حكم سكنات عدل
وردتني الكثير من الأسئلة عن سكنات عدل وأرى جواز الشراء فيها لعدة أسباب:
1 _ كون السعر متغيرا بسبب تغير سلع البناء لا يؤثر في صحة المعاملة إلا أنها تتحول من عملية بيع إلى عملية مقاولة، ومثاله أن تكلّف مقاولا بأن يصنع لك بيتا ثم يأخذ لأجل ذلك عمولة له، فصناعته للبيت منوطة بأسعار مواد البناء فقد تزيد أو تنقص ولا يتحمل تكاليفها وإنما عند الانتهاء منها يأخذ ثمن مجهوده المتمثل في: (الإشراف على بناء البيت وتصميمه وتفصيله ومتابعة العمال وإنجاز المشروع) فهذا التغير ليس له أي علاقة بالربا، وصيغ الربا عادة تكون في تزايد مستمر بغض النظر عن أسعار السلع وتكون الفائدة لأجل القرض أما سكنات عدل فإنك تعطي المال للشركة على أنها مقاولة تصنع لك بيتا وأنت تدفع ثمن تكاليفه بما في ذلك حق الشركة المقاولة "وهي شركة وطنية عدل)
2 _ حتى ولو سلمنا جدلا بأن المعاملة ربوية، فإن الأصل في الربا وإن كان التحريم فإنه يجوز عند الضرورة للمقترض ولا يجوز للمقرض بحال، عملا بالقاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات" وهي قاعدة مستمدة من قول الله ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)) وقوله تعالى ((وَقَد فَصَّلَ لَكُم ما حَرَّمَ عَلَيكُم إِلّا مَا اضطُرِرتُم إِلَيهِ))، وهذه القاعدة الجزئية مندرجة تحت قواعد كلية أعم منها فمن العلماء من فرّعها عن قاعدة (الضرر يزال) كالسيوطي وابن نجيم، ومنهم من فرعها عن قاعدة (المشقة تجلب التيسير) ومنهم من فرعها عن قاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع)
قلت صهيب: والقاعدة عامة في كل المحرمات حتى في الكفر فإنه يجوز النطق بالكفر دون اعتقاده للمضطر "المكره" لقول الله ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) ولقول الله ((إلا أن تتقوا منهم تقاة)) والآية الأولى تختلف في دلالتها عن الثانية فالأولى تقع بعد الإكراه والثانية قد تكون احتياطا قبل الإكراه إن أحس المؤمن خطرا على حياته وإن لم يُجبر على شيء.
والضرورة لا تكون فقط عند خشية الموت، وإنما بتلافي الضرر، فالضرورة على وزنة "فعولة" من الضرر والاضطرار افتعال من الضرر، وبما أن الافتقار إلى السكن يوقع على صاحبه الضرر فإن تحصيل السكن صار ضرورة خاصة في عصرنا هذا الذي لا يمكن لأي كان أن يسكن بأي طريقة كانت، فالبناءات الفوضوية ممنوعة وقد يتعرض أصحابها لهدم منازلهم والكراء قد يكلف صاحبه ما لا يطيقه ويضره فيجعله يدفع ثمن إجاره دائما بدل أن يحصل بيتا يستره، ولذلك أفتى عدد من الشيوخ المعاصرين بجواز الاقتراض من البنوك الربوية الصريحة لأجل ضرورة السكن، ومن هؤلاء الشيخ القرضاوي رحمه الله، وأنا أؤيد هذه الفتوى، بينما تشدد آخرون كالشيخ الألباني لما قال للسائل (يمكنك السكن في خيمة) فقلت _صهيب_ لا شك أن السكن في خيمة في ظروف عصرنا يُعد من أشد الضرر، فإن كان الناس قديما يسكنون الخيام بسهولة فذلك لتعودهم على الحياة القاسية وتأقلم أجسادهم عليها، أما جيلنا وعصرنا فقد اعتاد المقام الناعم، بل أكثر الناس بؤسا وفقرا يُعدّ منعما بالمقارنة مع القدامى، ففي عصر يتمتع الناس فيه بالمكيفات والسيارات والبيوت التي تحمي الناس من اللصوص "الذين تطورت أيضا أدواتهم في السرقة" مع منع السلاح عن المواطنين العاديين لم يعد بإمكان الإنسان أن يعيش في خيمة، ثم على أي أرض يقيمها وبكم يشتري تلك الأرض ؟ وهل يحمل سلاحا يقيه هجوم الكلاب والذئاب واللصوص الذين لا يفرقون بين غني وفقير في سطوهم على الناس ؟ على كل حال، هذه الفتاوى لا يراعي فيها المشايخ حال المستفتين، لأنهم لو جربوا تطبيق ما يفتون به على أنفسهم لأحسوا بخطورته.
لذلك أقول: عادة لا يلجأ لسكنات عدل من عنده بالفعل سكنات له تغنيه عن الحاجة وإنما يلجأ إليها الفقراء وأصحاب الرواتب العادية والبسيطة ونحن في زمن يعد من يكسب مبلغا أقل من 10 ملايين سنتيم فقيرا نظرا لغلاء المعيشة وتآكل العملات مع التضخم وسائر المشاكل الاقتصادية، في سنة 2008 كان مقدار الغرام من الذهب (100 ألف سنتيم) واليوم مقداره (من 1.4 إلى 1.7 مليون سنتيم) مما يعني أن الذي كان يتقاضى مليون سنتيم سنة 2008 كالذي يتقاضى 14 مليون سنتيم في 2024 إن قارناه بالذهب، أما إن قارناه بالدولار فيكون المليون في 2008 ب 2 مليون و300 ألف في زمننا وإن قارناه بقيمة العملة في السوق وما يمكن أن تشتريه فقيمة المليون بقيمة 4 ملايين في عصرنا، أي أن 2.5 مليون في 2008 تساوي 10 ملايين في 2024، لذلك يجب على الناس إدراك أن الساعين لسكنات عدل أساسا أناس فقراء فهم مضطرون للسكن حتى ولو لجؤوا إليه بالقرض الربوي نفسه، فكيف والمعاملة ليست ربوية من الأساس بل هي جائزة لذاتها إن شاء الله.
كتبه #صهيب_بوزيدي
