عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي رحمه الله إذ قال: ((بأي شيء يعرف العامي أن العالم قد وصل إلى حد الاجتهاد؟، وكذلك المجتهد نفسُه متى يعلم أنه قد استكمل شرائط الاجتهاد؟، الذي يظهر أن العالم يعرف ذلك من نفسه بأن يعلم أنه أتقن آلاتِه كل الإتقان وجَدَّ له ملكةٌ وقدرة على الاستنباط واستخراجِ الأحكام الخفية من الأدلة البعيدة، وأما معرفة العامي ذلك فلا يمكن إلا بإخبار المجتهد عن نفسه، لأن الاجتهاد معنى قائم بالنفس لا اطلاع للعامي عليه، نعم، قد يدرك ذلك بكثرة الاختبار له مَن له أهلية الاختبار .......إلى أن قال: الظاهر قَبول قول العالم في الإخبار عن نفسه أنه وصل إلى حد الاجتهاد إذا كان عدلا، لأن عدالته تمنعه أن يكذب، ولا نظر إلى اتهامه بكونه يدعي لنفسه رتبة عالية)) (تقرير الاستناد: ص 51 - 52).

قلت: ونحن في عصر تكاد الثقة فيه تنعدم في الناس سواء كانوا مشتهرين بالمشيخة أم مغمورين وقد يبلغ مرتبة الاجتهاد من لا يكاد يُعرف من الناس وقد يُحكم عليه بظاهر شكله فيُنتقص من قدره في الوقت الذي نجد أناسا قد وصفوا بألقاب فخمة وهم لا يبلغون منها شيئا عند التحقيق، فلما فسدت المفاهيم عند كثير من الناس صار معيار التصنيف العلمي قائما على طول اللحية وشدة بياضها وكمية الترهلات على وجه صاحبها أو اشتهاره بين الناس أو كثرة أنصاره ومؤيديه لذلك صار أمثال عويسات وسنيقرة وفواز المدخلي وابن عطايا العتيبي وبازمول عند المداخلة من كبار العلماء بينما الشعراوي ومحمد الغزالي والقرضاوي وعمار طالبي وعلماء الأزهر وعلماء الشناقطة عندهم يوصفون بالجهل والضلال.

ولا أقول ذلك لأني مخالف للمداخلة فمعلوم أن هناك من الذين أخالفهم في مسائل أخطر من المسائل التي خالفتُ فيها المداخلة وهم مع ذلك مستحقون لوصف العلم والاجتهاد، بل إن مخالفهم يستمتع علميا بمناقشتهم حضوريا أو غيابيا من خلال كتبهم ومقالاتهم وصوتياتهم وأذكر على سبيل المثال لا الحصر: من الشيعة المعاصرين (الدكتور عبد الهادي فضيلي، كمال الحيدري) ومن الصوفية (علي الجفري، محمد رمضان البوطي، علماء دار الإفتاء المصرية) ومن المفكرين غير القابلين للتصنيف (عدنان إبراهيم، الحاج دواق) والأمثلة كثيرة جدا لا تُعدّ ولا تُحصى بل إنني قد أحكم بالعلم على من كان كافرا إن كان متقنا لمجاله ولا أحكم به على من كان على الحق تقليدا، رغم أن هذا المحق أفضل عندي من ذلك الكافر وإن كان مقلدا.

ولكن الشاهد على كل هذا الكلام: أنه يكفيني الإنكار على من يعلم في نفسه التقليد وهو مع ذلك ينكر على المجتهدين أو على من قلد عالما لا يستطيع المنكر نفسه الطعن فيه أو الإنكار عليه.

قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله ((التقليد لا يفيد العلم، فإن الخطأ جائز على المقلـَّد، والمقلـِّد معترف بعمى نفسه، وإنما يدَّعي البصيرة لغيره)) (المستصفى: 1/ 384)

قلت: إذًا فالمجتهد يعلم نفسه وكذلك المقلد عارف بحاله.

.....يتبع

بقلم #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع: الحلقة 3

الفقه وأصوله

نقض الجزء الثاني من الدليل الأول. قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..)) لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا…