آراء بشرية وليست نصوصا شرعية

هذه بعض الأقوال المنتشرة التي يأخذها الناس على أنها من المسلّمَات في الدين، ولكنها في واقع الأمر آراء بشرية وليست نصوصا شرعية [ولست هنا أريد مناقشتها من حيث تصنيفها صوابا أم خطأ ولكن القصد هو الإشارة إلى كونها من الآراء البشرية لا النصوص الدينية] وأذكر منها:

#العبارة_الأولى قولهم: [عليك أن تتمذهب على مذهب بلدك فإن كنت جزائريا كن مالكيا وهكذا] ......أقول: هذا مجرد رأي بشري فليس هناك دليل يُلزم بالتمذهب فضلا على أن يختار لك مذهبك بناء على البلد الذي تعيش فيه.

#العبارة_الثانية قولهم: [الحق محصور في أقوال أئمة المذاهب الأربعة، وكل ما خرج عن ذلك فهو باطل] ......أقول: لا يوجد أي دليل شرعي أو عقلي على هذا الكلام.

#العبارة_الثالثة قولهم: [لا يجوز التغني بالقرآن ويجب قراءته بعفوية وبساطة دون تلحين له].......أقول: هذا القول باطل بل هو مخالف للشريعة الإسلامية وبعض الناس سمعوا العلماء يقولون [فلان يلحن في القرآن] على سبيل الذم فظنوا أنهم يذمّون التغني بينما اللحن هنا معناه الخطأ [يَلحَن في القرآن: أي يخطئ فيه] وهذا من المشترك اللفظي حيث يحمل اللفظ أكثر من معنى فهناك اللحن بمعنى الخطأ واللحن بمعنى إصدار الصوت الجميل والعلماء يقصدون باللحن الخطأ ولا يقصدون التغني به، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتغني بالقرآن فقال ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به)) [صحيح البخاري 6973] وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي موسى الأشعري عندما سمعه يقرأ القرآن: ((لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود)) وكان جواب أبي موسى الأشعري ((لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إلي لحبرتّه لك تحبيرًا)) فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه ولم يقل له إنك تريد التكلف في قراءة القرآن وتحبيره تحبيرا، ولم يتهمه بالرياء لما أراد أن يزيد في مستوى أدائه إن هو علم أن رسول الله يسمعه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((زينوا القرآن بأصواتكم)) [رواه النسائي وأبو داوود وابن ماجة وأحمد]

#العبارة_الرابعة قولهم: [صوت المرأة عورة].....أقول: هذا ليس حديثا وليس عليه أي نص شرعي بل النصوص تناقضه ولو كان صوت المرأة عورة لحرّم الله على النساء الكلام في حضور الرجاء بالمطلق ولكن الله حرم عليهن الخضوع بالقول ولم يحرم عليهن مجرد الكلام والدليل قول الله ((وقلن قولا معروفا))، والقول بأن صوت المرأة عورة وإن اشتهر عند المالكية فإني لا أراهم بنوه على نصوص شرعية وإنما على آراء واجتهادات أعلاها رتبة ما يُظن فيه القياس، ولا يمكن القياس في مسألة على مسألة أخرى وقد ورد النص الصريح في الفصل فيها ناهيك عن كون القياس نفسه فيه نظر، لذلك خالف جمهور العلماء المالكية في هذه المسألة ولم يعتبروا صوت المرأة عورة.

#العبارة_الخامسة قولهم: [لقد أُغلق باب الاجتهاد ولم يعد بإمكان أحد من بعد الأئمة الأربعة أن يبلغ درجة الاجتهاد المطلق].......أقول: هذه العبارة من أكبر المصائب التي ضربت الأمة في عقلها، إذ لا دليل عليها لا من القرآن ولا من السنة ولا حتى من كلام الأئمة الأربعة أنفسهم ولا يدلّ عليها عقلٌ ولا حسٌّ ولا واقع، فمعلوم أن عددا هائلا من أئمة الإسلام قد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق ولا يزالون يبلغونها في كل العصور فالإمام الطبري كان مجتهدا مطلقا وكذلك الجويني والغزالي والنووي وابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن القيم وابن حجر العسقلاني وغيرهم من العلماء الذين لا يمكن عدّهم ولا إحصاؤهم، حتى ولو التزموا بمذهب معين يفتون به فإن ذلك لا يناقض اجتهادهم وقدرتهم عليه، ومازال الناس إلى يوم القيامة يظهر فيهم القادرون على الاجتهاد ومن التناقض أن نُسلّم للعالم بقدرته على إثبات وجود الله وصحة الإسلام بغير حاجة منه إلى التقليد ثم نقول بعجزه عن إثبات صحة آرائه الفقهية المتفرعة عن هذه الأصول بغير تقليد، فإن الذي يملك أصولا معرفية قوية تمكنه من الاجتهاد المطلق في أصول الدين يملك هذه القدرة من باب أولى للاجتهاد في فروع هذا الدين، إن هو اتخذ الأسباب الموصلة لهذا المقام، ومن غير المنطقي أن يقال باستحالة بلوغ أحد من البشر مرتبة الاجتهاد إلا إن قالوا بنظرية مناقضة لنظرية التطور وهي نظرية التدهور حيث يُحكم على الجنس البشري بالتدهور العقلي والعلمي كلما مر عليه الزمن وهذا مناقض للواقع فالجنس البشري يزداد تطورا والتطور العلمي في شتى المجالات اليوم أعظم مما كان عليه بالأمس، فما الذي يجعل الإنسان المعاصر الذكي عاجزا عما فعله الإنسان القديم والظروف العلمية تسمح للمعاصر بالتفوق على القديم فضلا عن بلوغ مرتبته فحسب.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

أخلاقٌ تبدو متناقضة لكنها متعاكسة

فكر ومجتمع وتأملات

الموقف من الأديان والمذاهب المخالفة بين الشدة والرحموية. 1 _ نجد نوعا من الناس: يهتمّون بالخلافات المذهبية والدينية وفي الوقت نفسه تكون أحكامهم على…

لماذا أتصف بالشدة في ردودي

فكر ومجتمع وتأملات

مما يظنه كثير من الناس أني عنيف الطبع حاد اللسان أرد على من خالفني بحدة وقسوة وأزيد على ذلك تساهلي في الحظر (وهذا الظن صحيح في محله ولكن مع تعديل بسيط على…

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…