الرد على التنويري عبدو ماهر في موضوع حادثة الغار

مررت بمقطع لأحد التنويريين يقول فيه: (ليس أبو بكر هو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وإنما دليل الصحراء عبد الله بن قريط والذي كان كافرا).

ثم استدل قائلا ( والدليل أن الله قال ((إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار)) قال هل ينفع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الثاني وأبو بكر الأول ؟ لو خرج رئيس الجمهورية مع شخص أقل رتبة منه هل يسمى الرئيس الثاني ؟ أم يكون الأول ؟ لذلك فالمقصود ليس أبو بكر بل دليل الصحراء وكان كافرا).

#قلت_صهيب: الجواب عليه من الوجوه التالية:

1 _ نفى عبدو ماهر التنويري أن يكون أبو بكر هو المقصود إذ لا ينفع أن يكون النبي الثاني وأبو بكر الأول ثم جاء ببديل الأول فجعله الدليل الكافر عبد الله بن قريط، ونفس السؤال يقال له: يمشي نبي وكافر فهل يكون النبي هو الثاني والكافر هو الأول ؟.

2 _ الترتيب لا يفيد الأفضلية في الأسلوب القرآني وإلا فإن الله قد ذكر ترتيبا متعلقا بمن هو أعظم من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لقد تكلم الله عن نفسه وجعل نفسه رابع ثلاثة وسادس خمسة في المعية فهل يعني ذلك أن العباد المخلوقين أفضل من الله ؟ من يفهم هذا ؟ وإنما الحديث في المعية يكون بالجمع وترتيب الجمع تبديلي (1 + 2 = 2 + 1) لا يهم بأيهما بدأت.

قال الله عز وجل ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))

3 _ من أين علم التنويري بوجود إنسان اسمه عبد الله بن قريط أصلا لولا الروايات التي نقلها رواة الحديث، وهذه الروايات التي ذكرت وجود دليل للصحراء هي نفسها الروايات التي ذكرت أن صاحبه الذي كان في الغار هو أبو بكر الصديق، وذلك لأن دليل الصحراء لم يلازمهما.

3 _ 1: روى البخاري في صحيحه: ((واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل))

3 _ 2: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: ((قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي الْغَارِ -وَقَالَ مَرَّةً: وَنَحْنُ فِي الْغَارِ- لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا)) [رواه البخاري ومسلم وأحمد بألفاظ بينها اختلاف يسير ولها نفس المعنى]

فنفس الروايات التي ذكرت وجود دليل للصحراء هي التي ذكرت أن نبي الله وأبو بكر هما اللذان استأجراه ثم إنه لم يخرج معهما من مكة وإنما واعداه على أن يلقياه عند غار ثور أي أنه ما كان معهما بادئ الأمر وإنما لقيهما بعد حادثة الغار، فإن كان عبدو ماهر يرد الحديث فمن أين جاء بقصة وجود دليل للصحراء أصلا ؟ وإن كان يقبل الحديث فالحديث الذي ذكر وجود دليل الصحراء هو الذي ذكر أن صاحب الرسول في الغار أبو بكر.

4 _ قال الله في الآية ((إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)) فكيف يقول الرسول عليه السلام هذا الكلام لشخصٍ لا يؤمن به أصلا وهو دليل الصحراء الذي كان كافرا ؟ فردّ على ذلك عبدو ماهر فقال إن اللهّ خطّأه لما قال ((فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها)) فقال قد عادت هاء الضمير في السكينة على النبي صلى الله عليه وسلم وحده وكذلك التأييد ولم يقل "عليهما، أيدهما".

قلت صهيب: الكلام عن معية الله لهما شيء والكلام عن نزول السكينة شيء آخر فلا تعارض، ولم يخطّئ الله نبيه في هذا بل نقل قوله مقرا له دون نهر أو تصحيح له، وما كان لرسول الله أن يقع في هذا النوع من الأخطاء من البداية إذ من البديهي ألا تبشر الكافر بأن الله معكما وهو لا يؤمن برسالتك وصدقك، ثم قال الله ((وجعل كلمة الذين كفروا السفلى)) فالآية تبين وجود فريقين "فريق في الغار وهم المؤمنون" وفريق يلحق أهل الغار ويريد بهم سوءا هم الكفار فجعل كلمة الكفار السفلى، ولو كان فريق الغار مقسما إلى فريقين كافر ومؤمن نبي كما يدعي عبدو ماهر لما كان للتقسيم الإلهي في الآية أي معنى إذ ستكون كلمة الذين كفروا شاملة للذي معه في الغار كما هي للذين كفروا خارج الغار وهما في هذا الموضع في فريقين متضادين.

5 _ قول الله ((فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها)) قد تُحمل على أن الهاء عادت على أبي بكر رضي الله عنه لا النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن رسول الله كان ساكنا منذ البداية ودليله قوله لأبي بكر (لا تحزن إن الله معنا) وإنما الذي يحتاج إلى تأييد إلهي بجنود غير مرئية "أي الملائكة أو أيا كان المقصود بهم في الآية" والمحتاج لإنزال السكينة عليه هو أبو بكر الصديق فيكون المعنى أن الله أنزل سكينته على أبي بكر الذي كان حزينا وخائفا لأنه محتاج إلى ذلك الدعم الإلهي أما رسول الله فليس محتاجا إليه.

6 _ قال أبو جعفر النحاس رحمه الله :

((الأشبه على قول أهل النظر أن تكون تعود على أبي بكر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت عليه السكينة ، وهي السكون والطمأنينة ؛ لأنه جل وعز أخبر عنه أنه قال : ( لا تحزن إن الله معنا ) )).انتهى.

[معاني القرآن 3/210].

وقال علماء آخرون إن الهاء تعود على النبي صلى الله عليه وسلم لأن التأييد عاد عليه قولا واحدا، وقال الذين جعلوا الهاء تعود على أبي بكر أن الضمير انتقل فكان يعود على أبي بكر في السكينة ثم عاد على النبي في التأييد وقلت _صهيب_ وقد يكون المقصود بالتأييد أبو بكر أيضا فأيده الله على الثبات وعدم الجزع ليعود ذلك التأييد على الاثنين إذ لو خاف أبو بكر فصرخ أو تحرك أو فعل فعلا خاطئا لانتبه المشركون لهم ولقتلوهم ولكن بتأييد الله لأبي بكر وتثبيته وإنزال السكينة عليه وربما طمأنه بأن أراه جندا من الملائكة اطمأن لهم أو استشعر وجودهم فذلك التأييد المنصرف إليه يعود بالنفع على كل من في الغار، وبنفس الطريقة لو صرفنا معنى التأييد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعود بالنفع على صاحبه ففي كل الحالات استفاد الصاحبان من هذا التأييد وعاد عليهما بالنجاة قولا واحدا.

#أخيرا: ما مشكلة من يريد إنكار صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار ؟ هل ستدخل إلى جهنم لو حسبت أن صاحبه في الغار أبو بكر ثم اتضح أنه كان رجلا غيره ؟ أم أن الهدف زحزحة كل المفاهيم عن مكانها والسلام، سواء كان وراء ذلك فائدة أم لم يكن ؟.

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: التاريخ والتراجم

الدفاع عمن لا مدافع له

التاريخ والتراجم

قال وهو يمازحني: ألا ترى يا صهيب أنك تدافع عن كل من حطّ عليه كل الناس عبر التاريخ ؟ كان الناس يختلفون في معاوية أهو مخطئ اجتهادا أم مخطئ ظلما فجئت تقول…

أراد أن يستدل على الحجاج فاستدل له

التاريخ والتراجم

في حوار قال لي: إن الحجاج كان يقتل بالشبهة والظن فطالبته بالدليل فنسخ ما ترونه في الصورة وكان هذا ردي عليه: سأتوقف عن محاورتك هنا فإنك لا تدري ما تنقله من…

والد الحجاج بين المسلسل والحقيقة

التاريخ والتراجم

الحقيقة التاريخية أن يوسف بن الحكم الثقفي كان أسبق في الولاء للدولة الأموية والقتال في جيشها ضد جيش ابن الزبير من ولده الحجاج بن يوسف نفسه. بينما المسلسل…