رسالة بعنوان كم تمنيت لو أنك سلفي

فكر ومجتمع وتأملات

أولا بارك الله فيك على الدعاء في أول رسالتك وفي آخره أما بعد فإنك قد طرحت عددا من النقاط يحتاج الأمر وقتا للجواب عنها جميعا لكني سأجمُلُ في الجواب ثم أحيل إلى الجواب المفصل في كل نقطة سبق لي أن كتبتُ فيها.

#النقطة_الأولى: قولك أخي الكريم [كم تمنيت لو أنك سلفي]

جوابها: ألا تشعرُ أنّي في صفّك مادمتَ مسلما ؟ فأنا لست عدوا للسلفيين وإنما انتمائي ليس ضيقا لأحصره في الدائرة السلفية فكل المسلمين إخواني وأنتمي إليهم وينتمون إلي، فسواء كنتَ سلفيا أم أشعريا فاعلم أن إلهكم واحد، قال الله ((وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)) بل إن الله استعمل أسلوب الخطاب اللين مع أهل الكتاب فضلا عن المسلمين وأمر المسلمين بدعوتهم إلى كلمة سواء وتكون دعوتهم إلى الحق بتذكيرهم بالنقاط المشتركة قبل النقاط المختلف عليها فقال الله عز وجل ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)) فلاحظوا كيف يجمع الله القول مع أهل الكتاب فيذكر النقاط المشتركة كالإله الذي يجمعهم والكتب السماوية التي تجمعهم ثم يدعوهم بعد ذلك إلى الحق، أما الخطاب الموجه إلى المسلمين خاصة فهو أولى بالاجتماع ونبذ التفرق والتشتت فقال الله عز وجل ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نِعْمَتَ الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)) فلاحظوا كيف حث الله المسلمين على عدم التفرّق وهل يوجد أكثر من التفرق في الدين والتحزب فيه تفرقا ؟ قال الله ((ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون)) وقال الله ((إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)) ومن المعلوم أن التفرق والتمزق لا يخدم إلا مصلحة أعداء الإسلام فمن سياستهم فرق تسد وكانت هذه سياسة فرعون للسيطرة على قومه فقال الله ((إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين)) وقال الله ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)) وقال الله ((ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس)).

فإن كان المُرسِل الكريم يحب الرجوع إلى السلف فهل كان السلف يتسمّون بغير اسم الإسلام ؟ فلماذا لا يرجع إليهم في هذا أيضا؟ فإن قيل إن الناس قد جاءوا بالبدع من بعدهم قلت أفكلما جاءت طائفة ببدعة تسمينا باسم جديد ؟ فنتسمى بأهل السنة ثم ينتسب إليها غيرنا فنتسمى بالسلفية ثم ينتسب إليها غيرنا فنتسمى باسم آخر لا أعلم ما هو ثم نتفرع إلى ما لا نهاية من التسميات، أفليس الواجب البقاء على أصل الاسم الأول ومن أراد الانحراف عنه يتحمل مسؤوليته ؟ هل إذا دعوت بوذيا أو هندوسيا أتدعوه إلى الإسلام أم إلى فرقة السلفية ؟ بل ومن المشايخ المحسوبين على السلفية من رفض التسمي بهذا الاسم، منهم الدكتور ذاكر نايك والشيخ مصطفى العدوي وعبد العزيز آل الشيخ وعبد العزيز بن باز وصالح اللحيدان [فيما أذكره] وغيرهم كثيرون جدا ويجب أن نعرف جيدا أن التسمي بالسلفية لم يرد فيه نص على وجوبه ولا على استحبابه ولا على تحريمه وإنما هو أمر اختياري وأنا اخترت عدم الانتساب إلى أي جماعة أو التسمي باسمها.

#النقطة_الثانية: قولك [كلما أرى طعنك في إجماعات القرون الأولى أحزن جدا بل أكاد أبكي]

أقول: أعطني طعنا واحدا فقط في الشيء الذي ذكرته، فإني لا أقول بإمكانية وقوع الإجماع إلا فيما ورد فيه الدليل القطعي ثبوتا ودلالة وهذا هو الواقع فكلما كان الدليل ظنيا كلما اختلف الناس فيه فإن كانت ظنيته في الثبوت اختلفوا في إثباته مما يعني اختلاف أحكامهم وعدم وقوع الإجماع وإن كانت ظنيته في دلالته فسيختلفون في فهمه ومطابقته لمناط استدلاله وإن كان قطعيا دلالةً وثبوتا فإن الدليل يغني عن الاحتجاج بالإجماع، وإنما قد يستفاد منه إلزام غير المؤهل في النظر إلى الأدلة كأمثال الكيالي وميزو وشحرور وغيرهم من التنويريين الذين يخالفون ما كانت عليه الأمة في المسائل الثابتة، فإن محاججتهم بالإجماع ليست لسبب ضعف الأدلة الشرعية على المسائل القطعية التي خالفوها وإنما بسبب ضعف آلتهم الإدراكية حتى في اللغة العربية.

ولا أحسبني خرجتُ عن أي إجماعٍ سواء كان للسلف أم الخلف ولكني أقول بأن المسائل التي وقع فيها إجماع حقيقي نستطيع الدفاع عنها بالأدلة من الكتاب والسنة وهو الأولى لأن الإجماع متفرع عن هذين الأصلين في مصادر الشريعة.

كما أني أرى من جهة أخرى صعوبة التحقق من ثبوت الإجماع إذ لا يمكن تحديد علماء أي عصرٍ جميعا وحصرهم في أسماء معينة، فإن أردنا البحث في إجماع أهل زماننا مثلا على مسألة معينة فهل هناك طريقة تجعلنا نقدر على جمع كل علماء الأرض دون نسيان مغمور ولا مشهور منهم ؟ كثير من العلماء قد يخرجون من القضية لظن الناس أنهم ليسوا من العلماء بينما قد يدخل فيها من لا علم له لمجرد اشتهاره عند الناس على أنه عالم، ناهيك عن الخلافات المذهبية والسياسية التي تجعل كل جماعة تتفرد برأيها وتقصي غيرها من الجماعات والمذاهب والأحزاب فكيف سيقع الإجماع بعد كل هذا ؟ وحتى في الأزمنة الفائتة كانت هذه الإشكالية قائمة وفي زمن الصحابة كان عددهم 120 ألف صحابي إضافة إلى التابعين المعاصرين لهم فكيف سيجمع هؤلاء جميعا على مسألة واحدة ؟ وكيف سيميز بين عالمهم وغيره ؟ وهل طلاب العلم يدخلون في الإجماع ؟ وما هو الحد الدقيق الذي يميز بين العالم وطالب العلم هل له معيار واحد دقيق ؟ وهل ذلك الطالب الذي بقي بينه وبين درجة العالم الافتراضية نسبة 1% أي أنه بلغ 99% من مرحلة العالم يُعد محسوبا من العلماء أيضا ؟ وهل الذي تجاوز الحد الأدنى لوصف العالم يعرفه كل الناس على أنه عالم ؟ هذه هي الإشكالات التي وجدتها في موضوع إمكانية تحقق الإجماع من حيث الواقع.

ومع ذلك فإني عمليا لم أخرج عن المشهور بين العلماء على أنه إجماعٌ، ولكن ليس كل من ادعى إجماعا يكون مصيبا وقد يُدعى في المسألة الواحدة الإجماع على الحكم ونقيضه وقد قال الإمام أحمد بن حنبل (من ادعى الإجماع فقد كذب) وأنا أقول [من ادعى الإجماع فتلزمه البيّنة] فها هو كلامي أخف حدة من كلام الإمام أحمد فلماذا يبكيك أخي الكريم ؟

#النقطة_الثالثة: قولك [وأقول كيف خسرنا هذا العقل الكنز]

جوابه: لو كان بعقلي ما يستحق مدحه فإني ولله الحمد مسلم أدافع عن الإسلام كله وذلك خير من الدفاع عن جماعة واحدة متفرعة عنه.

ومع ذلك فالحق ليس بحاجة لي ولا لألف شخص مثلي لأن الله ينصر دينه ويظهر الحق وما الدعاة إلى الله إلا وسائل وأسباب سخرهم الله لذلك وما أنا إلا مسلم من بين أعداد لا تحصى من المسلمين أحاول بدوري البحث عن الحقيقة ونشرها فلا أعتبر وجودي مكسبا ولا ذهابي خسارة وإنما وجودي كعدمه لأن الذي يتولى أمر الدين هو الله ربنا ورب العالمين وقد قال فيمن هم خيرٌ مني ((وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)) وقال عز وجل ((إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)) وقال ((إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأناكم من ذرية قوم آخرين))

فالواجب ألا تعلق نفسك بالأشخاص [لا أنا ولا غيري] فإن كنت مقتنعا بأني مخالف للحق فلا تأسف علي ولا تحزن فليس الحق بحاجة إلي ولن ينقص منه شيء إن خالفتُه.

ولكني أعتقد بأني أتكلم فيما أعلمه وأنشر ما أراه حقا ولست أزعم أني مصيب في كل ما أقوله لأني كغيري من البشر أخطئ وأصيب إلا أني أعاهد الله على ألا أنشر شيئا إلا وأنا أحسبه الحق وأدين الله به.

#النقطة_الرابعة: قولك [أي أح>مق استفزك وظلمك فأعان بحمقه على تغيير منهجك]

فجوابه: إن كنتُ كما وصفتني (صاحب عقل كنز وكنت تأمل أن أكون ابن تيمية هذا الزمان) فهل تتخيل أخي الكريم أني بهذه البساطة أغيّر منهجا كاملا لمجرد استفزاز شخص ما لي ؟ هذا الظن مناقض لظنك الأول.

فاختياري لما أراه حقا ليس له أي علاقة بمواقف الناس معي ولا استفزازاتهم ولم يقدر آلاف المداخلة على تغيير قناعتي وصدي عن الرد عليهم أفيقدر شخص واحد على تغيير منهجي كله هكذا بكل بساطة لمجرد استفزاز منه ؟ وهل السلفية ملكٌ لأحد حتى أغضب منه فأقرر تركها ؟ لو أني كنت مقتنعا بالمنهج السلفي لما تركته حتى ولو خالفه شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه فضلا عمن هو دونه، ولكني لا أقتنع به، وليس معنى ذلك أني أحاربه كما لا يعني ذلك مخالفتي للسلفية في كل شيء ولكني لست سلفيا [وهذا القرار اتخذته منذ سنة 2017] ولا أظنك عرفتني قبل هذه السنة لذلك فإني منذ ذلك الحين يحسبني الناس من السلفيين نظرا لموافقني لشيخ الإسلام ابن تيمية في باب الصفات [ومازال موقفي من الصفات كما كان لم تتغير قناعتي فيه] وقد كنتُ أنشر مقالات للتأليف بين السلفيين والأشاعرة قبل أن تُشنّ علي تلك الحرب بسبب أقوالي في مسائل الصفات والفلسفة حيث كفرني بعضهم وبدّعني آخرون بدعوى أني مجسم، ولم يبين أي واحد منهم دليلا واحدا على خطأ أي عبارة قلتها فضلا على أن تكون مكفّرة وكنت أحاججهم بالأدلة فيردون علي بالسب والشتم والتكفير إلى أن أدركت أن غلطتي الوحيدة هي مخاطبتي لأولئك الناس بما لا تدركه عقولهم ومستوياتهم العلمية وكان الواجب ألا تُطرح المسائل التخصصية إلا أمام المتمكنين من أصحاب المستويات العالية من الذين يحترمون العلم ويعرفون قدره ويميزون بين أهله الحقيقيين والمدعين الزائفين.

فليس من الحكمة مناقشة الدوال اللوغاريتمية والاشتقاقات مع تلميذ في مرحلة الحضانة أو التمهيدي أو التحضيري أو حتى الابتدائية وحبة الحمّص لو أكلها الكتكوت فقد تعلق برقبته فيختنق، لذلك قررت التوقف عن الكلام في تلك المسائل والكلام فيما يكون ذا فائدة عملية للناس.

#النقطة_الخامسة: قولك [فصرت لمداهنة طوائف البدع والتمييع أقرب وأنت الذي هدى الله بك أقواما يا صهيب أنت مؤهل لتكون ابن تيمية هذا الزمان فبالله راجع معتقدك في مسألة دعاء الأموات والطائفة المنصورة والمعازف وأردوغان...]

أقول: لستُ أداهن أحدا والمداهنة تعني التخلي عن شيء من الآخرة لأجل غرض من الدنيا وهذه محرمة وهي تهمة خطيرة، وإنما إن قصدت الأشاعرة فإني لا أرى أنهم من أهل البدع أصلا وإنما هم من أهل السنة كما أن السلفيين من أهل السنة والخلافات بينهم تخصصية يحتاج إلى حلها المتخصصون من الفريقين وأنا لست منتميا لأي منهم ولو كان من طبعي المداهنة لما أُلصقت بي كل الأوصاف [مجسم، ناصبي، إخواني، جهمي، معتزلي، قبوري، علماني، ليبيرالي، شيعي، عنده غلو في حب معاوية، يطعن في معاوية، مدخلي، ملحد، وهابي، صوفي، تنويري، سلفي، أشعري...إلخ].

بالنسبة لبقية النقاط فقد فصلت كلا منها في مقالاته فأرجو أن تطلع على أدلتي فإن لم تقتنع بأحدها فاسألني عنه.

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…