الأجوبة على أسئلة المناظرة حول النووي
#التعليق_الأول:
قد جعلت تعليقاتي على المناظرة على شكل سلسلة لاستخراج بعض الفوائد العامة بعيدا عن الشخصنة لذلك سأدخل في صلب الموضوع وأرد في كل مرة على بعض الأسئلة التي أراها محتاجة إلى التوضيح.
#السؤال:
من أسئلة محمد بن شمس الدين ((لماذا لا تضللون من يخالفكم في صفات الله بينما تضللون من يخالفكم في صفات بشريٍّ كالنووي؟)).
#الجواب_قلت_صهيب:
1 - أنا لا أضلّل ولا أبدّع من يخالفني في حكمه على أي بشريٍّ مهما كان إلا إن كان ذلك البشري ممن ورد في عينه نص على تزكيته كالأنبياء وأصحاب بيعة الرضوان والصالحين المذكورين بأسمائهم في القرآن لأن الطعن فيهم تكذيب لكلام الله، وبما أن الإمام النووي لم يُذكر في القرآن لا بالمدح ولا بالذم فإن الطعن فيه لا يجعل صاحبه مبتدعا ولا ضالا وإنما إن أخطأ في حكمه عليه فإنه يكون ظالما له والظلم ظلمات يوم القيامة، والمطلوب العمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما)) قالوا ((قد علمنا كيف ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟)) فقال ((بأن تكفه عن ظلمه)) لذلك فإننا لما نرد على الاعتداء الموجه ضد إنسان مظلوم سواء كان عالما أم عاميا فإننا ننصر ذلك المظلوم من جهة وننصر الظالم بأن نكفه عن ظلمه لأنه يكون ظالما لنفسه أيضا فنحن نريد إنقاذه من مصير أخروي قد لا يسرّه، فإن عاند واشتهر أمره وصار له أتباع يتعاونون معه على الظلم كان الواجب صدّ ظلمهم حتى لا يغتر به المزيد من المساكين فيقعوا في ذلك الظلم ولكي لا يُهدر حق ذلك المظلوم وتشوه سمعته كما أن هذا الظلم إن وجه لعالم كبير مثل النووي وغيره من العلماء فإن الأمر لا يقتصر على شخصه بل سيتسبب ذلك بحرمان الناس من الاستفادة من علمه وتراثه الذي تركه.
2 - المشكلة قد لا تكون في مهاجمة وتبديع الإمام النووي أو السيوطي أو البيهقي أو أبي حنيفة أو غيرهم وإنما المصيبة في أن القواعد التي بُني عليها هذا الهجوم في حد ذاتها باطلة ويلزم منها اتهام الله بالظلم وعدم العدل، وذلك لأن التبديع والتضليل العيني لازمه إخراج المُبدَّع إلى الفرق الهالكة في النار [حتى وإن لم يقر المبدِّع بإخراجه لفظا] وذلك معناه أن اتهام الله بأنه قد يلقي في النار عالما وعابدا ورجلا قضى كل حياته في خدمة الدين الإسلامي في النار لمجرد أنه خالف في بعض المسائل، وهذه مشكلة عميقة في فهم الإسلام، فمحمد بن شمس الدين يرى أن الفوز والهدى متعلق بخوض امتحان أحجيات من حلّ اللغز بشكل صحيح هو الفائز بالجنة ومن أخطأ فيه ولو بحسن قصد فهو الضال المضل وهذه المشكلة التي وقع فيها هو وغيره سواء من الفرق المنتسبة للسلفية أو المنتسبة للأشاعرة أو الشيعة أو غيرهم فهذه العقلية الخطيرة هي مكمن الداء.
3 - المخالف في صفات الله لا يقصد الطعن في الذات الإلهية مهما كان تصوره وإنما كل المسلمين يجمعون على أن الله تام مطلق منزه عن الضعف والعجز والسلبيات ولأننا لم نشاهد الله بأنفسنا فإنه من الطبيعي أن تختلف تصوراتنا عنه، والذين لجؤوا إلى التأويل والتفويض للنصوص لا يكذبون القرآن وإنما تلك طريقتهم في فهمه وهم يريدون بذلك تنزيه الله عن السلبيات فالواجب مناقشتهم فيما يرونه سلبيا فتُحل إشكالاتهم العقلية، فهؤلاء إن حاولوا مناظرة الملحد عقلا وجدوا أنفسهم قد استطاعوا إثبات وجود الله وفق صفات معينة قد تكون مخالفة لواظهر بعض النصوص ولأنهم يحبون الله ويؤمنون بأن الإسلام دين الحق فضّلوا تأويل تلك النصوص لتكون مناسبة لما استطاعوا إثباته عقلا لله على أن يخيّروا بين ترك الإسلام والبقاء على دين لا يقتنعون به عقلا، لذلك فالواجب على مخالفهم أن يناقشهم في تلك الإشكالات العقلية ويثبت لهم وجود الله عقلا بصفات تكون مناسبة لظواهر تلك النصوص [وهذا ما أعتقده شخصيا فتصوري عن الله موافق للصفات التي دلت عليها ظواهر النصوص وأستطيع الإجابة عن كل الاستشكالات المخالفة بطريقة عقلية إلا أن هذه المرحلة تقتضي على المستمع لجوابي أن يكون ذا باع في الآنطولوجيا والمنطق والإبستمولوجيا حتى لا يفهم كلامي بالمقلوب] أما مواجهة المخالفين في صفات الله بطريقة تحريم المنطق والفلسفة وعلم الكلام فهذا ليس من الحلول العملية التي تدعو المسلمين جميعا إلى كلمة سواء وإنما هذا الأسلوب يزيد الأمة تمزيقا بلا فائدة، فيكون الجدال عقيما يميل إلى الجهل أكثر مما يميل إلى العلم وصوت العقل.
4 - بناء على ما سبق فإن الفرق بين المسألتين أن المخالف في صفات الله يحب الله ولا يطعن فيه أما محمد بن شمس الدين فهو يطعن في الإمام النووي ولا يحبه بل لعله يبغضه ويبدعه ويحاربه، فهنا فسد القياس في المقارنة، ولعل مقارنته تصح لو أننا تساهلنا مع من يكره الله ويطعن فيه متعمدا ثم تشددنا مع من يطعن في النووي ويكرهه فوجب إدراك هذا الفرق جيدا، فلو أن محمد بن شمس الدين كان محبا للنووي وأخطأ في تصوره عنه مع حبه له لصحت له هذه المقارنة.
5 - كما سبق بيانه [الإنكار على محمد بن شمس الدين لا يعني تبديعه أو تضليله ولكنه غير مكلّفٍ بالتبديع العيني للأشخاص أصلا حتى ولو سلّمنا جدلا أنه أصاب في تبديعه فما الداعي لذلك ؟ كان بإمكانه انتقاد ما يراه خطأ دون التبديع العيني للشخص المخطئ، وأنا في طرحي هذا متناسق مع أفكاري فأنا لا أبدّع من خالفني في الطرح حتى ولو كان مدخليا بل أقول "إن كان ذلك مبلغ علمه وفهمه وكان يفعله من باب نصرة الإسلام فحتى ولو كان مخطئا فلعله يكون معذورا عند الله بجهله أو تأويله أو أحد الموانع الأخرى التي قررها أهل العلم قديما وحديثا ومن بينهم شيخ الإسلام ابن تيمية وعليها أدلتها من الكتاب والسنة والعقل ولقد شرحت هذا في موضعه أكثر من مرة، بل إني أقول بأن الكافر الذي لم تبلغه الحجة يكون معذورا عند الله ويعاد اختباره يوم القيامة وقد فصلت هذا في مقالات وبثوث مباشرة كثيرة من بينها مقال "دخول الجنة أو النار ليس بالحظ" فهذا الطرح منطلقه النظر إلى رحمة الله وعدله وما دلّت عليه النصوص الشرعية.
6 - كل ما سبق بيانه مبني على أساس التسليم الجدلي بأن ما يقوله محمد بن شمس الدين في العقيدة هو الصواب الذي لا نقاش فيه وما يقوله مخالفوه هو الخطأ الذي لا جدال فيه، وإلا فإن المسائل المختلف عليها نفسها قد يكون الصواب معه في بعضها ويكون الصواب مع مخالفه في بعضها الآخر ويكون كل منهما مخطئا في بعضها كما قد يتفقان على الصواب في بعضها الآخر وليس هذا موضع بسطها بالتفصيل لأن الموضوع له علاقة بالتفريق بين الخطأ والمخطئ لا بمناقشة الخطأ في حد ذاته.
7 - يجب التنبيه على أن ظهور هذا المنهج الذي يسلكه محمد بن شمس الدين ليس عبارة عن مؤامرة من أعداء الإسلام ولا أي شيء من هذا القبيل وإنما هو ردّة فعل لغرور وتكبر بعض الأطراف من الجهة الأشعرية حتى صاروا يعقدون الإجماعات بمعزلٍ عن مخالفيهم وصاروا يحتقرون مخالفيهم ويبدعونهم تارة ويكفرونهم تارة أخرى وقد تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لظلم عظيم وسُجن لمجرد آرائه [الصائبة في أغلبها] وأحرقت ومزّقت كتب الكرامية حتى لم يصل إلينا منها أي شيء وهذا الظلم والإره*اب جميعا مورس باسم الدفاع عن الإسلام والحمية للدين، ولو أن الأمر ترك للنقاش العلمي الهادئ الذي يسوده الاحترام لما اضطررنا لكل هذا، وإني لأشهد لما رأيته إلى الآن من مقدمة المناظرة أن محمد بن شمس الدين كان متحليا بآداب المناظرة ملتزما بموضوعها متخلقا في كلامه وطرحه وهذا هو الخُلق المطلوب من حيث منهجية المناظرة بينما كان محاوره حسن الحسني في مقدمته خارجا بعض الشيء عن هدوئه وقد تجاوز على شخص المناظِر وأساء إليه، ولعل بعض الناس يظنون الإساءة لا تقع إلا بالسب والشتم وذلك غير صحيح، فإن استعمال عبارات حادة أثناء الحوار يعد إساءة أيضا ولو كنت مكان محمد بن شمس الدين لاشترطت في بداية الحوار أن تكون الإساءة إعلانا عن إنهاء المناظرة فالمحاور جاء ليقدم ما لديه ويناقشه بهدوء ولم يأتِ ليُهان أو يستنقص منه خاصة إن كانت له عزة نفس وكبرياء كما هو الواضح من شخصية محمد بن شمس الدين، أقول هذا والكل يعلم أني مخالف له سواء في موضوع هذه المناظرة أو غيرها، وقد تعرضتُ للهجوم الشخصي من طرفه ثلاثة مرات، ولكن الحق أحق أن يُتّبع.
وإني بالرغم من مخالفتي له إلا أني أرى أن وجود هذا النوع ضروري لإحداث التوازن حتى يتخلى الطرف الآخر عن غلو؟وعجرفته، فوجود العقلاء من الطرفين يحل الإشكال أما وجود العقلاء من طرف واحد فقط فلا يزيد الطين إلا بلّة، فكما نرفض تبديع الإمام النووي نرفض تبديع شيخ الإسلام ابن تيمية فليس أقل منه قدرا ولا شأنا ومن تجاوز على شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام فلا يلومنّ من تجاوز على الإمام النووي لأن القاعدة تقول [لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة معاكسة له في الاتجاه].
كتبه #صهيب_بوزيدي

