موقف حسن البنا من الدعوات المختلفة
هذه الكلمات الموجودة في الصفحة 12 من رسائل الإمام حسن البنا بالذات جعلتني أقف عندها مليًّا وأتعجب من حال الأمة والدعاة وكيف يمكن لكلام مبتور عن سياقه أن يشوّه صورة دعوةٍ بأكملها وذلك أني وجدتُ كثيرا من الدعاة والمشايخ "حتى الذين ظننتُ فيهم الإنصاف" ينتقدون على حسن البنا أنه جعل نفسه ميزانا في الولاء والبراء فما خالف كلامه رده وما وافقه قبِله وقد مررت بمثل هذا الكلام مجتزأً عدة مرات ومررت بما يشبهه فكنتُ أقول ومن غير مراجعة لموضعه ((لو عُدنا للسياق لوجدنا حسن البنا يتكلم عن دعوته على أنها دعوة الإسلاميين في مقابل دعوة العلمانيين فأولئك هم مخالفوه الرئيسيين)) ويجب أن ننتبه لقضية مهمة جدا وهي: لا يمكن اسقاط كلام حسن البنا على تصورات واقعنا الذي كثُرَت فيه الجماعات الإصلاحية التي يحاول كل منهم الإصلاح وإنما علينا أن نعرف بأن حسن البنا بدأ دعوته بعد سقوط الخلافة العثمانية وانتشار العلمانية والعامّية فعند بداية دعوته لم يكن هناك في الوجود إلا ثلاثة أصناف.
#الصنف_الأول الصِّنف العِلماني "الوطنيون والقوميون" وسيأتي تفصيل معنى "الوطنية" بمفهومها الإيجابي الذي قَبِله حسن البنا وبمفهوما الحِزبي السلبي الذي رفضه في الحلقة التالية.
والوطنية السلبية هي القائمة على حدود الأرض والموالاة والمعادات عليها فيوالي الوطنيون المصريون المصري النصراني أو الملحد ولو على حِساب المسلم الجزائري ويوالي الوطنيون الجزائريون الملحد أو ساب الله الجزائري ولو على حساب أتقى الناس في مِصر وقد شاهدنا يوم أم درمان كيف جرّت الوطنية الحزبية بالبلدين إلى فتنة عمياء قد وصفها حسن البنا بتفاصيلها قبل وقوعها بأكثر من نصف قرن وهو ما سأبينه في الحلقة القادمة.
وموقف حسن البنا من هؤلاء هو عدم جحود ما عندهم من الصواب ودعوتهم بالتي هي أحسن للحق فيما خالفوه فيه والحق هنا في دعوة حسن البنا ليس هو مفهومه الخاص للإسلام "كما قد يتوهم الناس" وإنما هو العودة إلى الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالحين كما سبق وقرره في الصفحة التي قبل هذه الصفحة مباشرة وبعد العودة إلى هذا الأصل لن تصبح الدعوة دعوة علمانية "لا وطنية ولا قومية" بل تصبح دعوة إسلامية سواء كان مفهومها للدعوة الإسلامية موافقا لما يراه حسن البنا أو مخالفا وفي هذه الحالة يكون الموقف منها هو الموقف من الصنف الثاني.
#الصنف_الثاني: الصِّنف الإسلامي؛ وموقف حسن البنا من هذا الصنف هو التعاون على الحق المتفق عليه والعذر فيما اختلفوا فيه من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف والتي يجتهد كل منهم بحسب الأدوات العلمية التي لديه والتي يحاول كل منهم فيها بلوغ الحق فلا يصيبه وقاعدة "نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" سيأتي تفصيلها في الحلقات القادمة وِفقَ مفهوم حسن البنا نفسه.
والشاهد: أن حسن البنا لم يجعل رأيه هو الميزان الذي يزن به الحق من الباطل وإنما جعل أصول دعوته التي تقوم على مفهوم كلّي وهو العودة إلى الإسلام وتحكيمه في كل حياة الفرد بدلا من العلمانية أو المفاهيم الغربية ويكون ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح "فمجرد محاولة الرجوع إلى هذه المرجعية عنده تكفي في أن تكون إسلاميا موافقا لما عنده ولو اختلفت معه في فهم بعض النصوص الشرعية" وبذلك يصبح المقصود من دعوته ليس اختياره للأحكام التفصيلية وإنما المقصود هو المرجعية الإسلامية نفسها فيكون ميزان الحق عنده هو الإسلام وليست الجزئيات التي قد يختلف فيها الإخوان أنفسهم فيما بينهم.
#الصنف_الثالث: الصنف العامي: وهم المسلمون الذين لا ينشطون في أي فِكرٍ وليس لهم أي هدفٍ أو غاية سوى العيش والأكل والشرب والتمسك ببعض السلوكيات التعبدية الفردية ثم الموت؛ هم جماعة "صلِّ صلاتك وارفع صبّاطك *حذاءك*" وهم جماعة "ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة" وغيرها من الأمثال الجاهلة التي تحث الناس على ترك العِلم وقضايا الأمة والالتفات إلى الدنيا البائدة.
وموقف حسن البنا من هؤلاء هو دعوتهم إلى الاهتمام بقضايا أمتهم وبذل الجهد في الدعوة والإصلاح وترك الخمول والركض وراء الدنيا الزائلة فإن استجابوا لذلك صاروا من الإخوان المسلمين بنظره وإن لم يستجيبوا فهم إخوانه المسلمون أيضا وجب عليه الدفاع عنهم والسعي نحو نصرتهم راجيا الله أن يزيدهم من هدايته وفضله ليزداد اهتمامهم بالدين فيحملوا همّ هذه الأمّة الإسلامية.
#الخلاصة: الدعوة التي جعلها حسن البنا ميزانا يعرض عليه سائر الدعوات وسماها "بدعوتنا" هي المفهوم العام للرجوع إلى "الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح من المسلمين".
وهي ترك الخمول والسعي نحو النهوض بالأمة الإسلامية وليس المقصود بها اختياراته الخاصة فهو لم يجعل رأيه هو الميزان ولم يجعل حتى فهمه للكتاب والسنة وسيرة السلف هو الميزان بل جعل الميزان هو المرجعية الإسلامية ألا وهي الرجوع إلى الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح.
وهذا ما يفهمه بوضوح كل من قرأ كلامه في سياقه؛ لذا فمن التدليس نقل كلامٍ مبتورٍ منتزعٍ عن سياقه ثم محاسبة صاحبه على أساس المعنى الذي يفيده الكلام المقتطع على طريقة "فَوَيل للمصلين" و"لا تقربوا الصلاة" ثم يقال حسن البنا يجعل قوله هو الميزان في الحق فكذلك لو اجتزأنا هذه الآيات عن سياقها لقلنا إن الله أمر بأن لا نقرب الصلاة ووعد المصلين بالويل بينما من ينظر لكلامه في سياقه يعلم حقيقة ما يقوله ويعلم المقصود ب"دعوتنا" كما يعلم من يقرأ الآيات في سياقها أن الله قال "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين يراءون ويمنعون الماعون" وقال "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" فيتضح المعنى المُراد جليًّا.
#والسؤال_الآن: هل الذين بتروا هذا الكلام أو تناقلوه من دون بينة ثم جعلوه وما كان مثله في ملصقات ينشرها سفهاؤهم في كل مكان لتشويه صورة حسن البنا؛ هل يمكن الوثوق بعِلمِ هؤلاء وعدلهم ؟ إن هم إلا أحد اثنين؛ مُدلٍسٌ بتر الكلام وهو يعلم الحق ونشره ويا ويله من الله رب العالمين على هذا الكذب والظلم؛ والآخر جاهلٌ مستهلك وصله الكلام مجتزأً فلم يكلف نفسه عناء التحقق من صحته وذهب ينسخ ويلصق في كل مكان.
وهنا يتضح للإخوة المتابعين لحسابي جيدا سبب حظري للناس الذين ينقلون مثل هذه الملصقات دون تكليف نفسي عناء الرد عليهم؛ وذلك لأنهم قوم لا يرتقون لمستوى الكلام العِلميّ ولا عندهم أدبُ من يريد التعلّم؛ وبدل إضاعة جهدي في مناقشة كلٍّ منهم أحفظ عملي بمقال كهذا أبيّن فيه الحق فيكون عاما ينتفع به الموافق ويغيّر المفاهيم الخاطئة عن المخالف المنصف؛ أما النوعية الذبابية التي تخدم أغراضا غير دينية فهؤلاء ليس همهم الحق وإنما مطامع الحياة الدنيا فهم يجعلون الأصل في الرجل الضلال لأن سادتهم أمروهم بذلك وبعدها يعطيهم سادتهم ما يريدون لهم أن يعتقدوا بأنه الدليل على ضلاله وما عليهم سوى النسخ واللصق دون التفكير فضلا عن الفهم.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

