آيات وأحاديث مبشرة بالمغفرة والرحمة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهمْ)) (رواه مسلم).

وفي رواية أخرى رواها أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لَوْلَا أنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لهمْ)) وفي رواية ((لَوْ أنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لهمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا لهمْ)) (كلاهما في صحيح مسلم أيضا).

#الشاهد_من_الحديث:

إن الله عز وجل متصف بالعفوّ والغفور والرحيم وغافر الذنب وقابل التوب لذلك كان لابد من وجود ذنوبٍ للعباد حتى يغفرها لهم ويعفو عنهم بها، وليس المعنى أنه يحثّ العباد على المعاصي وإنما يريد الله منهم أن لا ييأسوا من رحمته ويعلموا أن وقوعهم في المعاصي أمرٌ طبيعيٌّ لأن نفوسهم ليست معصومة من الخطأ، وليعلم الإنسان أن دخوله للجنة لا يكون إلا برحمة الله، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((سَدِّدُوا وقارِبُوا، وأَبْشِرُوا، فإنَّه لَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ أحَدًا عَمَلُهُ قالوا: ولا أنْتَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ منه برَحْمَةٍ، واعْلَمُوا أنَّ أحَبَّ العَمَلِ إلى اللهِ أدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ)) (رواه البخاري ومسلم)

فكان الشاهد من هذا الحديث أن الجنة العظيمة وملذاتها في قيمتها الحقيقية ليست تعدل هذه الأعمال التي يعملها العباد في الدنيا إلا أن الله برحمته كافأهم بها، وإلا فإن الإنسان في الدنيا يبذل من العمل 8 ساعات أو 12 ساعة لينال مرتبا ضعيفا قد لا يكفيه لنهاية شهره ثم يصلي لله خمس مرات في اليوم في بضع دقائق ويصوم مرة في الشهر وغيرها من الأعمال التي لا تأخذ من وقته الكثير فيدخل بسببها جنّة لا يجيء ملك الأرض جميعا في عُشر معشار أدنى درجاتها فهل كان العباد يستحقونها بأعمالهم لولا رحمة الله ؟ وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ((سددوا وقاربوا وأبشروا)) دلالة على أن المطلوب ليس الوصول لدرجة العصمة من الذنب "لأن ذلك مستحيل التحقق نظرا لطبيعة النفس البشرية) وإنما المطلوب التسديد والمقاربة، أن يتقي العبد الله ما استطاع، ولذلك فإن وقوع العبد في المعصية لا يجب أن يجعله يقول "أنا عصيت الله فلن يغفر لي وبما أني داخل للنار في كل الأحوال فسأرتكب كل المعاصي" بل الواجب أن يتبع السيئة الحسنة تمحها، وأيضا لم يجعل الله ذنوب الإنسان سببا أو مبررا ليعيّره الناس بها إذ هل منهم إلا من وقع فيها ؟ فقد قال صلى الله عليه وسلم ((كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)) (رواه الترمذي وابن ماجة) وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ)) فدل ذلك على وقوع العباد جميعا في أنواعٍ من المعاصي لا محالة فمنهم مقلٌّ ومنهم مستكثر، ولذلك قال الله عز وجل ((وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)) وقال تعالى ((إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا))، ومن رحمة الله أن جعل الفرائض مكفّرة للذنوب التي بينها فقال النبي صلى الله عليه وسلم (("أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟" قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا"))، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((من سبَّح الله في دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين. وكبر الله ثلاثًا وثلاثين. فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)) (صحيح مسلم)، ومن رحمة الله أن جعل ما يصيب العبد من ابتلاء كفارة له ما صبر عليه، فقال صلى الله عليه وسل ((مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمِّ، وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمِّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا؛ إِلاَّ كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)) (متفق عليه)

ومن يتفكر في كل هذه الآيات والأحاديث يدرك أن دخول الجنة والنجاة من النار سهل جدا، وكل الناس يدخلون الجنة إلا من أبى ورفض ذلك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله: وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى")).

وبناء على الأحاديث السابقة فليس معنى الحديث الأخير أن من يرتكب الذنب والمعصية يكون قد أبى الجنة وإلا فلن يدخلها أحد على هذا المفهوم كما أنه يكون معارضا للآيات والأحاديث السابقة وإنما المقصود أن الذي يطيع النبي صلى الله عليه وسلم ويجيب دعوته ويقبل بالإسلام وينقاد ويذعن لأوامر الله ورسوله فإنه يدخل الجنة حتى ولو وقعت منه بعض الذنوب من الصغائر التي استغفر منها أو الكبائر التي تاب منها فإنه يكون مستحقا لدخول الجنة مادام قد عصى الله وهو مذعن له ولم يعصه معاندا جاحدا مستكبرا، ولا شك أن استحقاق الله للعبادة معناه استحقاقه للخضوع المطلق ولا يوجد من يستطيع أن يخضع مطلقا خضوعا عمليا فيكون المقصود هو الخضوع قلبيا والإذعان له أولا ثم الالتزام بأوامره واجتناب نواهيه ما أمكن العبد ذلك (بأن يسدد ويقارب) ويشهد على هذا المعنى اليهودي الذي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام فقال له أبوه ((أطع أبا القاسم)) فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ((كان غلامٌ يهودي يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمرض فأتاه يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلَمَ، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار")) (رواه البخاري) والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه للإسلام فكان مجرد قبوله للإسلام طاعة له فقال له والده (أطع أبا القاسم) أي (أسلم) وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم (من أطاعني دخل الجنة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (الحمد لله الذي أنقذه من النار) مما يدل على أن دخول الإسلام وحده منقذٌ من النار إلا من خرق ذلك بالظلم وغيره من الكبائر، لذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه ((كُنْتُ رِدْفَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى حِمارٍ، يُقالُ له: عُفَيْرٌ، قالَ: فقالَ: يا مُعاذُ، تَدْرِي ما حَقُّ اللهِ علَى العِبادِ؟ وما حَقُّ العِبادِ علَى اللهِ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: فإنَّ حَقَّ اللهِ علَى العِبادِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا يُشْرِكُوا به شيئًا، وحَقَّ العِبادِ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ أنْ لا يُعَذِّبَ مَن لا يُشْرِكُ به شيئًا، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ، قالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا.)) (رواه مسلم).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ((قَدِمَ علَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إذَا وجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْيِ أخَذَتْهُ، فألْصَقَتْهُ ببَطْنِهَا وأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أتُرَوْنَ هذِه طَارِحَةً ولَدَهَا في النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وهي تَقْدِرُ علَى ألَّا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أرْحَمُ بعِبَادِهِ مِن هذِه بوَلَدِهَا)) (رواه البخاري).

وأخيرا أختم بقول الله تعالى ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)).

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

حرصي على سلامة معتقد المتابعين

فكر ومجتمع وتأملات

كثيرا ما أطرح مواضيعا على شكل مباحث مستقلة إلا أنها في حقيقة الأمر تحل إشكالات وشبهات قد يصطدم بها القارئ مستقبلا إن لم يصطدم بها فعليا. فأعرض المفهوم…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…