نقض الإلحاد بطريقة غير مألوفة

#ملاحظة: هذا المقال بسطته بقدر الإمكان واستعملت فيه لغة عادية لا فلسفية رغم أن موضوعه آنطولوجي إبستمولوجي منطقي (أي أنه في عمق الفلسفة) ورغم ذلك فقد كتبته بلغة سهلة جدا يفهمها حتى من لم يعرف الفلسفة ليستفيد منه في دينه ومع ذلك فقد اضطررت لاستخدام بعض المصطلحات التي لا مناص من استخدامها لأن شرحها يجعل الأفكار متداخلة مما يعقدها أكثر، إلا أنها في سياقٍ تُفهم منه بمجرد التركيز في قراءة المقال، فمن بقي له مصطلح أو فقرة أو عبارة لم يفهمها فليشر إليها وسأشرحها له تحت تعليقه.

#بداية_المقال:

كنت أحاور ملحدا حول الإيمان والإلحاد فلما تكلمنا عن عالم الجن والسحر قال لي: يا صهيب إني أحترم علمك وثقافتك وذكاءك فلا تخيب ظني لتخبرني أنك تؤمن بالسِّحر والجن ؟

#جوابي:

1 _ يفترض أن يخيب ظنك لما خالفتك في وجود الإله نفسه فإثبات وجوده أعجب بالنسبة لك من إثبات وجود الجن وخوارق الإله أقوى من خوارق "السحر" فكيف بقيت على احترامك لعقلي وأنت تعلم إيماني بمن هو أعجبُ وأغربُ وأكثر خرقا للعادة من الجن والسحر ثم يزول احترامك لو أني آمنت بالجن ؟ إذًا فهي محاولة رشوتي بتزكية عقلي حتى أتساير معك وأبدأ بالتنازل عن جزء من معتقداتي (لا أجد تفسيرا غير هذا).

2 _ ليس هناك شيء اسمه الاحترام في عالم المادة الإلحادي لأن الاحترام مبني على مقدمة إثبات الروح وإثبات المعاني بينما نحن في الإلحاد مجرد خليط من الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات ينبغي ألا تجمعنا ذات واحدة ولا وعيٌ واحد فإن القرار الذي أتخذه ليس ناتجا عن وعي روحي موحد وإنما هو ناتج عن اجتماع عدد لا يكاد يحصى من الخلايا التي تعمل بناء على التفاعلات الكيميائية التي يفترض أن تكون عشوائية فيصدر منها ذاك القرار، فسواء كان القرار الصادر مني هو الإيمان بالجن أو الكفر بهم فإن ذلك ليس سوى نتيجة تفاعلات كيميائية لخلايا عصبية ودماغية أدّت إلى ذلك فإن كانت النتيجة صوابا فلا فضل لي بذلك (إذ لا روح لي يُنسب لها الفضل) وإن كانت النتيجة خاطئة فلا ذنب لي فأنا في النهاية بحسب طرحكم مسيّرٌ من قِبل تلك الخلايا الدماغية والعصبية وتفاعلاتها الكيميائية وظروفها البيئية فلا أُلامُ إن أخطأت ولا أُمدحُ إن أصبتُ.

3 _ بحسب علم النفس التطوري فإن الدماغ أساسا لم يوجد ليبحث عن الحقائق والمعرفة وإنما وُجد ليحافظ على جسد صاحبه ويطوّره ويقيه المهالك، فالدماغ لم يوجد بحسب مذهبكم الذي قد لا تعرف عنه شيئا ليصل إلى الحقيقة وإنما ليعيش وينمو ويتجنب الهلاك وبما أن عقلي نجح في تحقيق ذلك فهو عقلٌ ناجحٌ بحسب معاييركم لأن إصابته الحقيقة من عدم ذلك ليست من وظائفه حتى يُحاسب عليها ولا يوجد في جسم الإنسان أي عضو بحسب مذهبكم مهمته البحث عن الحقيقة لذات الحقيقة وبما أني مكون من هذه الأعضاء فحسب فإن مهمة البحث عن الحقيقة ليست مهمتي أساسا فإن أصبتُ أم أخطأتُ فذلك لا يستحق لا احتراما ولا فقدان احترام (من لم يفهم هذا الإلزام فليدرس مذهب الإلحاد المادي في وظيفة العقل من حيث البحث عن الحقيقة وعدم ذلك ثم ليعد قراءة كلامي وسيفهمه جيدا).

4 _ إن احترامك لي أو عدمه لن يفيدني لا إلحاديا ولا إيمانيا فإلحاديا يجب ألا أهتم إلا لما يزيد من تطوري واستمتاعي وعيشي ويجنبني الهلاك أما إيمانيا فيجب ألا أهتم إلا بما سبق ذكره (من الأهداف الدنيوية + الأهداف الإيمانية وهي رضا الله ولن أجد رضا الله في رضاك عني في كل الحالات فإن إرضاء الله وإرضاء الملحد في مسائل الإيمان لا يجتمعان لذا ينبغي أن أسر لعدم رضاك عني وليس العكس).

5 _ إلحاديا: لا توجد حقيقة مطلقة، لذلك فإن القول بأنه لا وجود إلا لما أدركتَه ورأيته هو ادعاء منك لا شعوريا أن هذه الحقيقة (لا وجود إلا لما أراه) حقيقة مطلقة فإن قلت ليست حقيقة مطلقة وإنما هي نسبية فإنك تهدم إنكارك إذ يجب وجوبا وجود من لا تراه وإن قلت إنها حقيقة مطلقة فقد هدمت أصلك الإبستمولوجي "لا وجود للحقائق المطلقة" فاختر أي الطريقتين أفضل لهدم إلحادك! الأولى تهدمه آنطولوجيا والثانية تهدمه إبستمولوجيا.

#تبسيط: لماذا يلزم الملحد وجوب وجود كائنات لم يرها وليس فقط احتمال وجودها ؟ لأن قوله (لا توجد حقيقة مطلقة) معناه (كل الحقائق نسبية) ومعنى ذلك أنه إن قال (لا يمكن وجود من لا يرى أو لا يمكن وجود من لا يتكون من المادة العنصرية "التي في الجدول الدوري") فإنه إما أن يعتبر كلامه هذا حقيقةً أساسا وإما أن يعتبره (باطلا) فإن اعتبره باطلا فقد أسقطه بنفسه وإن اعتبره حقيقة فإما أن يعتبرها حقيقةً نسبية (ومعنى ذلك أن نسبة من الموجودات هي المكونة من المادة العنصرية والنسبة المتبقية ليست مادية وليست مكونة من عناصر الجدول الدوري) وبذلك يقول بوجوب وجود كائنات ما ورائية بغض النظر عن أسمائها (الله، الملائكة، الجن...) وعندها لا يحق له الكفر بهذه الموجودات فالعبرة ليست في أساميها وإنما في صفاتها وحقائقها ويلزمه الإقرار بوجودها حتى تكون الحقيقة نسبية لا مطلقة فإن اعتبر (لا وجود إلا لمن كان من عناصر الجدول الدوري) حقيقةً مطلقة فقد هدم أصله الإبستمولوجي الذي يقول فيه كل الملاحدة التجربانيون (لا وجود للحقائق المطلقة) فإن قال قائل، فماذا لو صادفت ملحدا يقول (بل توجدُ حقائق مطلقة) سأقول له: قل له هل تلك الحقائق المطلقة أزلية أم حادثة ؟ فإن قال إنها حادثة فقد نقض قوله بمطلقيتها إذ لم تكن هذه الحقائق موجودةً قبل أن تحدث ومنه فإن قلنا مثلا (النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان) حقيقة مطلقة ثم قلنا إنها حادثة فمعنى ذلك أنها قبل أن توجد كان النقيضان يجتمعان ويرتفعان وعندها لن تكون الحقيقة مطلقة لوجود زمان تُخرق فيه والحقيقة المطلقة لا تُخرق في أي زمان أو مكان، وإن قال بل الحقائق المطلقة أزلية قلنا: فهل كانت قائمة بذاتها لا وجود لسواها (وهذا لا نقول بإمكانه لا نحن ولا الملحدون إذ لا يقوم بذاته عندي _صهيب_ وعند الملحد إلا من كان له حجم ومكان وزمان "أي إلا من كان متعين الذات" وهذا لا ينطبق على الحقيقة المطلقة أو القاعدة لأنها غير قائمة بذاتها فإن لم يكن كذلك فينبغي أن تقوم الحقيقةُ هذه بمتعلقاتها المتعينة (أي بوجود موجود أو أكثر يتصف بهذه الحقائق وتقوم هي به) وهنا إما أن تكون متعلقة بموجودات حادثة العين أزلية الجنس وهذا ممتنع للزوم التسلسل الخطي في العلل ومعلولاتها وإما أن يقول بأنها قائمة بذات واحدة أزلية بعينها فنقول ذاك هو الله الذي تنكر وجوده وتسخر منا لإيماننا به فتنبه.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: الإلحاد والرد على الشبهات

الملحد على الطريقة المدخلية

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما تناقش الملحد العربي تحسّ أنك تناقش ملحدا بعقلية شخص مدخلي "ولكن فقط مع استبدال الأسماء والرموز والأفكار". 1 _ تناقش الملحد فيقول لك: قال العلماء،…

جوابا على اعتراض الملحد المصور أدناه

الإلحاد والرد على الشبهات

قبل الجواب أحب التنويه على أن مثل هذا السؤال الساذج والغبي من هذا الملحد المجهول ما كنت لألتفت إليه أو أعيره اهتماما لو صدر منه وحده ولكن سبق لي سماع هذا…

نظرية التطور لا تحل الإشكال الإلحادي

الإلحاد والرد على الشبهات

عندما ينفي الملحد وجود الله وينفق في ذلك وقتا كبيرا في محاولة إثبات صحة نظرية التطور فإنه يشبه أن تسأل إيلون ماسك عن ثروته التي تبلغ ترليون دولار (من أين…