مواجهة الإلحاد بالمداهنة

يقع بعض المسلمين في مغالطة خطيرة جدا أثناء تناول ملف الإلحاد وقد لا ينتبهون لهذه المغالطات فأحببت التنبيه عليها:

#المغالطة: الانطلاق بالتسليم للملحد بصحة كلّ أصوله المنهجية ثم محاولة تبرئة الإسلام من مخالفة تلك الأصول، أي كأنه يقول له (عزيزي الملحد إن قواعدك المعرفية التي سطّرتها صحيحة لا غبار عليها إلا أن ديننا ليس مخالفا لها كما تظن وإنما نحن نتفق معك عليها).

#أمثلة_عن_مداهنة_الإلحاد:

#المثال_1: يُقرّ المسلم للملحد بنفي الخوارق أصالةً وأن كل ما خالف الطبيعة فهو من الخرافات والخزعبلات ثم يحاول تبرئة الإسلام من خوارق الطبيعة فيسعى لتفسير المعجزات تفسيرا علميا طبيعيا يخرجها عن كونها معجزة من الأساس ويسعى لنفي وجود السحر أو أفعال الجن ثم يؤول كل ما جاء في السحر إلى ألعاب الخفة وما كان صريحا لا يحتمل التأويل تجاهله وكأنه لم يكن وإن كان حديثا فلربما ردّه وكذّبه هكذا على مزاجه دون دراسة حديثية له فإن سمع علماء المسلمين يقررون ذلك اتهمهم جميعا بتشويه الدين والترويج للخرافات والخزعبلات وإن سمع بمعجزة انشقاق القمر سعى جاهدا لتكذيب القصة من الداخل فيقول (لم ينشق القمر وإنما ذلك من علامات قيام الساعة) رغم أن الآية قالت (وانشق القمر) لا (وسينشق القمر) ثم سرعان ما يتهم النبي بأنه لم يأت بأي معجزة سوى تحدي العرب بفصاحة وبلاغة القرآن (وهو بذلك لا يشعر أنه يهدم الإسلام نفسه من جذوره حيث لما ظن أنه يجرده مما ينكره عليه الملحد لم يتفطن إلى أنه يجرده أيضا مما يثبت صحة الإسلام من الأساس بعد أن أنكر كل معجزاته).

#المثال_2: رغم أن الملحد إذا أصر على نفي وجود الخوارق فإنه يهدم دينه من الأساس إذ من أهم القواعد الإبستمولوجية الإلحادية نفي وجود الحقائق المطلقة أي أن كل الحقائق نسبية بينما قولهم (لا وجود للخوارق) يقوم على نقيض ذلك الأصل (أي أن كل الحقائق مطلقة لذلك ليس هناك ما يخرقها أو يخرج عن عادتها) ولو تنبه المسلم لهذه المغالطة لكفته في هدم الإلحاد من جذوره.

#المثال_3: لو تنبه المسلم للمثالين السابقين لهدم الإلحاد من جذوره كما سبق ذكره ولكن هذا الصنف من المسلمين يفكرون بعقلية المغلوب على أمرهم فالواحد منهم تجده بينه وبين نفسه يرى أن تطور الدول الكافرة (على اختلاف دياناتها) في العلوم التجريبية والاختراعات يدل على أنهم أفهمُ وأبصرُ من المسلم المتخلف تكنلوجيا بهذه الحقائق الكونية ولكن ما لم ينتبه إليه هو الوقوع في مغالطات كارثية أخرى:

1 _ كأنه يقول: المتطور في صناعة السيارات يجب أن يفهم علم التواريخ أكثر من المتخصص في التاريخ وذلك لأن المتخصص في التاريخ لم يصنع لنا سيارة وكل مجاله نظري لا يترجمه الواقع بينما المتطور في الصناعة أثبت نفسه بنتائج مادية ملموسة.

وما يغفل عنه صاحب هذه الفكرة أن المتطور في تصنيع السيارة نفسه لو سألته عن تاريخ بلاده (الكافرة) رغم وجود علم التواريخ عندهم فإنه لو أراد البحث عن معلومة سيلجأ لمختص في التاريخ وكذا لو أراد حل مشكلة طبية فإنه سيلجأ للطبيب رغم أن ذاك الطبيب (وليس العالِم في الطب) لم يخترع أو يضف شيئا إلى الطب ولكنه في مجاله أقوى مما أضاف تقنيات جديدة للسيارات فكذلك من كرس حياته للبحث في الأديان أو الفلسفة فإن مجال قوته فيما أنفق وقته في تعلمه ولو أخذناها ببساطة فإن أي ميكانيكي يفتح ورشة ميكانيكية يفهم في السيارات أكثر من أي شيخ ديني ولكن الميكانيكي نفسه يستفتي شيخ الدين في مسائل الدين (ولم يقل عاقل: بما أنه يفهم في السيارات أو المكيفات أكثر منه فهو الأولى بالإفتاء دينيا لأن نتائج مجاله في الفهم عملية "تعطيه سيارة معطلة فيصلحها فتصبح سليمة")

2 _ المطورون والمتخصصون في المجالات العلمية التجريبية ليس لهم توجه فلسفي أو ديني موحد فتجد منهم المسلم والنصراني واليهودي والهندوسي والبوذي والملحد وتجد في كل دين واحدا منهم فلو كان تطورهم في الصناعة دليلا على كمال فهمهم في الدين والفلسفة لكان للتكنلوجيين عقيدة موحدة أيا كانت ولكانت العقائد بحسب التخصصات فالأكثر تطورا في التصنيع يكون مذهبه كذا والأقل تطورا مذهبه كذا وهكذا ولكن ليس هذا هو الواقع، ذلك لأن المتخصص في مجال التطوير التكنلوجي في السيارات لن يكون قادرا حتى على فهم مجال آخر غير مجاله في العلوم التجريبية نفسها فقوته في التطوير دليل على نجاحه في تخصصه لا في كل التخصصات.

3 _ الدين لم ينزل لغرض المنافسة في أمور الدنيا ورفاهيتها بل النبي صلى الله عليه وسلم قال بصريح العبارة فيما هو أبسط من ذلك بكثير من أمور الفلاحة (أنتم أعلم بأمور دنياكم ولكني إذا حدثتكم عن الله فإني لا أكذب) فلم يدخل الدين هذا السباق ليُحاكم إليه من الأساس وإنما يُنظر إلى المجال الذي نزل لأجله هل بُني على قواعد صحيحة أو خاطئة ؟ ذلك الإنسان المتطور في علم الجينوم هل يستطيع تفسير نشأة الكون ؟ بحسب منطقهم فينبغي عليه ألا يبادر للحديث أصلا لأن المجال (كوسمولوجي وقبله آنطولوجي وقبله إبستمولوجي) وكل هذه ليست مجالاته، وكذا مطور السيارات والمبردات يفترض أن يتوقف بحسب منطقهم عن التفكير في عصر ما قبل اختراع السيارات والكهرباء والمحركات فضلا عن المكيفات لأنه سيخرج عن مجال تخصصه فكيف بالله يرى العاقل أن الذي يفهم في المكيفات التي اُخترعت بالأمس القريب يجب أن يفهم بالضرورة فيما يتعلق بالماضي الأزلي ويناقش وجود الأزلية أساسا من عدمها ويحاكم مسائل العلية والغائية وبداية الوجود والأسبقية العدمية ويذهب بالعقل إلى الماضي السحيق كيف يمكنه استعمال معلوماته في تطوير المكيفات ليجيب عن تلك الأسئلة وهو غير مهتم بدراستها والتفكير فيها أصلا ؟

4 _ لنفترض أن شخصا ما أقوى عقلا ومنطقا وأفهم بالآنطولوجيا من الإنسان المسلم البسيط إذ في الغرب أيضا متخصصون في الإبستمولوجيا والآنطولوجيا والمنطق ونحو ذلك (وإن لم يكونوا أصحاب الاختراعات لكن المخترعين أنفسهم يحترمونهم ويجلونهم ويعترفون لهم بالتفوق في هذا المجال) بل وفي الغربيين كثير من العلماء والمتخصصين الذين دخلوا في الإسلام بعدما بلغهم لذا تجد في كل بلاد غربية ملايين المسلمين ولا ننسى أن الغرب نفسه في طبقته الجماهيرية ليس ملحدا بل يعلن مسيحيته أو الانتماء لأي دين معين بل إن نسبة المتدينيين في الكرة الأرضية تتجاوز 83% من عدد السكان الكلي وفي الوقت الذي نجد فيه من يعمل في وكالة ناسا وهو مسلم نجد من لا عمل له ولا أي مستوى علمي بل ويعيش في بلداننا العربية التي ينقم عليها التخلف وهو أقلهم علما وأشدهم تخلفا وفي نهاية المطاف يكون ملحدا (بكل بساطة) وإلا فلو كان الذكاء والتطور العلمي هو الذي يقود إلى الإلحاد لكان كل الملحدين أذكياء ومتطورين علميا وأصحاب اختراعات أو على الأقل يكونون من الناجحين ماديا فما المخترع والمطور إلا بباحثين عن الرزق في نهاية المطاف ولو أنك ذهبت إلى عامل في التطوير وعرضت له ترك وظيفته المرموقة مقابل تسيير شركةٍ لرعاية الأبقار ثم تعرض عليه راتبا مقداره 10 أضعاف ما يتناوله هناك وتضمن له العمل مدى الحياة أو تدخله في تجارة مربحة لكنها قائمة على مبادئ بسيطة لا تحتاج إلى كل ذلك التخصص لترك مجاله وانضم إلى ما يفيده وإلا فهل يصدق هؤلاء فعلا أن الهدف من الاختراعات الأساسي هو الحرص على راحة البشر ؟ فلو كانت كذلك لسلموها للناس بالمجان فلماذا يبيعونها ؟

#المثال_4: هذه النظرة الانهزامية تترجم عند هذا النوع من المسلمين إلى تناقض داخلي بين الرغبة في البقاء على دين الإسلام وتجنب سخرية ذلك القوي المتطور فتجده بدل أن يواجه بالحجة والمنطق ويبين الصواب (إن كان يعرف كيف يبينه أصلا) يتجه للطريق الأيسر: مداهنة الملحد وتسليمه زمام الأمور في كل التفاصيل إلا إعلان الكفر الصريح.

1 _ يوافقه في نبذ الخوارق ويسميها بالخرافات.

2 _ يوافقه في القواعد الإبستمولوجية الإلحادية كنفي الحقائق المطلقة.

3 _ يوافقه في آرائه حول ملك اليمين (رغم أن الغرب عمليا في الحروب يعتمد على الاغتصاب الجماعي والتعذيب في السجون لا مجرد ملك اليمين) لكن المغلوب على أمره يحاول إرضاءه.

4 _ يوافقه في التنفير من تعدد الزوجات حتى يصبح المجتمع نفسه كارها لهذا الفعل مشنعا على من يفعله رغم أن الملحد ليس عنده لا حلال ولا حرام ويبيح الزنا الصريح بل ليس في مذهبه ما يمنع حتى اللواط وزنا المحارم ولكن المسلم يستعر من دينه أمامه لأن الملحد سيطر عليه بطريقة (خير وسيلة للدفاع هي الهجوم) فبدل أن يشنع الملحد على انعدام الأخلاق وعدم الحاجة إليها أصلا في المبادئ الإلحادية تجده يسارع لاسترضائه بحذف كل ما لا يعجب الملحد من دينه.

5 _ يوافقه في إنكار الفتوحات رغم أن الكافر لا يجد مشكلة حتى في الاحتلال الظالم، وعمليا ما كان الكافر لينجح في كل هذه التطورات والأبحاث العلمية لولا نتائج نهبه لثروات الشعوب ولعل المغلوب على أمره لا يعلم أن الدول الكافرة تنفق ما لا يحصى من ملايير الدولارات في التجارب العلمية وإن رأوا دولة مخالفة لهم تسعى لنفس التطور حاربوها واغتالوا علماءها (وما اغتيال علماء النووي الإيرانيين عنا ببعيد) فالميدان ليس ميدان عقل متجرد بل وراءه فروقات شاسعة، نفس الإنسان العبقري لو كان متدينا يريد خدمة بلاد معينة لا تتبع أنظمة القوى العالمية لن يأمن على حياته بل قد لا تلتفت إليه دولته نفسها وتتجاهله ولا يحصل حتى على حق التوظيف البسيط فالأمر يرجع للسياسة الداخلية والخارجية والظروف المالية لذلك نجد كثيرا من المسلمين يبدعون ويحصلون على جوائز وبراءات اختراع بمجرد عملهم في الشركات الصينية والأمريكية والأوروبية ثم تحتسب إنجازاتهم على تلك الدول الغربية ولا يعلم كثير من المغلوبين على أمرهم أن شركة سيارات صينية واحدة مثل بي واي دي توظف ألفا ومائتي باحث بمستوى مخترع في شركتها ولعل المساكين يحسبون أن هناك رجلا واحدا يقوم باختراع كل هذه التكنلوجيا ولا يعلمون أن الأمر عبارة عن منظومة متكاملة ثم يأتي بكل سفه فيقول (اخترع لي صاروخا الآن لأعترف بك) وكأنه يعتقد أن صناع الصواريخ عبارة عن أفراد يجلس الفرد الواحد من غير مال ولا دعم ولا منشآت ضخمة ولا دولة، يجلس هكذا في القفار أو بين الأشجار والأحجار ليُطلق صاروخا لا أدري بمَ يصنعه ربما ينتظر منه أن يصنعه بالطين، فإن عجزت عن تنفيذ طلبه قال (أرأيت، لن أعترف بك إذًا) ونسي المغفل أنه الآخر لم يخترع حتى (موحرايقة) فضلا عن صاروخٍ كامل بل لو جئت بأفراد وكالة ناسا فردا فردا وطلب من كل واحد أن يخترع لك صاروخا بمفرده لوصفك بالجنون.

وخلاصة المغلوب على أمره أن المسلمين لو نجحوا في الماضي وتطوروا وكانوا الأكثر كفاءة على الريادة والقيادة وحققوا إنجازات مادية ملموسة فإنه يلعنهم (ألا تجدونهم يلعنون الدولة الأموية والفتوحات الإسلامية ويستعرون منها) فإن كانت القوة للمسلمين تذكروا الأخلاق وإن كانت للكفار تذكروا النتائج الملموسة وقالوا دعونا من النظريات والأخلاق فالعبرة بالملموس وليته يفهم أنه ما بقي له إلى الإلحاد إلا أن يزيل عباءة الإسلام واسمه فإن مضمونه صار إلحاديا بامتياز (ملحد في ثوب مسلم).

هذه النوعية تقريبا هي التي تهاجم الأستاذ أحمد دعدوش إن تكلم عن الجن (المذكور في صريح القرآن) رغم أن المهاجمين من المسلمين.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…

نظرية التطور لا تحل الإشكال الإلحادي

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما ينفي الملحد وجود الله وينفق في ذلك وقتا كبيرا في محاولة إثبات صحة نظرية التطور فإنه يشبه أن تسأل إيلون ماسك عن ثروته التي تبلغ ترليون دولار (من أين…