الرد على أدلة محرمي الدراسة في الجامعات المختلطة
لاختصار الكلام والدخول في المفيد منه أجعل طرحي عبارة عن نقاط متسلسلة ومرتبة لا يتشتت معها الذهن، بعيدا عن تدويخ القارئ بالكلام الذي لا قيمة له.
#استدلاله_الأول: قال أحد الشيوخ المحرمين للاختلاط: ((والأدلة على تحريم الاختلاط في الكتاب والسنّة كثيرة ومنها : قوله سبحانه : [[وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن]])).
#الرد_على_هذا_الاستدلال:
إن هذه الآية التي ذكرها نزلت خاصة في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة أصحابه له داخل بيته، وذلك لأنه كان نبيًّا يستقبل كثيرا من الناس ويستحيي أن يختار منهم من يأذن له بالدخول أو عدم الدخول.
وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أن بعض الذين يدخلون بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن الوثوق بهم إما لأنهم منافقون أو فجّار وقد رويت روايات ذكرت سبب ذلك بالتفصيل ليس هذا موضع طرحها إنما يكفي ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ((قال عمرُ بن الخطابِ وافَقْتُ ربي في ثلاثٍ أو وافقَنِي ربي في ثلاثٍ.......ثم ذكر: وقلتُ يا رسولَ اللهِ يدخلُ عليكَ البرُّ والفاجرُ فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ فأنزل اللهُ آيةَ الحجابِ)).
أي أنها خاصة بأمهات المؤمنين وليست عامة في سائر النساء وهي حتى في أمهات المؤمنين خاصة بحالهن إذا كنّ في بيوتهن وليست دالّة على تحريم اختلاطهن بالناس على الإطلاق وإلا فكيف رُويت آلاف الروايات عن عائشة رضي الله عنها من طريق رواة رجال ؟ وكيف خرجت عائشة رضي الله عنها في وقعة الجمل وقبلها للحج وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسابقها، بل وكيف وقعت حادثة الإفك لولم تخرج عائشة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الناس.
بل إن قراءة الآية الكريمة كاملة يدل على بطلان الاستدلال بها على تحريم الاختلاط فضلا عن تعميمه على غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا)).
1 - بدأت الآية بقول الله ((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم..)) للدلالة على أن الموضوع خاص بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحده ولا يجوز تعميمه على من سواه بغير دليل.
2 - ثم قال الله ((فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق)) وهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن النص خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده وإلا فهل يمكن تعميم قول الله ((ولا مستأنسين لحديث)) على كل الناس فيحرم عليهم الاستئناس بالحديث مع بعضهم أو السهر في بيوتهم ؟ ثم إن العلة هنا أن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه رجل حمل رسالة الأمة وكان زائروه كثر لا يمكن عدّهم إضافة إلى وجود من وصفهم عمر بن الخطاب بالفجّار عند قوله (فإنه يدخل عليك البر والفاجر) فهل يُعمم هذا النص ؟
وذكر الطبري في تفسيره للآية قولا آخر عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنـزل في مبتنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، أصبح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا وبقِي منهم رهط عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأطالوا المكث، فقام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم ظن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترًا، وأُنـزل الحجاب.
3 - قول الله ((وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما)) فهل يعقل أن يُعمم هذا النص على غير النبي صلى الله عليه وسلم نسائه ؟ هل يحرم نكاح أزواج من مات من بعد موته أم أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ فمن أراد تعميم الآية النازلة في نساء النبي صلى الله عليه وسلم لزمه تعميمها كلها بما فيها هذه الأحكام التي يتفق المسلمون على أنها خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فتُخصص كل أحكام هذه الآية.
#استدلالهم_الثاني: قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل صفوف النساء آخر المسجد في أطهر بقاع الأرض فكيف يكون الاختلاط جائزا في غيرها ؟
#الرد_على_الاستدلال_الثاني: إن هذا الدليل حجة على المحرمين وليس حجة لهم، وذلك لأنه يقال لهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد تحريم الاختلاط لجعل للنساء مسجدا وللرجال مسجدا آخر كما تحرمون دراسة النساء والرجال في جامعة واحدة وتطالبون بتخصيص جامعة للنساء وأخرى للرجال أو الاكتفاء بجامعة للرجال فقط.
ثم لو شاء النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الاختلاط لخصص وقتا في الطواف حول الكعبة للنساء ولكنه أجاز الطواف المختلط بين الرجال والنساء في الحرم المكي وهو أطهر بقاع الأرض وهذا يدل على عدم تحريم الاختلاط لا العكس.
#استدلالهم_الثالث: قالوا إن الاختلاط ذريعة للزنا والواجب سد الذرائع.
#جواب_الاستدلال_الثالث:
أولا [قاعدة سد الذرائع] غير مجمع عليها بين الفقهاء أصوليا إنما هي حجة في المذهب المالكي فقط وإن عمل بها بعض فقهاء المذاهب الأخرى إما تنزيلا وإما تقعيدا.
لكنها ليست محل إجماع بين الفقهاء.
ثانيا: لا يوجد أي دليل من الكتاب والسنة يقطع بحجية هذه القاعدة وإنما أقصى ما يمكن قوله أنها قامت على أدلّة ظنية لا يلزم منها الإفادة بوجوبها. فقد يكون العمل بها مستحبا في حدود الممكن والمستطاع المعقول ولكنها ليست واجبة.
ثالثا: هذه القاعدة لا يمكن ضبطها بأي ضابط، متى يمكن اعتبار الشيء ذريعة للحرام ؟
رابعا: توجد نصوص شرعية حرّمت بعض الأفعال سدا للذريعة، مما يدل على أن سد الذريعة إن كان مطلوبا فإن الله لن يتركه دون إنزال نص خاص في تحريمه، أو يجعل تحريمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن القول بأن الله حرّم اللمم سدًَّ للذريعة ثم لا يكون قد حرّم ما هو دونه كالاختلاط ؟ كأن تحريم ما لم يحرمه الله من باب سد الذريعة فيه نوع من الاستدراك على الله وكأن المحرم يقول بلسان حاله [لقد نسي الله أن يحرم هذه المسألة وغفل عنها ولم ينتبه لأنها ذريعة للحرام]، صحيح أن القائل بسد الذرائع في غير ما وردت فيه النصوص لا يقصد الذهاب إلى هذا القول الذي ذكرته ولكن بما أن الله حرّم بعض المسائل سدا للذريعة ولم يحرم المسائل الأخرى بما فيها الاختلاط فإن محاولة تحريمه سدا للذريعة كأنه نوع من الاستدراك على الله ولو بغير قصد.
إن الله لم يحرم كل ذريعة محتملة وإنما حرم الذرائع التي تكاد تكون مؤكدة في إيصال العبد إلى الحرام وتلك هي التي تعد خطوات الشيطان، أما اعتبار كل احتمال للحرام ذريعة ثم تحريمه فهذا يلزم منه تحريم كل شيء.
خامسا: من المعلوم أن اللمم الذي جعله الله من الصغائر يكون بعد مرحلة الخلوة، والخلوة وردت فيها نصوص نبوية تجعلها أقل سوءا من مرتبة اللمم إذ لا يحصل الثاني إلا بالخلوة فكل لمم فيه خلوة وليست كل خلوة يكون فيها اللمم، وإذا كان اللمم نفسه قال الله فيه ((ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة))، وإذا علمنا أن اختلاء الرجل بالمرأة وإن ورد فيه النهي فإنه أقل سوءا من اللمم فكيف بما دون الخلوة ؟ بل كيف يكون مجرد الحضور في محيط فيه رجال ونساء حراما ؟ عندها سيحرم الخروج من البيت من أساسه لأن مجرد الخروج منه يعني الدخول في الوسط المختلط، في الطرقات والشوارع والأسواق والمحلات والجامعات والمستشفيات والبلديات وأماكن العمل، عندها لا يسع الإنسان إلا الموت ليسد الذريعة وذلك لأن الحياة نفسها ذريعة لفعل المعاصي ولا تؤمن الفتنة إلا على الميت، فهل نحرّم الحياة سدا للذريعة ؟
سادسا: لو سلمنا جدلا باعتبار قاعدة سد الذريعة حجة في التحريم، فهل الدراسة في الجامعة ذريعة فعلا للزنا ؟ وهل كل الذين درسوا في الجامعات زنوا والعياذ بالله ؟ بهذا الشكل سيكون القذف جماعيا على المستوى العالمي.
#السؤال_الأهم: أليس يوجد على سطح الأرض مكان فيه الاختلاط إلا الجامعات حتى يحرّموها ؟ بل السؤال الأدق: هل يوجد مكان قط ليس به اختلاط ؟ حتى داخل البيوت فقد تعيش المرأة في بيت أهل زوجها ومعه إخوته وحتى ولو تحجبت عنهم فإن القاعدة التي حرموا بسببها الدراسة في الجامعات ستنطبق عليها من باب أولى [الحضور في مكان فيه رجال ونساء أجانب عنهم].
ولو وقع التمادي في سد الذرائع فإن كل شر محتمل سيقال بتحريمه مهما كان احتمال وقوعه بعيدا وعندها والعياذ بالله قد يظهر لنا جيل يقول بتحريم الاختلاط بين الرجل وأمه أو أخته أو ابنته بدعوى أنها ذريعة لزنا المحارم [عياذا بالله] فيفسدون بذلك نوايا الناس وقلوبهم ويدفعونهم إلى التفكير بما لم يفكروا فيه حتى بينهم وبين أنفسهم لمجرد أن هذا الفعل يمكن وقوعه فهو ذريعة للحرام.
بل بنفس المنطق سيحرم على الرجل الاختلاط مع زوجته في نهار رمضان لأنه ذريعة لفعل ما ينهى الصيام عن فعله، ومثلها يحرم عليه أن يتجول قريبا من المأكولات حتى لا تكون ذريعة تدفعه للإفطار ويحرم أن يكسب مالا من الأساس لأنه بلا مال لن يضطر الزكاة ولو جمع مالا فإن تلك ذريعة لعدم إعطاء الزكاة بعد أن كتبت عليه وبنفس منطق الذريعة أعطني أي حكم وسأجعله لك حراما كونه ذريعة محتملة لفعل محرم ما، بل عندها سنحرم حتى دعاء الله لأنه ذريعة للإلحاد في حال عدم استجابته واستماع الداعي لشبهات الشيطان وما شابه.
وملخص الكلام أن من أراد سد الذريعة فليسد على نفسه لا على غيره فإن كل إنسان أدرى بالذرائع المحتملة عنده فمن كان يعلم من حاله أنه لو وجد في مكان عمومي فيه النساء فإنه سيقع في الزنا [رغم أنها ذريعة بعيدة جدا لأنه حتى ولو أراد الوقوع في الزنا فإن النساء أمامه لسن فاكهة ملقاة على الطرقات يقطف منها ما يشاء].
والذريعة الأكبر والأسهل للزنا مفتوحة أمام كل الناس سواء دخلوا الجامعات أم لم يدخلوها فمن أراد الزنا فإنه يقصد أماكنه المعروفة أو يسعى له سعيا في كل مكان.
كتبه #صهيب_بوزيدي
