المعطلة وشبح التجسيم الذي يخوّفون به العوام
"مقال كتبته قبل سنتين أعيد نشره"
#نثبت_لله_ما_أثبته_لنفسه_وندافع_عن_صفاته_بالنقل_والعقل
أول تهمة يرمي المعطل بها شيخ الإسلام ابن تيمية هي: (ابن تيمية مجسم)
== بعض السلفيين الذين لم يتمرسّوا في الحوار والعقليات يسارعون إلى التبرؤ والإنكار (لسنا مجسمة لسنا مجسمة) فيناقشهم المعطل في لوازم الصفات التي يثبتونها ويختار لهم بعض معاني التجسيم حسب أقوال بعض الطوائف فيلزمهم بها (فيصطدمون بالجدار)
#والصواب_أن_يكون_الرد_كما_يلي:
الجسم من الألفاظ المشتركة والمشترك هو ما يحمل عدة معان فلا يمكن أن نثبت لله لفظا مشتركا لأننا لا نقر كل معانيه ولا ننفي كل معانيه ومثال عن المشترك لفظ البوّ فمن معاني البوّ (الأحمق) و (السيف) و(ابن الجمل) و(الجمل المسلوخ المحشي) فالذي يطالبك بإثبات لفظة الجسم أو نفيها عن الله مثل من يسألك أعندك بوّ في البيت ؟ فمن البديهي أن تسأله ما الذي تريده بالبو ؟ إن أردت (الأحمق) فما عندنا حمقى في البيت وإن أردت (السيف) فما عندي سيف في البيت وإن أردت (الجمل المسلوخ) فأظنه عندي - على سبيل المثال فحسب.
فكذلك نسأل من يتكلم عن الجسم في حق الله (ما الذي تريده بالجسم؟ اترك اللفظ وادخل في معناه) فإن كان المعنى الذي تريده صحيحا في حق الله وقد أثبته الله لنفسه أثبتناه دون التطرق للفظة الجسم كما أثبتنا معنى البو سابقا دون التطرق للفظة البو // وان كان المعنى مناقضا لما وصف الله به نفسه نفيناه عنه وإن كان المعنى مما لم يرد فيه نفي ولا إثبات (لا نقلا ولا عقلا) جعلناه ممكنا وتوقفنا فيه فلا نثبته ولا ننفيه إلا بنص قطعي الثبوت والدلالة وقبل الحديث عن النفي والإثبات فلم يرد في وصف الله بالجسم لا آية ولا حديث ولم يرد في نفي الجسم عنه لا آية ولا حديث وبما أن ذلك كذلك فالواجب أن نحرر أولا معاني الجسم في اللغة والشرع وعند الفلاسفة والمتكلمين ثم نناقش المعاني بعيدا عن تلك الألفاظ وقد نناقش نسبة بعض المعاني لهذا اللفظ أصحيحة هي أم لا فيكون النقاش في صحة شرح لفظ الجسم بتلك المعاني من جهة وفي صحة نسبة ذلك المعنى لله عز وجل من جهة أخرى بغض النظر أصح أن يكون المعنى من معاني الجسم أم لم يصح ذلك.
#ما_هو_معنى_الجسم_في_لغة_العرب_وفي_القرآن_والسنة؟
1 / قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (بيان تلبيس الجهمية الجزء 1 الصفحة: 505 - 506)
((وأما لفظ الجسم، فإن الجسم عند أهل اللغة كما ذكره الأصمعي، وأبو عبيد، وغيرهما، هو الجسد والبدن، قال - تعالى: ((وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم)) (المنافقون: 4) ، وقال - تعالى : ((وزاده بسطة في العلم والجسم)) (البقرة: 247), فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة، والغلظ، كغلظ الجسد، ثم يراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غلظه، فيقال لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويقال هذا أجسم من هذا، أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ الجسم في اصطلاح أهل الكلام، أعم من ذلك، فيسمون الهواء، وغيره، من الأمور اللطيفة جسماً، وإن كانت العرب لا تسمى هذا جسماً)) انتهى.
ومن اللغوين الذين قالوا بأن الجسم بمعنى الجسد والبدن: قال الخليلل : ((الجسم يجمع البدن، وأعضاءه، من الناس، والإبل، والدواب، ونحوه مما عظم من الخلق الجسيم، والفعل جسم جسامة)) (معجم مقاييس اللغة 1/457، لسان العرب 12/99، المصباح المنير 1/101، العين 6/60) وفي الصحاح: ((الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان..والجثمان: الشخص، قال: وجماعة جسم الإنسان أيضاً يقال له الجسمان)) (الصحاح 5/1887)
2 / في (الجمهرة 2/94) و (معجم مقاييس اللغة 1/457) و(المصباح المنير 1/101): ((الجسم كل شخص #مُدْرَك))
3 / في (لسان العرب الجزء 12 الصفحة 99): ((وقد جسم الشيء أي عظم، فهو جسيم، وجُسام بالضم)) انتهى. / أقول: وله شواهد من السنة النبوية فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((وأما موسى، فآدم، جسيم، سبط)) (البخاري 3438) // وقال صلى الله عليه وسلم ((فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور - أي المسيح الدجال-)) (البخاري 3441 / مسلم 171)
#الموقف_من_هذه_المعاني:
#من_حيث_علاقة_المعنى_باللفظ: نرى أن هذه المعاني لغة وشرعا متعلقة بلفظ الجسم.
#هل_نصف_الله_بهذه_المعاني؟
1 - لا نصف الله بالجسد ولا بالبدن فالله لم يصف نفسه بهذه الأوصاف. فإن كان المعطل يريد بسؤاله (هل الله جسم) أي (هل الله بدن وجسد) نقول: نحن لم نقل بذلك ونتحدى أي شخص أن يأتينا بقول عالم من أهل الأثر من المعتمدين لدينا كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن خزيمة والدارمي وأحمد بن حنبل وغيرهم ممن يقول بأن الله بدن أو جسد ولن يستطيع الإتيان به بل ولن يستطيع الإتيان بمن يطلق على الله لفظة الجسم إذ أن أهل السنة لا يطلقون على الله المشترك من الألفاظ والمجمل منها ولا ينفونه بل يحررون المعنى وهذا المعنى الذي نحن بصدد تبيين موقفنا منه (أي معنى الجسد والبدن) لم يثبته أحد من أهل السنة لله عز وجل وذلك لأن الله لم يثبته لنفسه وما ورد في سنة نبيه.
2 - أما عن معنى (الجسم كل شخص مُدرك) فنقول: يراد بالمدرك هنا أي ما يمكن إدراكه ولو امتنع إدراكه بالنسبة لبعض الذوات دون بعضها الآخر سواء كان ذلك بمشيئة منه أم بغير مشيئة منه (ونحن نفصّل معنى المدرك ولم نتحدّث عن الله بعد) فالجن مثلا من المدركات إذ يدرك الله الجن ببصره وتدركه الملائكة ويدركه بنو جنسه من الجن ولكن الإنسان لا يدرك الجن (إلا في بعض الحالات) فعدم إدراك الإنسان للجن لا يعني أن الجن غير مُدْرَك لذاته وكذلك لا ندرك الملائكة ولكن الشيطان أدرك نزولهم في غزوة بدر، قال الله ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إني أخاف الله والله شديد العقاب)) فاستطاع الشيطان أن يرى ما لم يستطع البشر رؤيته ولذلك فعلينا أن نفرّق بين المُدرَك لذاته والمُدرَك بالنسبة لجنس معين من الموجودات.
فالله عز وجل مُدرَك لذاته (أي يمكن رؤيته وسماعه مثلا) ويتعلق ذلك بمشيئته عز وجل فقد يسمح لبعض مخلوقاته بسامعه دون بقية مخلوقاته وفي زمن دون زمن والأدلة على ذلك أن الله منع الناس من رؤيته في الحياة الدنيا جميعا فقال ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)) وقال لموسى عليه السلام لما طلب موسى عليه السلام أن يرى الله فقال له ((قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)) فهذا عام ولكن ورد نص مخصص لحالات أخرى تكون رؤية العبد لربه فيها متحققة فقال عز وجل ((وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)) وقد قال بعض المعتزلة أن المقصود من كلمة (ناظرة) أي الإنتظار ولكن قولهم غير صحيح وذلك لأن كلمة (ناظرة) قُرنت ب(إلى) ولا يمكن في اللغة أن نشير إلى الانتظار بحرف إلى وإنما يشار إليه بحرف (ل) فلو قال الله (لربها ناظرة) لكانت العبارة محتملة للدلالتين (دلالة الإنتظار ودلالة النظر) فنستطيع أن نقول (لربها منتظرة أو لربها تنظر) ولكن لما أُرفقت بالحرف إلى صار المعنى الوحيد هو النظر (أي الرؤية) فلا يمكن أن نقول: (إلى ربها منتظرة أو نقول: إني إليك منتظر) لكن يصح لغة أن نقول (إلى ربها تنظر) وقد حاول بعضهم الإستدلال ببيت شعره منسوب لحسّان بن ثابت ولكن لم تصح نسبته إليه سندا كما أن هؤلاء ناقضوا أنفسهم إذ تركوا الصريح المتواتر من قول النبي صلى الله عليه وسلم وعمدوا إلى ما لم يصح وفي أحلى حالاته لن يجاوز مرتبة الآحاد // وقد قال الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما: "(وجوه يومئذ ناضرة ) قال : من النعيم ( إلى ربها ناظرة ) قال تنظر إلى وجه ربها نظراً" انتهى. وفي تفسير الطبري قال:( حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري ، قال : ثنا آدم قال : ثنا المبارك عن الحسن ، في قوله : ( وجوه يومئذ ناضرة ) قال : حسنة ( إلى ربها ناظرة ) قال : تنظر إلى الخالق ، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق). انتهى
والدليل الثاني أن الله منع أهل النار من النظر إليه فقال ((كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)) فلو كان الكل محجوبا عن الله لا يراه فما الذي امتاز به أهل النار بخصوص الحجب ؟؟
ومن السنة النبوية روى أحاديث رؤية الله عز وجل نحو 30 صحابيا نذكر منها:
* عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل وهي الزيادة ثم تلا هذه الآية: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) )) (مسلم: 266).
* من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ناسا قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله : " هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ " قالوا : لا يا رسول الله . قال : " هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ " قالوا : لا . قال : " فإنكم ترونه كذلك ...الحديث " (البخاري: 6088 / مسلم: 267 )
* وقال أيضا من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: ((كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته)) (البخاري: 6883 / مسلم: 1002)
* وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) (البخاري: 4500 / مسلم: 6890)
أقول: إذا ثبت أن المؤمنين في الجنة يرون ربهم بخلاف الذين يحجبون عن رؤيته من أهل النار ومادام ذلك كذلك فالله عز وجل (مُدرَك لذاته) ويمكن رؤيته بل يوجد قطعا من يراه كما في النصوص الشرعية القطعية ثبوتا ودلالة وكذلك الإدراك بسماع كلام الله فقد قال الله عز وجل ((وكلّم الله موسى تكليما)) وقال أيضا ((فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى)) وذهب المعتزلة لتحريف معنى الآية لينكروا صفة التكليم فقالوا: إن الله خلق صوتا في الشجرة / وجوابنا عليهم: فهل حقّ لذلك الصوت المخلوق أن يقول لموسى ((إني أنا ربك)) فهل صار الصوت المخلوق ربا ؟ فإن قالوا لا / قلنا بطل تأويلكم وإن قالوا نعم قلنا: فقد قلتم بتعدد الأرباب والله يقول: ((أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) بل وكيف يكون الصوت المخلوق (المسبوق بعدم) ربا والرب واجب الوجود أزلي غير مسبوق بعدم ؟ ولأن الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان مؤسس الجهمية علم أن لا مفر لتأويل الآيات ذهب وأنكرها بصريح العبارة فقال ((ما كلم الله موسى تكليما ولا اتخذ إبراهيم خليلا)) وهذه ترجمته كما في(ميزان الاعتدال للذهبي 1/399) و (شذرات الذهب لابن عماد العكري الحنبلي 1/169): ((هو الجعد بن درهم ، مبتدع ضال ، قال بخلق القرآن ، ونفى صفات الله تعالى ، بل هو أول من نفى الصفات ، وعنه انتشرت مقالة الجهمية إذ ممن حذا حذوه في ذلك : الجهم بن صفوان عاملهما الله تعالى بعدله ، وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ، ولم يكلِّم موسى تكليماً ، هلك سنة 118 هـ)).
والخلاصة: أن هذا المعنى يوافق الكتاب والسنة وهو أن الله يرى يوم القيامة وهناك من كلمّه الله في الدنيا كموسى عليه السلام وكذلك يكلم الله الملائكة كما في الأحاديث التي جاءت في باب فضل الذّاكرين لله عز وجل.
#ما_هي_معاني_لفظة_الجسم_التي_قال_بها_أهل_الملل_والنحل؟
#المعنى_الأول: منهم من قال أن الجسم هو (القائم بذاته وهو الموجود) // قال به: الكرامية والهشامية أتباع هشام بن الحكم
#مصدر_المعنى_الأول: جاء في الكافي للكليني (من كتب الشيعة) (1/106) أن: (( يونس بن ظبيان يقول: دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له: إن هشام بن الحكم يقول قولا عظيما إلا أني أختصر لك منه أحرفا فزعم أن الله جسم لان الأشياء شيئان: جسم وفعل الجسم فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل)) انتهى
أقول: طبعا بعد ذلك رد عليه أبو عبد الله وأنكر كلامه (حسب الرواية الرافضية) لكن الشاهد منها هو اقتباس معنى الجسم من خلال كلام هشام ابن الحكم فنفهم من قوله: ((الأشياء شيئان: جسم وفعل الجسم)) أنه جعل الجسم بمعنى الجوهر (القائم بذاته) وفعل الجسم هو (العرض الذي يقوم بغيره) ثم قال: (فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل) أي لا يجوز أن يكون الصانع عرضا فيكون الأولى أن نسميه (صُنعا) لا (صانعا) ولكن يجوز أن يكون الفاعل (وأساسا كلمة صانع على وزن فاعل وليست على وزن: فعل)
#موقفنا_من_المعنى_الأول: لتبيين الموقف من هذا المعنى الأول نقسم الجواب إلى قسمين: (القسم الأول: الموقف من إطلاق لفظة الجسم على القائم بذاته / القسم الثاني: الموقف من المعنى بغض النظر عن تسميته بالجسم أو عدم تسميته به فهل نقول أن الله قائم بذاته؟)
#القسم_الأول: يرى ابن تيمية أن هذا الإصطلاح مخالف للغة العرب فقال:
قال ابن تيمية في كتاب (درء تعارض العقل والنقل 7/112):
((كذلك الذين قالوا إن الجسم هو الموجود، أو القائم بنفسه، أو ما يمكن الإشارة إليه، فإن هذا المعنى غير صحيح، فليس كل شيء موجود، أو قائم بنفسه، أو يمكن الإشارة إليه، يصح أن يسمى جسماً في لغة العرب، فالهواء والنار ليست جسماً، وهي في اصطلاحهم جسم))
#القسم_الثاني: بغض النظر عن صحة شرح لفظ الجسم بمعنى الموجود أو القائم بذاته فموقفنا من هذه المعاني واضح لا أظن عاقلا مسلما يناقش فيه فلله وجود وهو قائم بذاته وليس قائما بغيره.
#المعنى_الثاني: الجسم التعليمي أو الجسم الطبيعي المقدّر المجرد عن المقدار
أقول - صهيب-: وبحسب تعريفهم لهذا النوع فهو من الكليات / المطلقات / الصور المجردة ويرى أصحاب النظام المدني (الميتافيزيقي) أن هذه المطلقات توجد خارج الذهن بينما نراها غير موجودة إلا في الذهن فلا يعقل أن يكون انسان بلا حجم معين ولا شكل معين ولا مكان معين ولا زمان معين وتكون كل أعراضه كالمتغيّر x أو y في المعادلات الرياضية إذ يتناسب حجم أنفه مع حجم وجهه بنسبة معينة كأن نقول 2x + 10y فمهما تغيرت قيمة x أو y فيكون المعامل المرفق بهما محافظا على عدم التشوه النمطي للكلية بشرط أن تكون هناك علاقة ثابتة بين x و y كأن يقال 3x = y وإلا فلا يمكن تخيل انسان بوجه نصف قطره 20 سنتمترا وأنف طوله 10 كيلومترات مثلا، إذ يخرج ذلك عن الكلية التي يتواطؤ عليها معنى الإنسان (هذا في الذهن) أما خارج الذهن فلا يمكن تحقق هذه الكلية في كل الأحوال إذ لكل جوهر أعراض عينية لا مطلقة وتجريد الجوهر من كل أعراضه يلزم منه تجريده من عرض الوجود خارج الذهن كما لا يوجد دليل على أن وجود الصورة المجردة من الممكنات الخارجية ولو سلمنا بغياب الدليل على استحالتها في الخارج فلا دليل على إمكانها فتبقى من الممكنات الذهنية والممكن الذهني لا يكون بالضرورة ممكنا في الواقع فكيف بهؤلاء يقولون بإمكانه الواقعي ثم يقولون بتحقق وجودها في الخارج ولم يقتصروا على الإمكان الخارجي فحسب.
#مصدر_المعنى_الثاني: قال الجرجاني في تعريفاته (ص: 76) :
1 - ((الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الإنقسام طولاً وعرضاً وعمقاً، ونهايته السطح، وهو نهاية الجسم الطبيعيّ. ويُسمّى جسماً تعليمياً إذ يُبحث عنه في العلوم التعليميّة؛ أي الرياضيّة الباحثة عن أحوال الكمّ المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة؛ فإنهم كانوا يبتدؤون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكاً)).
2 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (النبوات الجزء 1 الصفحة 310-311):
((ولا ريب أنّ الأجسام بينها قدر مشترك في الطول والعرض والعمق، وهو المقدار المجرّد الذي لا يختصّ بجسم بعينه، ولكنّ هذا المقدار المجرّد هو في الذهن، لا في الخارج؛ كالعدد المجرّد، والسطح المجرّد، والنقطة المجرّدة، وكالجسم التعليميّ3؛ وهو الطويل العريض العميق الذي لا يختصّ بمادّة بعينها فهذه المادة المشتركة التي أثبتوها هي في الذهن، وليس بين الجسمين في الخارج شيء اشتركا فيه بعينه))
#موقفنا_من_المعنى_الثاني:
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى الجزء 12 الصفحة: 316-317):
((وكذلك النظّار، يُريدون بلفظ الجسم تارة المقدار، وقد يُسمونه الجسم التعليمي، وتارة يريدون به الشيء المقدر، وهو الجسمي الطبيعي والمقدار المجرد عن المقدار، كالعدد المجرد عن المعدود، وذلك لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان، وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذي تقوم به لا يوجد إلا في الذهن))
*أقول-صهيب-: ويظهر واضحا جليا أن شيخ الإسلام لا يثبت وجود جسم بهذا المعنى أصلا فضلا على أن يثبته لله عز وجل وما لم يكن موجودا لا يمكن أن نصف به الله وإلا وصفناه بالعدم (بلازم مذهبنا) وحاشا لله أن يكون عدما. بل وقد يكون هذا المعنى مما يلزم الأشاعرة فهم يرون أن الله صورة مجردة ومن معاني الجسم عند بعض النظّار أنه جسم تعليمي (مجرد ّعن التعيين) فبماذا يرد أهل التعطيل (الذين صدعوا رؤوسنا بالتّهم المعلبة المتعلقة بالتجسيم) لو اتهمناهم بتمثيل الله بالأجسام التعليمية إذ فرّوا من تمثيله بالأعيان فوقعوا في تمثيله بالأجسام التعليمية أفلا ينطبق عليهم الوصف الذي رموا به غيرهم (المجسمة؟) فإن كان القبح لمجرد اللفظة فقد باؤوا بها وإن كان القبح متعلقا بمعانيها فقد أثبتوا لله ما لم يثبتوا وجوده أصلا ولازم ذلك أن الله الذي يؤمنون به غير موجود في الحقيقة ومع ذلك نجد أهل الأثر يلتمسون لهم الأعذار بالتأويل والجهل بعين المسألة فلا يكفّرونهم بل ولا يبدّعونهم بالأعيان إلا إذا توفّرت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع وما أصعب من التحقق من توفّرها وانتفاء موانعها ولذلك فنحن هنا نناقش القول والعقيدة ولا نتكلم عن أعيان الأشخاص فأمرهم إلى الله إلا من ظهر عناده للعيان وما أصعب التحقق من ذلك.
#المعنى_الثالث: الجسم عند المشّائين هو: المؤلف من الهيولى والصورة
أقول: الهيولى معناها المادة والمادة عندهم كل ما كان محسوسا وعند الفيزيائيين هي كل ما تكون من ذرات وخلايا حية وأما الصورة فهي الفكرة المجردة (المطلق والكلّي) والتي سبق وقلنا أنها لا توجد خارج الذهن عندنا.
#مصدر_المعنى_الثالث:
1 - يقول الخوارزمي في بيان معنى الجسم عند أصحاب مذهبه: ((فالجسم مؤلف من الهيولى والصورة)) (الصحايف الإلهية -للسمرقندي- الصفحة: 255)
2 - يقول ابن سينا ((ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولى، وصورة)) (معيار العلم -لأبي حامد الغزالي- الصفحة: 290) و(الكليات -لأبي البقاء الكفوي- الصفحة: 345)
#موقفنا_من_المعنى_الثالث:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية 1/413):
(( والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة قول الفلاسفة المشائين وابن سبعين يحتذي حذوهم ويقول إنه مقدم عليهم وعلى غيرهم ويقول: "إنه أنشأ الحكمة التي رمز إليها هرامس الدهور الأولية وبين العلم الذي رامت إفادته الهداية النبوية" وقد تنازعوا في إمكان انفراد المادة عن الصورة. فأرسطو وأصحابه على أنه يمكن انفكاكها عنها بخلاف أفلاطون ويزعمون أن المادة جوهر روحاني قائم بنفسه وأن الصورة الجسمية جوهر قائم بها وأن الجسم يتولد من هذين الجوهرين. والعقلاء والمحققون يعلمون أن هذا باطل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع)).
أقول-صهيب-: إذا فهذا النوع ينكر ابن تيمية وجوده أصلا وما أنكر وجوده لا يمكن إثباته لا لله ولا لغير الله وبالتالي فالله ليس مركبا من هيولى وصورة ولا غير الله مركب من هيولى وصورة وقد صرح بقوله: ((والعقلاء والمحققون يعلمون أن هذا باطل)) علما أن ابن تيمية كان يناقشة إمكانية وجود هذا الجسم من عدمه وقد قال بعدم وجوده خلافا للرواقيين (القائلين بوجود المركب مع استحالة انفكاك المركّبين) والمشائين القائلين (بوجود المركب مع إمكان تفكك المركبين) كما وضحه ابن تيمية (أفلاطون يمثل الرواقيين) و(أرسطو المشائين) وسبب قول أفلاطون باستحالة الإنفكاك هو قوله بوحدة العقول الفعالة بالهيولى وهو القول بوحدة الوجود الذي أخذه من عندهم ابن عربي.
#المعنى_الرابع: الجسم عند الأشاعرة والماتريدية هو المؤلف المركب الذي يمكن انقسامه فهو ما يتكون من جزئين فصاعدا (أي ما يتكون من الجواهر المنفردة)
#مصدر_المعنى_الرابع:
1 - قال الباقلاني: ((الجسم هو المؤلف المركب)) (مقالات الإسلاميين -لأبي الحسن الأشعري- 2/6)
2 - قال الفخر الرازي: ((الجسم ما يكون مؤلفاً من جزئين فصاعداً)) (الأربعون في أصول الدين - لأبي حامد الغزالي- الصفحة: 4 / المسائل الخمسون -للرازي- ص33)
3 - قال التفتازاني: ((الجسم عندنا القابل للانقسام، فيتناول المؤلف من الجزئين فصاعداً)) (شرح المقاصد-للتفتزاني-: 3/12)
4 - قال أبو المعين النسفي الماتريدي: ((اسم للمتركب، يقال هذا أجسم من هذا، أي أكثر تركيباً منه)) (التمهيد -للنسفي- الصفحة: 138)
#موقفنا_من_المعنى_الرابع: أقسم الموقف إلى قسمين (الموقف من لزوم المعنى للتعريف والموقف من نسبة معناه لله عز وجل)
#القسم_الأول: (الموقف من لزوم المعنى للتعريف)
ما نراه أن هذا المعنى غير لازم بل هو باطل غير صحيح وذلك من عدة أوجه:
#الوجه_الأول: أن الفيزياء الذرية الحديثة كشفت بطلان القول بوجود الجوهر الفرد وأن الذرات نفسها تختلف فيما بينها بين حاملات لإلكترون واحد وبروتون واحد= كالهيدروجين وبين حاملات للعشرات من الإلكترونات كاليورانيوم الذي يحمل 92 إلكترونا ومجموع نيوتروناته وبروتوناته 238 في اليورانيوم الطبيعي و 235 في المخصّب ويمكن زيادة الكترونات الذرات كما في مثال اليورانيوم ومثال الكربون المشع 14C بحيث يبلغ العدد الذري في الحالات الطبيعية للكربون 12C فقط وكما أن النظرية النسبية لأنشتاين والتي جسدها بالقنبلة النووية هدمت حكاية الجوهر الفرد (الذرة التي لا تنقسم) وأثبتت أن الذرات تنشطر (nuclear fission) وينتج عنها إلكترونات وبروتونات كثيرة جدا إضافة للأشعة غاما وبيطا والطاقة الحرارية الهائلة وقد ثبت بالتجربة (المصدر الحسي ابستميا) واستعمل ذلك واقعيا في الأسلحة النووية وفي إنتاج الطاقة الكهربائية أيضا ولا ننسى الإندماج الذري أيضا (nuclear fusion) وهو اندماج الموليكولات الأخف لإنتاج الموليكول الأثقل منتجة طاقة حرارية كبيرة أيضا كما أن الإلكترونات أيضا تتكون من جسيمات أصغر منها وأصغر ما وصل إليه الإنسان الموجات (waves) ودراسة حالة الموجة يأخذنا إلى علم آخر وفيه تفصيل واسع وشاسع بل هو اختصاص علمي قائم بذاته ومنفتح على ميكانيكا الكم والإلكترونيك وكلها جزء من الكوسمولوجي والشاهد بطلان وجود الجواهر المنفردة في الواقع.
#الوجه_الثاني: أن هذه التعريفات متعلقة بالجزء المدرك من الموجودات وقطعا لم يدرك الإنسان كل ما في الوجود فمن غير المعقول أن يصف الإنسان ما لم يدركه بالمتكون من جسيمات بالضرورة فهذا بلا شك استقراء ناقص وأقل ما يمكن قوله أن لا دليل على أن هذه الحقيقة (كل جسم مركب من جزئين فصاعدا قابلان للتفكك) حقيقة مطلقة وبلا شك لسنا ممن ينكر جنس الحقائق المطلقة وإلا كنا ملاحدة تجربانيين (ما بعد الحداثيين) ولكننا لا نقول بأن كل الحقائق مطلقة أيضا فهناك الكثير من الحقائق النسبية وعلى سبيل المثال: نسبية الحقيقة (مجموع زوايا المثلث تساوي 180 درجة) فهذه كانت في القديم حقيقة مطلقة عند الرياضيين إلا أن ذلك لم يكن لازما لغير السطح الإقليدي (نسبة لإقليدس) والسطوح الكروية (اللا إقليدية) قد يصل مجموع زواياها إلى 270 درجة إذ يمكن أن تكون كل زواياه قائمة (90*3=270). ومنه فلا يمكن الجزم بالإستقراء الناقص على أن الحقيقة مطلقة إلا إن كان عليها دليل تمثيلي أو قياسي ونظرا لاستحالة قياس الشيء بغير جنسه ولتسليمنا بمقدمة (ليست الموجودات من جنس واحد) فلا يمكن أن نقيس كل الموجودات على العينات التي عرفناها فنعمم عليهم التعريف فيلزم الشاهد والغائب وما كان من جنسنا وما لم يكن من جنسها. فهذا ممتنع.
#الوجه_الثالث: كما امتنع تعريف الوجود بالكينونة بعد العدم لمجرد أن كل الموجودات المدركة بحواسنا مسبوقة بعدم فكذلك وجب الإمتناع عن تعريف الجسم بالمركب من أجسام قابلة للإنفصال لمجرد رؤية ذلك في المادة المدركة وإلا لزم أن الله غير أزلي لأننا لم نشاهد موجودا أزليا بحواسنا ولزم أن حياة الله مسبوقة بعدم ويليها موت لأننا لم نشاهد من الأحياء إلا الذين ماتوا أو سبقوا بعدم ولكن ذلك لا يلزم الله عز وجل لأن قياس الشيء بغير جنسه مناقض لشروط القياس إذ وجب القياس بحسب القدر المشترك بينهما ولا يعدوه إلى ما وقع فيه التمايز أو التشكيك (التشكيك هو التواطؤ في الكلية مع التفاوت في قوة الأفراد).
#القسم_الثاني: هل نقول أن الله عز وجل مركب من أجزاء قابلة للإنفصال ؟ نقول لا أبدا وحاشا لله فلو أمكن انفصال شيء عن الله لأمكن نقصانه ولو أمكن نقصانه لما كان واجب الوجود على صورة التمام المطلق.
#شبهة: قد يقول قائل: لكن إثباتكم لصفة اليدين لله يلزم منها إثبات الأجزاء إذ اليد الواحدة فيهم هي غير اليد الأخرى وكذلك بالنسبة لصفة الوجه والعينين وغير ذلك من الصفات الخبرية وإثبات الأجزاء يلزم منه إثبات القابلية في الإنفصال
#الرد: أقول إن الرد على ذلك من عدة أوجه:
#الوجه_الأول: لنصحح كلام القائل فنجعل الشبهة كالآتي: هل اللازم من إثبات الصفات التي جاءت في القرآن على ظاهرها هو إثبات الأجزاء القابلة للإنفصال ؟ وذلك أن الله عز وجل هو الذي أثبت لنفسه هذه الصفات فيكون دفاعنا عن ظاهر هذه الآيات لا عن رأي قد يخيل إلى المستمع أو القارئ أننا ابتدعناه من عند أنفسنا فنحن لم نثبت إلا ظاهر هذه النصوص:
1 - قال الله: ((قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ))
2 - قال الله: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء))
3 - قال الله ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون))
4 - قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يطوي الله عَزَّ وجَلَّ السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك ! أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين بشماله)) (مسلم 2788)
5 - قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يَمِين الرحمن عَزَّ وجَلَّ ، وكلتا يديه يَمِين )) .(مسلم 1827) وقال: ((أول ما خلق الله تعالى القلم ، فأخذه بيَمِينه ، وكلتا يديه يَمِين)) (رواه ابن أبي عاصمة في السنة 106)
* قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ((كلها أحاديث صحيحة عند علماء السنة ، وحديث ابن عمر مرفوع صحيح ، وليس موقوفا ، وليس بينها اختلاف بحمد الله ، فالله سبحانه توصف يداه باليمين والشمال من حيث الاسم ، كما في حديث ابن عمر وكلتاهما يمين مباركة من حيث الشرف والفضل ، كما في الأحاديث الصحيحة الأخرى)) (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز 25 / 126 )
*أقول: فالأصل في هذه النصوص إثبات يدين اثنتين لله عز وجل ولا يوجد أي نص يصرف هذه النصوص إلى معاني غير المعاني الظاهرة منها وإنما اعتراض المخالفين على أن إثبات اليدين لله كما في ظاهر النصوص فيه موانع عقلية ويكفي أن نبطل نحن تلك الموانع العقلية لتحمل النصوص على ظاهرها كما هو الأصل فيها.
#الوجه_الثاني: إن إثبات الأجزاء والأبعاض لا يلزم منه أن هذه الأجزاء قابلة للإنفصال لأنه لا دليل على لزوم ذلك لديهم إلا ان قاسوا الله عز وجل بمخلوقاته المتكونة من ذرات تنقسم وخلايا تموت وتحيى والله عز وجل حي لا يموت وتام لا ينقص ومن الخطأ المنطقي أن نقيس التام بالناقص والقياس (هو تطبيق القاعدة الكلية على جزئياتها لمعرفة حكم الجزئيات) ومن المعلوم أن الكلية التي يتواطء عليها الخالق والمخلوق هو قدر مشترك من المعنى ولكن أبرز مميز بين الخالق والمخلوق هو أن الخالق تام مطلق والمخلوق ناقص فانتفت القاعدة الكلية في باب التمام والنقصان ولا يمكن استعمال التمثيل ها هنا فهو ممتنع بقوله تعالى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وممتنع بضرورة العقل إذ لو كان الله مثلنا لكان مسبوقا بعدم مثلنا أو لكنا أزليين مثله أو لكان ناقصا مثلا فلا يكون المسب الفعالي الأول أو نكون تامين وتعدد التامّين (تعدد الآلهة) ممتنع عقلا ونقلا وقد بينته في موضعه.
#الوجه_الثالث: من لم يفهم الوجه الثاني جيدا (وهو الجواب الحلّي) فلعله يفهم بالجواب (النقضي) الإلزامي فنقول:
1 - للبشر وجود ولله وجود فهل يلزم أن يكون وجود الله مسبوقا بعدم كوجودنا ؟ الجواب: لا يلزم بل إن ذلك ممتنع.
2 - لله علم ولنا علم: علم المخلوقات كله ناقص ومسبوق بجهل وعدم فهل يلزم أن يكون علم الله كذلك ؟؟
3 - لله حياة ولنا حياة فهل يلزم أن الله يموت ما دام البشر الأحياء يموتون ؟؟ وهل يلزم أن الله حي بخلايا بيولوجية تموت وتحيا ؟؟ الجواب: حاشا لله وهذا ما يسلم به الخصم نفسه إلا إن كان ينكر حياة الله والله يقول ((وتوكل على الحي الذي لا يموت)) ويقول ((الله لا إله إلا هو الحي القيوم)) ورغم أن ((كل نفس ذائقة الموت)) من أنفس مخلوقاته إلا أن الله ((ليس كمثله شيء)) فمن كان يريد إلزامنا بقياس الخالق على المخلوق في صفة اليدين ألزمناه في صفة الحياة والعلم وفي عرض الوجود.
#الوجه_الرابع: هل المشكلة في لزوم الأجزاء لله هو الأجزاء نفسها أم المشكة في انفصالها عنه ؟؟ فإن كانت المشكلة في الإنفصال فقد أبطلنا لزوم الإنفصال فيكون الأصل إثباتها كما أثبتها الله لنفسه وإن كانت المشكلة هي الأجزاء نفسها فليبينوا لنا أين هو المانع العقلي أو النقلي في ذلك ؟
#الوجه_الخامس: قد يقال: إن إثبات اليدين معناه أن الله يحتاج ليديه والله غني عن العالمين.
فأقول: نعم الله غني عن العالمين ويداه صفتان له وليستا من العالمين (والعالمين كل ما سوى الله) قال الله ((الحمد لله رب العالمين)) فلله علم وليس الله رب علمه بل علمه صفة له ولله وجود فهل نقول بأن وجود الله من العالمين ؟ أو أن حياة الله من العالمين ؟؟ فلا يمكن أن نجعل صفات الله أو ما نخبر به عن الله من العالمين إذ لازم ذلك أحد الخيارين:
1 - إما أن الله عندكم ذات مجردة من كل (الصفات وما يخبر به عن الله) فيلزمكم تجريد الله من الوجود خارج الذهن والحياة فيصبح الله عدما والعياذ بالله. وهذا ممتنع.
2 - وإما أن الله ذات وصفات فلما نقول كل ما سوى الله (أي كل ما سوى الله ذاتا وصفاتا) وعندها نقول أن ما سوى الله هنا أي ما سوى الله وصفاته (علمه ويداه وحياته ...الخ) فإن أخرجتم اليدين إلى الخارج لزمكم إخراج العلم والحياة والوجود وهذا ما لا تقولون به.
3 - أن العيب في الإحتياج هو احتياج الشيء لما هو خارج عن ذاته فتلك علامة النقص أما احتياج الشيء لما هو صفة له فليس نقصا وإلا فهل يصلح أن نقول: (هل الله محتاج لذاته / هل الله محتاج لعلمه / هل الله محتاج لوجوده / هل الله محتاج لحياته / هل الله محتاج لقوته / هل الله محتاج لقدرته ...الخ) فسواء سميتم ذلك احتياجا أم سميتموه بأي لفظ تشاؤون فهذا هو الواقع: نفس السؤال الذي تلزموننا به في صفة اليدين نلزمكم به في صفة العلم والحياة وفي وجود الله عز وجل ونفس جوابكم بخصوص هذه الصفات هو جوابنا بخصوص صفة اليدين فإن سمي ذلك احتياجا فليس هو الإحتياج المعيب إذ لا يعيب ذلك حتى المخلوقات فلا يمكن أن نقول: فلان احتاج لذكائه كي ينجح أو نقول احتاج لقدميه كي يفوز في السباق وإنما دلالة النقص أن نقول: فلان احتاج لمساعدة فلان كي ينجح وفلان احتاج لدراجة نارية كي يفوز في السباق (سباق الركض) فهو استعمل دراجة نارية وهي خارجة عن ذاته لذلك كان الاحتياج دلالة نقص واحتاج لشخص غيره كي ينجح فلو كان غير ناقص لاستغنى عنه لكن لأن الله تام فهو لا يحتاج لأي شيء سواء وكل ما سواه محتاج له ولا نقول إن الله ناقص لأنه يحتاج ليديه لأن ذلك يشبه القول (هل الله ناقص لأنه يحتاج لوجوده؟) فصفات الله شيء منه وليست بشيء خارج عنه فبطل الإلزام بغض النظر عن شقشقة التسميات والألفاظ.
#الخلاصة: التشنيع بلفظ التجسيم يمكن أن يلزم حتى المعطل على حسب رأي الكرّامي مثلا فالكرّامي يعرف الجسم على أنه الموجود والمعطلة يقولون بوجود الله فهل يجوز لنا أن نعير الأشعري ونصفه بالمجسم لأنه مجسم حسب تعريف الكرامية للجسم ؟ ونفس الشيء ينطبق على بقية الطوائف التعطيلية // لذا وجب تبيين المعنى الذي يريده الخصم فإن كان معنى باطلا نفيناه عن الله وإن كان معنى حق أثبتنا ذلك المعنى لله ولا نثبت لفظة الجسم لأنها مجملة يحملها الخصوم على أي معنى يريدونه ويلبسونها إيانا بالمعنى الذي أرادوا وقد رأيتم أن من معانيه ما يكون باطلا في وجوده سواء في الله أم في غير الله ومن معانيه ما يكون باطلا في حق الله دون المخلوقات ومن معانيه ما يكون حقا (كالموجود والقائم بذاته والمتصف بالصفات التي أثبتها لنفسه وأنه يرى يوم القيامة رؤيا عيان وله يدين ومستو على العرش فكل معنى أرادوه للجسم رأوا أنه من لوازم هذه الصفات فمشكلتهم ليست معنى بل مع النصوص الشرعية وقد بينت في هذا المقال إبطال بعض الشبهات في هذا الباب وأشهرها وقد أتكلم عن شبهات أخرى في باب الصفات في مقال آخر إن شاء الله.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

