الإشارات النقلية على عيشنا حياة قبل هذه

قبل البث المباشر الذي سأفصل فيه كل شيء بخصوص النظرية التي حدثتكم عنها أودّ التمهيد لذلك بنقل بعض الإشارات الدالة على أننا عشنا حياة قبل هذه الحياة [لا ندري أهي حياة واحدة أم عدة حيوات ولكن على الأقل سأمهد لذلك بمقدمة يمكن الاتفاق على صحتها بشكل أكبر مما سيليها وهي عيشنا قبل ولادتنا].

#النص_الأول: - قال الله ((وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون))

الشاهد من الآية: لا شك أن هذا الكلام الذي جرى بيننا وبين الله لم يكن في حياتنا هذه، أي أنني بعد أن ولدت سنة 1990 إلى يومنا هذا لم يحدث أن قال لي الله ((ألست بربكم)) في خطاب مباشر ولم أقل له ((بلى شهدنا)) فمتى حدثت هذه الواقعة التي يخبرنا الله بها في القرآن ؟ لا شك أنها حدثت قبل ولادتنا في هذه الحياة الحالية التي نعيشها.

روى ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية فقال ((ابن عباس قال: إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة))

#النص_الثاني: قال الله عز وجل ((إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا))

الشاهد من الآية: أن هذه الأمانة عُرضت علينا قبل أن نُبعث في أجسادنا هذه وإلا فإني منذ ولادتي سنة 1990 لم تُعرض علي أي أمانة لأقبل أو أرفض، فمتى حدث ذلك ؟ لا شك أنه حدث في حياة عشتها قبل هذه الحياة وكذلك ورد هذا العرض على السماوات والأرض والجبال أي أنه كان لهذه المخلوقات خيار أن تعيش حياة البشر ولكنها رفضت فعاشت على أنها سماوات وجبال وأرض، وإلا فهل من المعقول أن يُجمِع البشر جميعا على قبول اختيار خوض اختبار الجنة والنار وتُجمع السماوات والأرض والجبال على ألا يخوضوا هذا الاختبار ؟ علما أن الأمر فيه سعة واختيار أفلم يكن واردا أن يرفض ولو إنسان واحد هذا العرض أو يقبل به ولو جبل واحد ؟ فهل كان ذلك بمحض الصدفة أم كان بناء على ماذا ؟ لا يمكن القول بأن الأمر مبني على تركيبة الإنسان أو الجبال التي لم يكن لهم خيار فيها وذلك لأن هذا يمس بكمال الاختيار فيما اختاروه إذ التركيبة التي خلقوا عليها هي سبب اختيارهم فلماذا يصف الله الإنسان بالظلوم الجهول ؟ لو كان مسيرا في اختياره لما كان يمكن وصفه بالظلوم، والأقرب للمنطق في تفسير هذه الآية أن الله سأل أرواحا لم تكن بعد قد صارت سماوات ولا أرضا ولا جبالا ولا بشرا وإنما فازوا باختبار يؤهلهم لخوض الأمانة فبعضهم اختار بعد هذا الفوز خوض الاختبار فصار بعد اختياره من البشر وأما من رفضوا الاختبار فاختاروا ما بين السماوات والأرض والجبال وبناء على اختيارهم تحددت ماهيتهم في الوجود فصاروا كذلك، فإن قال قائل إن الله سماهم بالسماوات والأرض والجبال في حين عرض الأمانة عليهم مما يدل على أنهم كانوا كذلك، قلت إنه لا يلزم فهم ذلك في لغة العرب، فيمكن القول [ولد النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الثاني] رغم أنه لم يكن نبيا آنذاك فنحن سميناه نبيا بناء على ما كان عليه آخر أمره، وكذلك السماوات والأرض والجبال سموا كذلك لأنهم صاروا كذلك في آخر الأمر، فالله يحكي لنا عن تاريخ هذه الأشياء التي صارت بهذه الأسماء فسماهم بأسمائهم، وكذلك يقول الله ((يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا)) والشاهد من هذه الآية أن الله سمانا بالناس ثم ذكر مراحل مررنا بها لم نكن نسمى عندها بالناس فهو سمانا بالناس في موضع سرد قصتنا إذ كنا ترابا ثم نطفة ثم علقة ..إلى آخر تلك المراحل، فكذلك يسمي الله السماوات والأرض والجبال بهذه الأسماء حتى وهو يحكي لهم عن ماضيها قبل أن تصبح كذلك وليس شرطا أن تكون على هذه الهيئة أو بهذه الأسماء في الوقت الذي عرضت عليها الأمانة كما أنه لم يكن اسمنا الناس لما كنا ترابا ثم نطفة ثم علقة.

وقد فسر بعض المفسرين هذه الآية بأن الأمانة عرضت على السماوات والأرض والجبال كما هي وعرضت علينا بمعنى عرضت على آدم وحده.

قلت إن في هذا التفسير خلل من عدة جوانب:

1 - وصف الله في الآية الإنسان بالظلوم الجهول، ومن غير المعقول أن يكون آدم هو المستحق لهذا الوصف دون من سواه إذ هو الذي اختار بحسب هذا التفسير فيكون هو الظلوم الجهول وهذا غير معقول إذ لو كان آدم عليه السلام هو المستحق الوحيد للفظ الظلوم لكان في النار ولكنه خُلق في الجنة وكرمه الله بأن أسجد ملائكته له ثم بعث نبيا في الأرض ومات فذهب إلى الجنة مجددا فعلى ماذا يستحق الذم ؟ إنما يستحق الذم أغلب الناس الذين يكفرون برسالات الله من بعدما قامت عليهم الحجة فيقول الواحد منهم يوم القيامة ما قاله الله عز وجل ((ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا)) إذ هنا يتمنى الكافر لو أنه اختار أن يكون ترابا [جزءا من الأرض أو الجبال] ويدرك أن اختيار الجبال والأرض والسماوات في عدم قبول الأمانة هو القرار الأفضل الذي كان عليه أن يختاره مادام غير قادر على تحملها.

أما الإنسان المؤمن فضلا عن النبي فإنه لا يندم على اختياره ولم يكن جهولا ولا ظلوما عند اتخاذه قرار حمل الأمانة وذلك لأنه كان على قدر حملها وفاز بالجنة فاختياره الآن أفضل من اختيار الجبل والأرض والسماء حيث فاز بالخلود في الجنة.

2 - وأيضا من النقاط المشكلة على تفسير الإنسان الذي تحمل الأمانة بأنه آدم وحده، أن الله قال ((ولا تزر وازرة وزر أخرى)) فكيف يعقل أن يختار آدم وحده خوض هذا الاختبار وتحمل هذه التكاليف ثم يقال لنا [هذا ما اخترتموه بأنفسكم] إذ نحن في هذا التفسير الذي قالوه لم نختر خوض الأمانة إنما اختارها آدم فكيف نُلزم بما لم نفعله ؟

#النص_الثالث: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الأرواح جنود مجندة فما تعرف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)) [رواه البخاري ومسلم]

قال ابن حجر العسقلاني قال الخطابي ((يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد , وأن الخيِّر من الناس يحن إلى شكله والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر , فإذا اتفقت تعارفت , وإذا اختلفت تناكرت ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام , وكانت تلتقي فتتشاءم , فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم))

والشاهد من نقلي كلام الخطابي هو ما أورده في الاحتمال الثاني في قوله ((ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام وكانت تلتقي...)) فقوله (ما جاء) أي ما جاء في النصوص والمستقر عنده هو خلق الأرواح قبل الأجسام وإنما المحتمل هو ربط هذا الحديث بهذه الحقيقة وليس المحتمل عنده خلق الأرواح قبل الأجسام، أي أن خلقها قبل أجسامها معلوم عنده عبر عنه بقوله [ما جاء] كما أن وجود الخير والشر في حياتنا هذه أمر معلوم مستقر وليس هو المحتمل في خياره الأول وإنما المحتمل ربط هذه الحقيقة بمعنى الحديث.

وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى منها ما يشير إلى تلاقي هذه الأرواح بالليل ومنها ما يشير إلى أنها كانت تتشامّ كما تشام الخيل وهو قول علي رضي الله عنه وبعض الصحابة ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَإِذَا الْتَقَتْ تَشَامُّ كَمَا تَشَامُّ الْخَيْلُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مُؤْمِنًا دَخَلَ مَسْجِدًا فِيهِ مِائَةُ مُنَافِقٍ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَذَهَبَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ الْوَاحِدِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مُنَافِقًا دَخَلَ مَسْجِدًا فِيهِ مِائَةُ مُؤْمِنٍ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا مُنَافِقٌ وَاحِدٌ لَذَهَبَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ الْوَاحِدِ)) [رواه الطبراني وابن حجر العسقلاني]

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: العقيدة والأسماء والصفات

هل يكفر منكر الجن والسحر

العقيدة والأسماء والصفات

سأنقل كلام المعترض كما قاله بأخطائه الإملائية واللغوية (عدم الإيمان بالجن والسحر أصبح كفر ؟ هو ده بقي ركن من أركان الإسلام) "تعليقه مصور أدناه". نعم،…

الحملة ضد الأستاذ أحمد دعدوش

العقيدة والأسماء والصفات

نفس التوجه الذي يسلكه الأستاذ أحمد دعدوش في مواضيع عالم الجن والسحر بما في ذلك الأقوال التي شُنّت لأجلها الحرب ضده هو الذي أقول به وأعتقده منذ زمن طويل…

الإله بين تصوري والتصورات الشائعة

العقيدة والأسماء والصفات

1 _ تصوري: أؤمن أن الله عادل تام مطلق ويعني ذلك أنه لا يفعل إلا الأفعال العادلة والتي يمكن للعقل السليم أن يفهم وجه العدالة فيها، فعلى سبيل المثال: فإني…