شهداء غزة
طلب خالد بن الوليد رضي الله عنه الشهادة طيلة حياته وتأسف لما حضر أجله فقال مقولته الشهيرة ((لقد شهدتُ مائة زَحْف أو زهاءها، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيفٍ، أو طعنة برُمْحٍ، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامتْ أعين الجبناء))
قال ابن القيم رحمه الله معلقا على كلام خالد بن الوليد ((وَلَا ريب عِنْد كل عَاقل أَن اسْتِقْبَال الْمَوْت إِذا جَاءَك خير من استدباره .....ثم قال: وَكَانُوا يفتخرون بِالْمَوْتِ على غير فرَاش وَلما بلغ عبد الله بن الزبير قتل أَخِيه مُصعب قَالَ إِن يقتل فقد قتل أَخُوهُ وَأَبوهُ وَعَمه إِنَّا وَالله لَا نموت حتف أنفنا ولَكِن حتفنا بِالرِّمَاحِ وَتَحْت ظلال السيوف)) [كتاب الفروسية المحمدية لابن القيم: ص: 494].
قلت صهيب: فهنيئا للشهداء في سبيل الله الشهادة، إنما لحظة موتهم طرفة عين، ينتقلون فيها من عالمنا المليء بالظلم والنقائص إلى دار الحق، قال الله عز وجل ((ولدار الآخرة خير لو كانوا يعلمون)).
أقول للمسلمين جميعا: هذه ليست أول مصيبة تصيب الأمة الأمة الإسلامية فقد مرت الأمة بكوارث ومجازر تدمي القلب منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، لم يعدنا الله بالسلام في الدنيا ولم يقل إنها دار القرار بل اختص الآخرة بهذا الوصف، أما الدنيا فهي دار امتحان وابتلاء ولو كنا نعلم ما بعد الحياة لعلمنا أن الشهيد في سبيل الله أوفر حظا بكثير من الحي المستقر في دنياه.
المشكلة الحقيقية ليست هنا، إنما السؤال: إلى متى ينوي المسلمون الاستمرار في البقاء على هذا الضعف الذي هم فيه ؟ أين الهمة والعزيمة على تطوير أمتنا ؟ العامل لا يُتقن مهنته والناس لا يحرصون على نظافة محيطهم، والتلاميذ يسعون إلى الغش في امتحاناتهم وغالبية الحكام يسعون إلى احتجان الأموال والثروات والخيرات والامتيازات لأنفسهم وذويهم، خيانات في الليل والنهار، ومؤامرات ومصالح شخصية تقضى على حساب تخلف المسلمين، أكثر من 95% من الشعوب مغيبة لا تعرف حاضرها ولا ماضيها ولا تتوقع شيئا من مستقبلها، انغمست في عالم الجرائم والمخدرات والنصب والاحتيال والسرقة والفساد، أين حمل هم الأمة ؟
لا تتوقعوا من أمة مغيبة أن تقوم بإنقاذ موقف مفاجئ كهذا، المشكلة أعمق من ذلك بكثير، الآن قد يكون التفكير الصحيح هو البحث عن أقرب وأسرع طريقة لمناصرة أهلنا في غزة، ولكن ذلك مجرد حل مؤقت، حتى ولو توقفت الهجمات فإن واقع ضعف الأمة الإسلامية لن يتغير إلا بأن يغيروا ما بأنفسهم، لا بد من حمل هم هذا الدين، لا بد من حمل هم الأمة الإسلامية، هذا يتطلب الكثير من العمل الجاد والتخلي عن الأنانية، لابد أن يكون هذا هو مشروع الإنسان المسلم حتى إذا لقي الله كان كمن مات وهو يعدّ العدة لنصرة الإسلام.
أعلم أن كلامي لن يصل أصلا إلا لشريحة صغيرة من المثقفين والمهتمين بقضايا الأمة الإسلامية، وأعلم أنه لن يزيد ولن ينقص من الواقع شيئا، لكن لا أقل عندي من مشاركة هذه الفكرة، والأصل ألا تموت الأفكار وإلا زالت القضايا عن بكرة أبيها، قد بقيت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي 132 سنة وهي فترة فاقت فترة الاحتلال الصhيوني لفلسطين، ولكنها تحررت في نهاية الأمر، صحيح أنها لم تصبح قوية كما كانت قبل الاحتلال ولكن الأمل موجود في الأمة الإسلامية، بقي أن يرجع الناس إلى الأفكار النهضوية.
كتبه #صهيب_بوزيدي
