هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

وردني سؤال عن رأيي فيما أثير من تكفير للأستاذ أحمد دعدوش من طرف جماعة الحدادية الجدد أو المداخلة الجدد (وهو اسم أُطلق على جماعة تطعن في الإمام أبي حنيفة والنووي وابن حجر العسقلاني والسيوطي وغيرهم، بل وفيهم من يكفّرهم، ويشتهرون بوصف كلّ من خالفهم في أبسط المسائل بأنه جهميٌّ أو مدجّن) وقالوا إن الأستاذ أحمد دعدوش استهزأ بحديث رسول الله ومنه فهو كافر مر.تد، فأحببت أن يكون الجواب عاما لأن القضية أصبحت شبيهة بالترند في الوسط الدعوي، إذ جماعة الحدادية الجدد هؤلاء يحبّون الترندات والحملات التي يحسبون فيها أنفسهم قد أمسكوا على أحد خصوهم ما يسقطونه به عند أصحابهم، ثم يفرحون بطعونات أصحابهم الذين يتفقون معهم من البداية على إسقاط ذاك المخالف ليظهروا بمظهر من فضحه وأسقط ذكره بين الناس.

#الجواب_التفصيلي_عن_الموضوع:

#أولا_الحكم_على_حديث_الجارية:

1 _ يقرّ الأستاذ أحمد دعدوش بصحّة الحديث وليس خلافه معهم حول تصحيحه أو تضعيفه وإنما عن الاستغلال الخاطئ لمتن الحديث، فليس كل دليل ثابتٍ يكون بالضرورة مطابقا لمناط الاستدلال، فالشيعة مثلا يستدلون بآية ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا....)) على إمامة علي بن أبي طالب إمامة يُعصم فيها من الخطأ والنسيان وتعطى له ولاية تكوينية يتحكم بها في ذرات الكون، فإن خالفتهم قالوا إنك خالفت كلام الله، بينما نرى أن استدلالهم بهذه الآية الصحيحة في ثبوتها استدلال غير صحيح في مطابقته لمناط الاستدلال الذي أرادوا الاستدلال له، فهذه الآية لا تدل على إمامة علي، فكذلك حديث الجارية صحيح ولكن وجه الإنكار هنا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية أسئلة مترابطة بمجموعها فهم أنها مؤمنة وليست من عبدة الأصنام، أما هؤلاء الناس فإنهم يسألون هذا السؤال للمؤمنين المسلمين الذين شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وليس هدفهم من السؤال أن يعلموا إن كانوا داخلين في الإسلام أم ينتسبون إلى ديانات أخرى وإنما ليعرفوا أهم من السلفيين أم الأشاعرة حتى يقحموهم في خانة يعقد عليها الولاء والبراء.

2 _ لا شك أني _صهيب_ أعتقد أن الله عز وجل في السماء فوق العرش، وهو بائن عن خلقه لا يختلط بهم ولا يختلطون به، ولا شك أني أخطّئ كل من يقول "ليس لله مكان" أو يقول "الله هو الذي أيّن الأين فلا يُسأل عنه بأين" بل أقول "يُسأل عن الله بأين، ولا مشكلة في السؤال" والله أيّن أينَ مخلوقاته لا أينَ نفسه، فهو الذي خلق الوجود ولكنه موجود وهو الذي خلق الحياة ولكنه حيّ وهو الذي خلق القدرة ولكنه قدير، فالله خالقٌ لصفاته غيره من مخلوقاته وليس خالقا لصفات نفسه.

3 _ لنسلّم جدلا أن الأستاذ أحمد دعدوش سخر من الرواية نفسها وليس من سوء استعمال الرواية فهل يكون كافرا ؟ الجواب: (لا)، لأنها رواية آحاد وقد يعتقد أي مسلمٍ عدم صحتها حتى ولو أخطأ في اعتقاده (مع أن الأستاذ دعدوش يرى صحتها، لكني أتكلم عن التسليم جدلا بخلاف ذلك)، فالتكفير لا يكون إلا بإنكار اليقينيات، وأما حديث الآحاد فهو ظنّيٌّ ولولا موقفي الخاص من ادعاء الإجماعات لادعيت فيه إجماع المحدثين والأصوليين ولكني أقول "الغالبية الساحقة من العلماء يقولون بظنية خبر الآحاد، ثم اختلفوا في حديث الآحاد الذي احتفت به القرائن أهو ظني أم يقيني، لكن حديث الآحاد عموما ظني" أنا _شخصيا_ أعتقد أن هذا الحديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأستدلّ به كما أنه موافق لآيات الله من حيث جوابه (أئمنتم من في السماء) ولكن السؤال (أين الله) موجود في هذه الرواية فقط وغير موجود في القرآن، وبالرغم من أني أرى صحته إلا أن التكفير لا يتعلق به، وكم من عالمٍ ضعّف كثيرا من الأحاديث في الصحيحين أو حكم عليها بالوضع فإن استهزأ مثلا بواحد منها أيكون كافرا وهو لا ينسبها للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ الكفر والإيمان منوطان بأركان الإيمان الستة، أما الإيمان براوٍ معين من رواة الحديث فهذا ليس من أركان الإيمان فهو بشرٌ لم نؤمر بتصديقه لنكفر إن خطّأناه أو كذّبناه، وأكرر، هذا الكلام كله لبيان حكم الاستهزاء بحديثٍ من أحاديث الآحاد ولكن الأستاذ دعدوش لم يستهزئ بالحديث بل يقر بنسبته للنبي صلى الله عليه وسلم ويقر بمشروعية السؤال في نفسه ولكن لا يقر بأن يُتّخذ ذريعة لتفريق المسلمين واستعماله مع غير أهله، ومن العلماء من حكموا على من يحدث الناس في أحكام الوضوء إن انتشرت فيهم منكرات أخرى بالخائن، فقالوا لكل مقام مقال فإن انتشر في قومٍ منكر الزنا أو السرقة أو شرب الخمر وحلّ فيهم عالمٌ وحدثهم عن أحكام الوضوء والغسل والطهارة كان خائنا ليس لأن هذه الأحكام منكرة لذاتها وإنما لسوء استعمالها في غير مقامها ووقتها، وإلا فالعلماء يجمعون على أن هذه الشعائر من الدين فهل يقال لهم (أنتم كفار تستهزئون بأحكام الوضوء والصلاة وتخونون من يتكلم عنها ؟) هل يقال لهم (قد صدق فيكم قول الله ((أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى)) ؟) لا شك أن أساليب التكفير والإقصاء وحمل أقوال العلماء على غير ما أرادوا من أسهل الأساليب خاصة لمن لم يعرف في قلبه ورعًا أو خوفا من الوقوع في ظلم العلماء.

4 _ هناك من يفهم من عبارة (أين الله قالت في السماء) أن المقصود هو السؤال عن مكانة الله لا عن مكانه، وإن كنت _صهيب_ أرى أن هذا الفهم غير صحيح، فالسؤال واضح أنه عن المكان أما السؤال عن المكانة بأين فيكون بالمقارنة كأن نقول (أين فلان من فلان) أنا (أين فلان) هكذا وحدها فتدل على المكان لا المكانة، ومع ذلك فحتى ولو أخطأ من أخطأ بهذا التأويل فهل نكفره ونحكم عليه بدخول النار ؟ هذا هو الشر الذي حذّر الأستاذ دعدوش منه كما أنه ينكر على الغلاة من الأشاعرة تكفير مخالفيهم أو تبديعهم لأجل هذه المسائل أيضا وليس ينظر بعين واحدة إلى الساحة.

#ثانيا_ما_مناط_السخرية_عن_الأستاذ_دعدوش ؟

1 _ مناط السخرية عنده تفريق المسلمين وتكفيرهم أو تضليلهم بناء على انتماءاتهم المذهبية في الأسماء والصفات، أي فتنة الأشاعرة والسلفيين، وذلك لأنهم جميعا مسلمون يؤمنون بالله ورسوله وبكل ما قاله الله عز وجل ولكنهم قد يختلفون في فهم مراد الله عز وجل، أما سؤال الجارية فكان ليعرف النبي صلى الله عليه وسلم أدخلت الإسلام أصلا أم لم تدخله، والدليل على ذلك أنه سألها عن نفسه (من أنا؟) قالت (رسول الله) وفي رواية أخرى قال (أتشهدين ألا إله إلا الله ؟) فهو أراد بسؤالها أن يعلم إن كانت مسلمة تؤمن بأن لا إله إلا الله وتؤمن بأن الله الذي تعبده ليس أحد تلك الأصنام التي يعبدها مشركو العرب آنذاك وليس إلها بشريا كما كان يقول اليهود والنصارى عن عزير وعيسى عليهما السلام، أراد أن يتأكد بأنها تعبد الله الذي في السماء فوق العرش وعرشه على الماء، نعم هذا ما أدين الله به دون مداهنة ولا مجاملة ولا مداراة، فهذا الحديث بالفعل دلّ على أن الله في السماء كما دلّت النصوص الشرعية على أنه فوق العرش وكل الدعاوى التي تزعم أن الله ليس فوق العرش بدعوى الخوف من التجسيم وما شابه دعاوى باطلة _في رأيي_ وأنا أخالف الأشاعرة والمعتزلة في هذا الباب مخالفة شديدة، ولكني في الوقت ذاته أعذرهم ولا أكفّرهم كما لا أبدّعهم لأنهم استندوا على بعض ما اعتبروه أدلّة صحيحة، ولكني أخالفهم في تلك الأدلة، أما الكافر فهو المكذب لكلام الله المعارض له، أي أنه لا يؤمن به أصلا، وكذلك المبتدع هو الذي يضيف من شريعة الله ما يعلم أن ليس له أصل فيها، أما من يعتمد على بعض النصوص فحتى ولو أخطأ استعمالها فلا يكون مبتدعا، وكذلك الذين اعتمدوا على حديث "أين الله" ليتخذوه وسيلة لامتحان الناس ليسوا مبتدعة لأنهم تمسكوا بأصل وإن أساءوا استعماله ولكنهم أيضا ليسوا على حقٍّ خاصة في تبديعهم وتكفيرهم كبار علماء الإسلام كالنووي وابن حجر والبيهقي والسيوطي تحت غطاء هذه الذريعة.

#ثالثا_هل_أوافق_الأستاذ_دعدوش_على_منشوره ؟

الجواب: لا أتفق معه على كتابة هذا المنشور لعدّة أسباب:

1 _ لأنه ظهر بمظهر من يستنكر جنس السؤال وأنا أجزم أنه لا يقصد ذلك بل يقصد استغلال السؤال للتفريق بين المسلمين.

2 _ لأنه بدا منحازا ضد الموصوفين بالمجسمة بهذا الإنكار وأنا أجزم أنه لم يقصد ذلك، فغالبية أصدقاء الأستاذ أحمد دعدوش يصفهم الأشاعرة بالمجسّمة (وأنا واحد من أصدقائه الموصوفين بهذا الوصف، وأنا بالذات لا يمكن لأي عاقل أن يتهمني بالتعطيل ولا التجهم إذ يمكن اتهامي بنقيض ذلك تماما، بل حتى رؤوس الحدادية الجدد هؤلاء كان أول اصطدام لهم معي أن وصفوني بالمجسّم، رغم غلوّهم الشديد في التعصب للتجسيم لكنهم رأوني أكثر غلوا منهم "طبعا أنا أنقل آراءهم دون الرد عليهم في هذا المقام فقد رددت في وقته" ولكن الشاهد من الموضوع: هل يعقل أن يتحامل الأستاذ أحمد دعدوش ضد من يوصفون بالتجسيم وأصدقاؤه كذلك ؟ أنا والشيوخ: أحمد يوسف السيد، سامي العامري، وحسن الكتاني، بل حتى فريق السبيل نفسه فيه عدد من السلفيين: الأستاذ سفيان وسائر الفريق، فهل من المعقول أن يكون قصده الاستهزاء بكل من يثبت أن الله في السماء والفريق الذي يتعاون معهم ويتعاونون معه على الدعوة من هؤلاء ؟

#أخيرا_أقول: يجب على كل من يعترض على أي إنسان معروف بالعلم والدعوة الرشيدة أن يتريث قبل الاعتراض، فقد يكون الخلل عنده، لا بأس بالسؤال "ماذا تقصد يا أستاذ ؟" فإن دواء العي السؤال، يعتقد كثير من الناس أنهم أغير من غيرهم على الدين، وكأن الدين ملك أبيهم لا يجوز لغيرهم أن يغار عليه، فليغاروا عليه ممن ينتهك حرماته بشكل واضح جليّ، فلتكن غيرتهم عليه ضد المفسدين الحقيقيين من أعداء الإسلام وأعوانهم في الداخل، فإن أرادوا توجيه السهام لأهل الصلاح والدعوة فليتريثوا حتى يفهموا كلامهم بشكل سليم، ويعرفوا الدين أيضا بشكل صحيح، وبعدها إن كان كلامهم باطلا يحث على الإفساد فالحق أحق أن يتبع ولا نجامل في دين الله أحدا، أما الاعتراض بجهلٍ وطيشٍ لمجرد الاعتماد على الحميّة وحدها فإنه يورث المرء المهالك ويجعله يفسد أكثر مما يصلح، والأستاذ أحمد دعدوش موسوعي العلم والمعرفة وليس كل من هب ودب يستطيع إسقاطه بهذه السهولة، الأمر أصعب مما يتبادر لأذهان المراهقين، ليس معصوما نعم، ولكن ليس من المغفلين الذين يهرفون بما لا يعرفون، فوجب التحقق من دلالة اللفظ جيدا قبل الاعتراض عليه فضلا على أن تصل الجرأة ببعضهم إلى تكفيره.

كتبه #صهيب_بوزيدي

هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل استهزأ الأستاذ أحمد دعدوش بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…