هل تنسخ السنة القرآن
#السؤال: هل يوجد نسخٌ في القرآن وهل تنسخ السنة القرآن ؟
#الجواب: النسخ يكون في الأحكام الفقهية وغالبا ما يكون نسخا جزئيا لا كليا أما نسخ القرآن للقرآن فثابت وأما نسخ السنة للسنة فلا إشكال فيه، ومثال نسخ القرآن للقرآن قول الله ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)) فهذه الآية نسخت وجوب القتال المحدد بواحدٌ ضد عشرة لتجعله محددا بواحد ضد اثنين فهذا يعد نسخا جزئيا لأن الحكم الكلي بقي على أصله وهو وجوب جهاد العدو وإن كان أقوى عُدة وعددا ولكن المتغير هو الحد الأدنى المطلوب لتلك المواجهة فكان الحد عشرة أضعاف ليصبح الحد ضعفا واحدا
وكذلك قول الله ((يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)) فهذه الآية نُسخت نسخا جزئيا بقول الله ((إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه)) فإن قيل أين النسخ الجزئي وقد كان الخمر جائزا ثم صار محرما ؟ كان الجواب (قد كان محرما جزئيا فكان محرما في أوقات الصلاة ثم اتسعت دائرة التحريم لتشمل كل الأوقات) وحتى هذه الآية المنسوخة بقيت سارية الحكم وذلك لأنه من بعد تحريم الخمر قد نجد من المسلمين من لا يلتزم بهذا التحريم فيكون مصليا لكنه شارب للخمر رغم ذلك، فمع ارتكابه لهذا الفعل المحرم قد يسأل (هل يجوز لي أن أصلي وأنا سكران ؟) فيقال له (لا يجوز لك أن تصلي وأنت سكران) فحتى وإن اركبت حراما بالسكر فإنك ترتكب إثما مضاعفا إن اقتربت من الصلاة وأنت سكران، أي أنك تستطيع السكر خارج أوقات الصلاة فتكسب إثم السكر وحده فإن سكرت في وقت الصلاة فلا تصلّي حتى يذهب عنك سكرك وتفقد بذلك أجر الصلاة وترتكب إثم تركك للصلاة بسبب هذا الخمر ولكنك لو صليت وأنت سكران فإنك ترتكب إثما أكبر من الإثم الذي ترتكبه لو سكرت خارج أوقات الصلاة، فالنسخ هنا رغم وقوعه إلا أنه ترك من المنسوخ أحكاما يجب تطبيقها.
لذلك فالنسخ في القرآن موجود وثابت (أعني هنا نسخ الأحكام).
أما نسخ السنة للقرآن ففيه إشكال وإن قال به بعض الفقهاء فليس محل إجماع والأرجح بالنسبة لي هو عدم نسخ السنة للقرآن وذلك للأدلة التالية:
1 _ قال الله ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها)) ولا شك أن السنة ليست خيرا من القرآن وإن كان مصدرهما في نهاية الأمر واحدا فالقرآن خير من السنة من جهة ثبوته وضبطه إذ هو متواتر تعهد الله بحفظه خلافا للسنة ففيها الصحيح والضعيف وغالبيتها ليست متواترة لذلك تُعد بإجماع العلماء المصدر الثاني بعد القرآن ولم يقل عالم قط إن السنة أعلى درجة من القرآن، كما أن القرآن متعبد بتلاوته وتحدى الله المشركين أن يأتوا بمثله خلافا للسنة فليست متعبدة بتلاوتها وليست محل تحدٍّ للمشركين، وأيضا كل ما في القرآن يجب أن يكون حقا سواء كان دينيا أو دنيويا بينما السنة فيها ما هو ديني وفيها ما هو دنيوي وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((أنتم أعلم بأمور دنياكم فإن بلغتكم عن الله فإني لا أكذب)) فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يتكلم بصفته نبيا وقد يتكلم بصفته قائدا للمسلمين (كما في واقعة بدر حين سأله الصحابي أهذا مكان بلغك الله إياه أم هو الرأي والمشورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل الرأي والمشورة فأشار عليه الصحابي بغير ذلك وسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم) فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا قول القائد لا المبلغ عن الله، وكذلك هو النبي المسلم الذي قال (أفلا أكون عبدا شكورا) فكان ذلك مما فعله تطوعا دون أن يأمره الله به حتى وإن أمره بالصلاة والقيام فإن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في الاجتهاد فكان يقوم حتى تتورم قدماه ولم يكن ذلك هو الواجب عليه بل فعله طوعا وحبا وشكرا لله فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف تصرف المسلم العابد لا المبلغ عن الله، وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الداعية الذي يجتهد في دعوته إلى الله فقد يوافق على ذلك أو يصحح له الوحي ويوجه كما في حادثة عبس وتولى وهو النبي الزوج الذي قال الله له ((يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم)) وهو النبي الإنسان الذي كره النظر إلى وحشي حتى بعد إسلامه لقتله حمزة رضي الله عنه رغم قبوله إسلامه وهو الذي يعاف الضب رغم تجويزه له وهو الذي قال (صلوا على صاحبكم) فرفض الصلاة عليه رغم تجويزه لذلك، لذلك تكون السنة في كثير من الحالات عبارة عن رأي شخصي للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إن كانت متعلقة بالدين كالإخبار عن الغيب أو الأحكام الشرعية أو العقائد.
وبناء على ما سبق فلا يمكن للسنة أن تكون خيرا من القرآن والله عز وجل يقول ((ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها)) فدل على أن السنة لا تنسخ القرآن لأنها ليست خيرا من الآية المنسوخة ولا هي من جنس الآيات أصلا.
وكذلك لا يمكن ترك الآية المتواترة (قطعية الثبوت) ونسخها بحديث (ظني الثبوت) فما ثبت بيقين لا يتغير عن أصله إلا بيقين والظني لا ينسخ اليقيني.
كتبه #صهيب_بوزيدي (من قناة صهيب بوزيدي: الفقه أصولا وفروعا، روابط قنواتي على تيليغرام في أول تعليق)
