عمامة جدي رحمه الله
عمامة جدي لأمي عمّار محراب رحمه الله.
العمامة التي يلبسها جدي في الصورة ليست هي نفس العمامة التي ألبسها لكن التي ألبسها في الصورة هي عمامة جدي أيضا.
عندما مات جدي رحمه الله أُرسلت لي من خلال أمي، قالت أمي لقد قالوا خذي هذه العمامة لصهيب.
تشرفت بهذه العمامة الموروثة عن جدي الذي جمع بين حفظ القرآن والنضال في سبيل الله أيام الاستعمار الفرنسي بل تحمّل التعذيب ليدلّ على أسماء بقية المجاهدين وصمد ولم يقرهم على أي شيء من ذلك.
جدي عمار الذي رفض بعد الاستقلال الحصول على أي أجر مادي مقابل جهاده وجعله لله، كان متقنا للرقية الشرعية وشفي على يديه كثير من الناس وأنجب أولادا وبناتٍ يشهد كل من يعرفهم بأخلاقهم وتديّنهم لا أستثني منهم أحدا، أحسبهم والله حسيبهم ولا أزكي على الله أحدا كذلك، ولولا حرصي على الخصوصية وعلمي برفضهم الحديثَ عنهم لذكرتُ بعض خصائصهم فردا فردا ولكني أكتفي بهذا القدر المجمل.
أما جدي رحمه الله فكان صاحب الأمثال والحكم الحافظ للأبيات والأشعار، قيل أنه حفظ مئات أو آلاف الأبيات الشعرية "نسيت الرقم بالتحديد حتى لا أكذب لكني أذكرُ أنه كان رقما مبهرا" وتلك الأبيات كلها وردت في الأمثال والحِكم والسلوك والتوجيه الإسلامي.
#من_شذرات_حكاياته:
1 _ لما كنتُ سلفيا وأعفيتُ لحيتي ولبستُ القميص كان من القلّة الذين لم ينتقدوني لأجل ذلك الأمر، ولكنه قال لي (السلفيون فيهم أصحاب أخلاق حسنة ولكن بعضهم لا يحترمون الكبار، لقد رأوني واقفا مع إمام المسجد فجاءوا يسلمون عليه ولم يسلموا علي) فلما سألته عن المسجد أدركت أنه يتكلم عن المداخلة لمعرفتي برواد ذلك المسجد.
2 _ عندما كنتُ صغيرا كنت ألاحظ أن جدي ينزعج كثيرا من الأصوات المزعجة والهرج والمرج وركض الأطفال وكان ذلك مما يزعجني فيه، لكني صرت فيما بعد أشد تطرفا منه في الانزعاج وأدركت أن السبب يرجع لقوة السمع، فقد كان رحمه الله أيام صغر سني قوي السمع لذلك يسمع الأصوات أقوى مما هي عليه في الواقع وهذا يسبب انزعاجا لا شعوريا ويبدو أني ورثت عنه هذا الأمر الذي لازال يؤرقني إلى اليوم.
3 _ حكى لي جدي الكثير من حكايات الثورة بتفاصيل لا يمكن عرضها ومما حكاه لي انضمام شابين من قسنطينة كانا وسيمين وتبدو عليهما علامة الثراء وقال (لما رآهم المجاهدون في منطقتنا قالوا لهم: ما حسبنا أن مثلكم ينضم الجهاد، أنتم كمن يعيش في الاستقلال لا ينقصكم شيء من متاع الدنيا) فأجاب الشابان: (وهل يطيب لنا العيش وأبناء شعبنا جميعا يعانون من الظلم والاستبداد والاحتلال لمجرد أننا نعيش حياة الرفاهية كحالة استثنائية ؟ إنما هو جهاد في سبيل الله لتحرير الوطن من العدو المحتل) قال جدي وقد استشهدا فيما بعد بقذيفة شطرت جسديهما فلم يستطع قلبي تحمل النظر إلى جثتيهما التي صارت أشلاءً مشوهة وقلت في نفسي: كيف لتلك الوجوه المنيرة أن تتحول لهذا ؟ ولكنهم عند الله من الشهداء إن شاء الله يعوضهم ما هو خير من ذلك.
كتبه #صهيب_بوزيدي


