ما أعرفه عن الشيخ الدكتور عمر جغلول
مقالي هذا له مناسبة، وهي تعرض الشيخ عمر جغلول لحملة يراد منها تشويهه وإقصاؤه، وبغض النظر عن توجهات أصحاب هذه الحملة أغتنم هذه الفرصة لأتكلم عما أعرفه عنه بكل وضوح، وذلك لأني أعرفه عن قربٍ وتكلمت معه في معظم مجالات الشريعة مما يجعلني قادرا على إبداء رأيي فيه " وهي وجهة نظري التي لا ألزم بها أحدا، إلا أنني أبنيها عن علمٍ متحمّلا مسؤولية شهادتي أمام الله والمسلمين الذين بلغهم هذا المقال".
#أولا: بالنسبة للترجمة العامة التي يمكن لكل من يعرف الشيخ أن يتوصل إليها فإني ألخصها فيما يلي:
1 - الشيخ وصل لمرحلة الدكتوراه ولا أدري إن كان قد تخرّج منها أم أنه بصدد إكمال رسالة تخرجه ولكن في العُرف الجامعي يقال لكل من يدرس الدكتوراه "دكتور" حتى ولو لم يتخرج بعد.
2 - عمل الشيخ عمر في إمامة المسجد لمدّة تصل 25 سنة، ويُعرف مسجده بكثرة الإقبال عليه مما يجعله معرضا لأسئلة الناس بشكلٍ يوميٍّ خلال كل هذه السنوات، فهو ممارس للفتوى بحكم كثرة السائلين مما لا يدع له مجالا للتقاعس في العِلمِ، بخلاف الأئمة الذين لا يقصدهم أحد بالسؤال فقد يفترون وينقطعون عن العلم والفقه نظرا لعدم حاجتهم إليه.
3 - بحكم مخالطة الشيخ للناس وإجابته على أسئلتهم وتلبيته طلباتهم في حلّ مشاكلهم والسعي في الإصلاح بينهم سواء كانت قضاياهم عائليّةً أم اجتماعية أم متعلقة بالزواج أو المواريق أو الطلاق، فإنه متعوّد على مخالطة الناس مما يجعله عارفا بالواقع غير منعزلٍ في برج المشيخة العاجيّ، الذي جعل مرتاديه مغيبين عن الواقع كأنهم يعيشون في المريخ، لذلك فعلم الشيخ النظري ممزوج بتنزيلاته على الواقع المعاش.
4 - خُطب الشيخ ودروسه تنبي عن أمرَين واضحين:
الأول: توجيه الشيخ خطابه لكل المسلمين الذين يسمعون دروسه مما يحسّ رواد المسجد أنهم يسمعون لشيخٍ جزائريٍّ مسلم، يحدثهم عما ينفعهم في دينهم ودنياهم ويقرّبهم إلى ربهم وإلى عضهم البعض، كي لا يتفرقوا ويتشتتوا وتختلط عليهم السّبُل، وبذلك يبثّ في المصلّين العقلية الرصينة التي تُبعدهم عن طُرق الغلو والتطرّف والجهل والتعصّب، ليكون رواد مسجده المستفيدين منه معتدلين في السلوك والمنهج الفكري.
الثاني: خطب الشيخ ودروسه متنوعة تجمع بين شرح الأحاديث النبوية وتحبيب الناس في السيرة النبوية والتطرق لمختلف المواضيع الدينية التي يستفيد منها كل المسلمين بمختلف مشاربهم وعقلياتهم.
#ثانيا: أما بالنسبة لرأيي المبني على معرفتي الشخصية به فيمكنني أن أقول ما يلي:
1 - منهجية الشيخ العلمية منظمة ولعل السبب في ذلك ذوق الطابع الأكاديمي الذي اكتسبه من دراساته العليا في الجامعة واختياراته في الكتب التي يطالعها بغض النظر عن تخصصه الأكاديمي، فالشيخ غير منغلق في القراءة على جماعة معينة وإنما يقرأ لكل من وجد في كلامه ما يفيد، وهذا السلوك المعرفي فتح آفاقه على مختلف المدارس الفقهية والفكرية مما نزع منه التعصب الجاهلي للرأي الواحد، والكلام الطائفي العنصري الذي تمتاز به معظم الأحزاب والجماعات المعاصرة (وأقصد الأحزاب الفكرية هنا ولا أقصد الأحزاب السياسية فهي خارجة عن مجال البحث أصلا).
2 - يغلب على الشيخ أنه مسالمٌ لا يحبّ إلحاق الأذى بالناس حتى ولو قدر عليهم، ويحب السلامة والعافية لكل المسلمين ويرجو للمسلمين جميعا النجاح والتفوق دون أن يحسد أحدا منهم أو جماعة منهم، متواضع بعفوية ولكنه عزيز النفس لا يرضى الذلّ ولا الإهانة.
جلس أحد التائبين الجدد مع الشيخ عمر فلما عاد معي قال لي " عاملني وكأني هو وهو أنا لا العكس" وذلك لأن الشيخ اختار لنفسه المقعد الخشن غير المريح واختار لضيفه التائب الجديد المكان المريح، وعامله بمنتهى التلطف وكأن الشيخ عمر هو الذي يرجو علما من ذاك التائب وليس العكس، أما إن أساء أحد الناس فهم هذا التواضع فظنوه ضعفا وذلًّا كما حدث مع سنيقرة وعويسات فإنه يريهم عين العزة فيردّ عليهم ولا يبالي بأمرهم رغم أن ذلك جعل كثيرا من غوغائهم يثورون عليه ويحاولون تشويه سمعته بالكذب والبهتان والتبديع والتجريح والتحذير منه.
ومع ذلك فإن تحذيرهم منه لن يجعل الناس إلا حذرةً منهم، فكذلك حذّر الروافض من كبار الصحابة ليسقطوهم لما أسقطوا إلا أنفسهم في نظر كل عاقل، إذ هل يعقل أن تحكم البعوضة على الصّقر بالضعف وتُقبل شهادتها فيه ؟ فلا يصدّقها إذًا إلا من كان عقله من جنس عقل البعوض أو كان هو البعوضة شخصيا، أما الصقور فيعرف قيمتها العقلاء ولا يضرها جهل الحشرات بها.
3 - رغم أن الشيخ عمر نفسه يعتبر مجاله الأفضل هو التاريخ والسّير وهو متمكن بالفعل في هذا المجال ولعله درس عشرات الكتب في السيرة النبوية وحدها، إلا أني أراه متمكنا أيضا في الفقه "حتى ولو اختلفت معه في بعض الآراء الفقهية" وذلك لأنه يعرف الخلاف في المسائل المختلف عليها ويحترم الأقوال المخالفة له بل وينتصر لها بالأدلة إن أراد إنصاف أهلها ضد المشنعين عليهم ثم يذكر ما جعله يختار القول الآخر، بخلاف أهل التزمت والتعصب الذين أعماهم الجهل عن الخلاف في المسائل فصاروا ينكرون على كل من يقول بقولٍ مختلف عن الذي سمعوا به، فهم لا يعرفون الخلاف في المسائل ولا أدلة الأئمة المختلفين ولا يفهمون شيئا في علوم الآلة أصلا.
#الخلاصة: عندما يلتقي رجلان يدعيان الخبرة بالمعادن والأحجار الكريمة ثم يحكم أحدهما على الطين بأنه أغلى من الألماس ويحكم الآخر على الحديد فيقول هو أغلى من الذهب، فهنا نقول للألماس والذهب، ليس الذنب ذنبكما ولا ينقص من قيمتكما جهل الجاهلَين بكما وإنما ذلك منقصة لهما ومن يسمعهما من الذين يعلمون يتخذهم سخريا رغم اعتدادهما وثقتهما بنفسيهما.
كتبه #صهيب_بوزيدي.

