الدفاع عمن لا مدافع له

التاريخ والتراجم

قال وهو يمازحني: ألا ترى يا صهيب أنك تدافع عن كل من حطّ عليه كل الناس عبر التاريخ ؟ كان الناس يختلفون في معاوية أهو مخطئ اجتهادا أم مخطئ ظلما فجئت تقول إنه على حق وكان كل الناس يتهمون محمد بن كرام والكرامية فجئت تدافع عنهم واتهموا يزيد فدافعت عنه وحتى الحجاج بن يوسف تدافع عنه بل وحتى من المعاصرين خصومك الذين طعنوا فيك وطعنت فيهم إذا نهض كل الناس ضد أحدهم بحملة إعلامية تخرج أنت لتدافع عنه فهل عندك مشكلة في الدفاع عن كل من هاجمه الناس ؟ بقي أن تكتب مقالا في الدفاع عن الذي قال له أبو حنيفة "آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه"

قلت: ذاك قد سأل الإمام أبي حنيفة متى يفطر الصائم ؟ فأجابه عند المغرب فقال له: فإن لم تغرب الشمس حتى منتصف الليل ؟ فقال أبو حنيفة "آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه".

أتطلب مني أن أدافع عن هذا ؟

قال: نعم فإنك لو أردت الدفاع عن الباطل لجعلته حقا بحجتك فأريدك أن تدافع عن هذا.

#قلت_صهيب: بصراحة ذلك الرجل كان سابقا لعصره في التفكير وكان ذكيا جدا ولعله اطلع على علومٍ لم يعرفها الشافعي وإلا فإن سؤاله منطقي للغاية:

1 _ ففي أقصى الشمال في البلاد الأسكندنافية وما وراء الدائرة القطبية فإن الشمس لا تغرب إلى الساعة الثانية عشر ليلا أو ما يعرف بالساعة 00:00 وهي ما يسمى اصطلاحا بمنتصف الليل وأحيانا قد لا تغرب الشمس لأسبوع أو لأشهر ثم تأتي أوقات لا تشرق فيها الشمس أبدا لأشهر.

2 _ فبناء على سؤال السائل فإنه سأل مسألة لا تتعلق بذلك المكان الذي يعيشون فيه وإنما هو سؤال ممتد لسائر العصور ويعد اليوم من الأسئلة التي يضطر العلماء للإجابة عنها فكان ذاك الشيخ الوقور ذو الثياب والمظهر الحسن مدركا لذلك قبل أوانه.

3 _ ذاك الشيخ لم يكن مجنونا وإلا لما كان بذلك الهندام والكاريزما التي جعلت أبا حنيفة يقبض قدميه وقد كان يمدهما أمام طلابه، تلك الهالة المنبعة منه تدل على أنه كان ذا عقل سديد على الأقل في التجارة "لذلك كان حسن الهيئة، أي ذو مال وجاه" ولا شك أنه لو قصد (فإن لم تغرب الشمس إلى منتصف الليل) أن الشمس ستغرب ويحل الليل ويصف منتصفه وفي نفس الوقت هي لم تغرب بعد فإنه يكون أحمقا ومجنونا ومثل هذا يتقاذفه الصبيان بالبعر والحجارة ولن يكون بتلك الهيئة التي جعلت أبا حنيفة بجلالة قدره يقبض قدميه لما ظهر عليه من هيبته.

4 _ كانت مدرسة أبي حنيفة معروفة بالفقه الافتراضي لذا يكون السؤال عن شيء غير منوط بواقعهم سؤالا منطقيا وفق قواعد تلك المدرسة فلا غرابة أن يكون قصده عن الدول الأسكندنافية ولعله لتجارته سافر بعيدا فلقي أناسا حدثوه عنها أو علم ذلك من خلال الجن ونحو ذلك.

5 _ علماء الشريعة اختلفوا في هذه الظاهرة اختلافا شديدا نظرا لصعوبتها فقال بعضهم: إن كان للشمس غروب في اليوم ولو استمر شروقها 21 ساعة فيصوم الإنسان وفق الشروق ويفطر بحسب الغروب عملا بأصل النص أي يفطر ولو بلغ منتصف الليل وقال بعضهم ويرخص له أن يفطر للمشقة ويقضي في الأيام التي يقصر فيها النهار وقال بعضهم بل يلجؤون إلى تقدير وقت الغروب والشروق بحسب البلدان الطبيعية وتعد هذه حالات استثنائية وهي الحالة التي اتفقوا عليها في حال الشروق الذي يدوم أياما وأسابيعا وشهورا بلا غروب فمنهم من حمله على الشروق إلى منتصف الليل دون غروب ثم هؤلاء اختلفوا في البلد المعتدل الذي يقاس عليه الشروق والغروب فبعضهم يختار أوسط البلدان اعتدالا وبعضهم يختار أقرب البلدان إلى ذاك المكان اعتدالا وبعضهم يحدده بتوقيت مكة المكرمة.

#الخلاصة: السؤال في حد ذاته كان مشروعا وواضحا ويستحق إجابة جدية إلا أن أبا حنيفة رحمه الله لم يتوقع وجود بلدان لا تغرب فيها الشمس إلى منتصف الليل فقاس كل الكرة الأرضية على الكوفة التي يعيش فيها فظنّ الرجل أحمقا أو مجنونا أو مخرفا يفترض احتمالات لا وجود لها بينما ذاك الرجل افترض احتمالا صحيحا بل وموجودا بالفعل إلا أن أبا حنيفة لم يكن عارفا بوجوده.

لذا فإن الذي قال عنه أبو حنيفة: آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه كان مظلوما.

#قال_صديقي: قبل أن تقنعني بكلامك لأني بالفعل اقتنعت به هل حضّرت لهذا الجواب الآن بعدما سألتك فقط لتلبي طلبي في الدفاع عن هذا القول أم أنك فعلا مقتنع بدفاعك عنه ؟

#فقلت_له: لم تنقل الأخبار جواب ذاك الرجل بعدما قال له أبو حنيفة (آن لأبي حنيفة أن يمد قدميه) إذ لو كان يقصد ما أقول فينبغي أن يبينه ولعله حاول ذلك فمنعوه حتى من حق الرد أو كان الجواب على سؤاله بطريقة المستهزئ جرحه وصده عن طرح حجته أو لعله طرحها ولم ينقلوها لنا كما قد يكون سؤاله مبنيا على محض الصدفة فلا أعلم ما قصد بسؤاله لأني لم أدخل لداخل قلبه ولكن من حيث السؤال نفسه فإنه صار مطروحا اليوم ويجاب عنه بكل جدية أليس كذلك ؟

إذا فأنا لا أدافع عن الباطل كما تتوقع وإنما أدافع عن الصواب الذي اشتهر عند الناس خطؤه خاصة إن خُطّئ بطريقة السخرية والاستهزاء فإن خشية الناس من التهمة يدفعهم لتجاهل الموضوع بالكلية

#فقال: والله إني لأكاد أجزم أن ذاك الرجل نفسه ماكان ليدافع عن نفسه بمثل ما دافعت عنه ولا خطر كل هذا الطرح على عقله وباله قط.

#فقلت: يُرجح ذلك ولعله لم يقصد ما دافعت به عنه أصلا ولا خطر بباله وقد يكون سؤاله بنية السائل الأحمق الذي لا يعي ما يخرج من رأسه وكل ذلك محتمل لكن الذي قصدته أن سؤاله في حد ذاته بغض النظر عن نيته ليس سؤالا تافها يستحق هذا التحقير وإنما هو سؤال أثبت التطور الإعلامي اليوم وجوده حيث صرنا نعرف مناطقا ما كان المسلمون آنذاك يسمعون بها أصلا فعبارته صحيحة ولو شئت التعمق فيها لقلت إنه سمعها من الجن فأخبروه عنها أو كان جنيا متنكرا على هيئة آدمي رآها فتساءل عنها وتعمد أن يسأل فقيها متخصصا في الفقه الافتراضي عسى أن يجد جوابا على سؤاله فلما رد عليه بذلك التحقير علم أنه لن يعطيه جوابا فتجاهل الموضوع أو نفر من الأسلوب فلم يرد.

فقال: مع أني أعلم كما تعلم أن كل ذلك مستبعد ولكني عجبت لعقلك كيف يطرح كل الاحتمالات الممكنة ويجيب بناء عليها.

قلت: وقد قلت وأكرر لعل ذاك الرجل سأل بكل عفوية ولم يخطر على باله شيء ولكن سؤاله يبقى صحيحا، ولكن هل نجزم بأنه كان مخرفا ؟ هذا ما لا أجزم به لوجود احتمالات ممكنة مضادة وحتى باستبعاد الجن يمكن أن تخطر على باله الفكرة نظريا أو يكون في سفره قد سمعها من بشر سمعوها من بشر زاروا تلك المناطق مثلا.

أما الدفاع عن الباطل فما دافعت عن شيء أراه باطلا حق وما كان لمثل هذا أن يفتخر الإنسان فالحق مفخرة الإنسان لا الباطل.

ووالله لأحب إلى قلبي أن أكون على الحق ولا أحسن الدفاع عنه على أن أكون على الباطل وأحسن الدفاع عنه ففي الأولى أربح الآخرة وفي الثانية أربح الدنيا والله يقول ((ولدار الآخرة خير لو كانوا يعلمون)).

كتبه #صهيب_بوزيدي

May be an image of horizon and text

من نفس الموضوع: التاريخ والتراجم

أراد أن يستدل على الحجاج فاستدل له

التاريخ والتراجم

في حوار قال لي: إن الحجاج كان يقتل بالشبهة والظن فطالبته بالدليل فنسخ ما ترونه في الصورة وكان هذا ردي عليه: سأتوقف عن محاورتك هنا فإنك لا تدري ما تنقله من…

والد الحجاج بين المسلسل والحقيقة

التاريخ والتراجم

الحقيقة التاريخية أن يوسف بن الحكم الثقفي كان أسبق في الولاء للدولة الأموية والقتال في جيشها ضد جيش ابن الزبير من ولده الحجاج بن يوسف نفسه. بينما المسلسل…