ما دخل التحزب على منهج إلا أفسده
المناهج السلفية والأشعرية والصوفية المعتزلية قامت من الناحية الإبستمولوجية على أهدافٍ نبيلة، لكن العقلية الحزبية والمفهوم الخاطئ عن الفرقة الناجية أفسدها وجعلها شيعا كل حزب بما لديهم فرحون.
1 _ المعتزلة: حاولوا التفكّر في الإسلام من الناحية الفلسفية ليمكنهم محاججة غير المسلمين كما فتحوا مجال إعمال العقل وترك الجمود والنظرة السطحية للنصوص إلّا أنّهم أفسدوا مذهبهم لما حاولوا إجبار الناس على اعتناقه بالقوة، ولو أنهم اقتصروا على النقاش المعرفي لنتج خليط علمي من منتوجهم الفكري ومنتوج أهل الحديث والأثر حيث يكون أكثر توازنا فلا هو للجمود النقلي يميل ولا للانفلات بالرأي يذهب وإنما يُصبح مادة تجمع بين المعقول والمنقول فيقع بها المطلوب.
2 _ وهذا المزيج الفكري الذي تحدثنا عنه كان أول مبادر إليه الإمام أبو الحسن الأشعري الذي كان معتزليا ثم خلط مذهب الاعتزال بمذهب أهل الأثر ليخرج بمذهب يجمع بين المنقول والمعقول إلا أن العلوم والنظريات عموما لا يمكن أن تكتمل وتصل إلى نموذجها الأمثل من أول محاولة فكان على أتباعه أن يسعوا إلى إبقاء باب الفِكر والتصحيح مفتوحا إلا إن منهم من حوّل المسألة إلى حزبية بغيضة فصار يكفّر المخالفين ويفتي بقتلهم كما فعل القاضي ابن مخلوف المالكي الذي أفتى بقتل شيخ الإسلام ابن تيمية فجعلوا المذهب جامدا ومتعصبا للرأي والمذهب وليت شعري إن كان التعصب هو الغاية النهائية لهم فليتهم جمدوا وتعصبوا للمنقول فعلى ماذا أعملوا عقولهم إن كانوا سيتعصبون لآراء السابقين، فالنتاج العقلي صار نقليا إذ هم ينقلون ما قررته عقول اغيرهم (وهذا ليس عاما في كل الأشاعرة لكنه موجود).
3 _ أما أهل الحديث والأثر فعملوا على الاهتمام بالمنقول وركزوا عليه ولهم جهود مباركة فيه أفادت الأمة الإسلامية وبمزيج من مجهوداتهم ومجهودات الأشاعرة والماتريدية وصلنا النقل اليوم بأمان رغم احتياج الموروث إلى بعض التنقيح المستمر للمرويات والتفسيرات الظنية.
4 _ أما التصوف فيأخذ صاحبه لرحلة مليئة بالدخول في عالم الروحانيات والخوارق والاهتمام بالعوالم الموازية وفتح باب العقل إلى الإمكان العقلي وعدم حصره في الواقع المشاهَد، إضافة إلى تعليم التزكية والتربية والتأدب خاصة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأهل العلم، ونشر الأخلاق الحميدة إلا أن مشكلته أيضا دخول من حاول تحويله إلى حزب يوالى ويعادى عليه إضافة إلى من أقحم فيه الخرافات والخزعبلات والبدع والشطحات المخالفة للمنطق السليم فضلا عن الشريعة، وبعض أهل الأطماع استغل الثغرة الروحانية وعدم علم الناس بما وراء الطبيعة لينصب عليهم ويحتال أو يمجد نفسه ويقدسها في أعينهم، فهؤلاء أفسدوا التصوف النزيه إلا أنه لا يزال إلى يوم القيامة من يجمع بين التصوف والنزاهة التي هي أصله وكما أقول (ما من حقيقة إلا استغلها النصابون وصنعوا لها وهما مزيفا ينصبون به على الناس).
كتبه #صهيب_بوزيدي
