جوابا على تعليق من منشور الإجابة عن الأسئلة

الفقه وأصوله

أجبت عن هذا التعليق بعد الإجابة عن أكثر من 130 سؤالا في المنشور الذي وعدت فيه بالإجابة عن 100 سؤال وكنت قد كتبت الجواب للرد على السائل في التعليق فقط دون نشره لكني وجدت التعليق لا يتحمله لتجاوز النص 8 آلاف حرف وهذا تعودت عليه في التعليقات فأقسمها نصفين إلا أني وجدت النص قد انقسم إلى 3 مقاطع وتجاوز 20 ألف حرفا فخطر لي أن أجيب السائل في منشور مستقل ليكون جوابي قطعة واحدة ثم أنقل له رابط المنشور

#بداية_الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أقول:

1 _ أريد التنبيه على أن جمهور العلماء وهم (الأحناف والمالكية والشافعية وهو مذهب سفيان الثوري) يقولون بعدم وجوب صلاة الجماعة واختلفوا أهي مستحبة مطلقا أم أنها فرض كفاية وغالبيتهم على القول باستحبابها مطلقا.

قال الإمام النووي في المجموع: ((فرع: في مذاهب العلماء في حكم الجماعة في الصلوات الخمس: قد ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أنها فرض كفاية، وبه قال طائفة من العلماء. وقال عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر هي فرض على الأعيان ليست بشرط للصحة، وقال داود: هي فرض على الأعيان وشرط في الصحة، وبه قال بعض أصحاب أحمد. وجمهور العلماء على أنها ليست بفرض عين، واختلفوا هل هي فرض كفاية أم سنة. وقال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أنها سنة مؤكدة لا فرض كفاية))

2 _ والجزء المتبقي من العلماء (وهم القلة) الذين أوجبوا صلاة الجماعة ذهبَ أكثرهم إلى أن أداء الجماعة في البيت مجزئ ولم يوجبوها في المسجد (أي يمكن أن يصلي الرجل جماعة في بيته وبأهله فيكون مؤديا للواجب حتى على قول أكثر من يوجب صلاة الجماعة) وهي رواية عن الإمام أحمد أيضا وهؤلاء أغلبية من قال بوجوبها جماعة ومنه (غالبية العلماء يرون عدم وجوب الجماعة أصلا والقلة الذين يرون وجوبها الغالبية منهم يرون وجوب الجماعة ولو في البيت ولم يشترطوا المسجد، ثم إن القلة منهم التي اشترطت المسجد منهم من اشترط المسجد فقط على جار المسجد واعتمدوا على حديث ضعيف ومنهم من اشترطه مطلقا ثم إن هذه القلة التي تشترط صلاة الجماعة في المسجد مطلقا مجمعون على الرخصة والحرج يُسقط وجوب صلاة الجماعة على الفرد ومعنى ذلك أن الحالة التي كان عليها ابن أم مكتوم لا يوجد عالمٌ واحد على الأقل من العلماء القدامى يقولون بوجوب الصلاة عليه عينا إذ حتى القلة القليلة الموجبة لصلاة الجماعة تُسقطها بالرخصة فإن سقطت الجماعة عن المسافر الصحيح الذي به مرض ولا عمى فأيهما أشد عذرا حالة المسافر أم حال ابن أم مكتوم ؟

3 _ لذلك أنقل لك كلام أحد العلماء الموجبين لصلاة الجماعة فضلا عن القائلين بعدم وجوبها.

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - :

((وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره .

يعني : أن أحدا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم)).

[ فتح الباري لابن رجب 2 / 391].

أي أن الموجب لصلاة الجماعة أيضا يرى أنها لا تجب على من كان في حال عبد الله بن مكتوم.

4 _ قال الخَطَّابيُّ رحمه الله :((وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية ، لا على الأعيان ، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة ، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال)) [ معالم السنن 1 / 292 ]

قلت صهيب: وليس هذا ما أجيب به عن الحديث ولكني أنقل أولا بعض الأوجه المحتملة التي يستدل بها العلماء الذين يعرفون هذا الحديث ومع ذلك يقولون باستحباب صلاة الجماعة وحتى القائلون بوجوبها يقولون بعدم وجوبها في المسجد، أي أن ظاهر هذا الحديث يعارض مذهب غالبية القائلين بوجوب صلاة الجماعة لأنهم لا يشترطون فيها المسجد وظاهر الحديث اشتراط المسجد وحتى الذين يوجبونها في المسجد يترخصون للأعمى لذلك قال بعض هؤلاء "أي الموجبين لها في المجسد المترخصين لمن كان حاله كحال الأعمى":

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:

((ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان ؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد)) [فتح الباري لابن رجب 2 / 389 ، 390]

قلت صهيب: ولا أقول بأن الحديث منسوخ أيضا إذ لا أقول بأن صلاة الجماعة فُرضت ثم نسخت وإنما لم تُفرض أصلا ولا أقول إن الأعمى كان أول الأمر لا يترخص له ثم نسخ ذلك فصارت له رخصة وإنما ليس على الأعمى حرج وقد قال الله ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)).

5 _ قال الله في موضعين مختلفين من القرآن لم يكونا بمناسبة الحديث عن الصلاة، إذ نعتقد عدم وجوبها أساسا لذلك لو استدللنا على الترخيص للأعمى في القرآن فنكون قد استدللنا على وجوبها من حيث لا نشعر، ولكن نأخذ الأصل العام أن العمي يُعد رخصة شرعية في رفع الحرج فقال الله عز وجل ((ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)) [وردت مرتين في سورة النور وسورة الفتح] وهي أصلٌ عام في رفع الحرج على الأعمى وهذا يعد حكما معللا والحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما فأينما وُجد الحرج وقعت الرخصة والله هنا رفع الحرج نصا عن الأعمى تحديدا (أي يمكن رفع الحرج حتى عن غير الأعمى إن كانت علته موجودة في حالته فنقول مثلا ليس على السجين حرجٌ حتى ولو لم يرد ذكره نصا في القرآن وذلك عملا بالقاعدة (الحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما) فإن كان الحرج في السجين أعلى منه في الأعمى انسحبت علته عليه (والحرج هو الضيق ومطلق الحرج الوقوع في الصعوبة والمشقة وهو حرج الحاجة والأعلى منه مستوى حرج الاضطرار ويعلوهما حرج الإكراه ويعلو الجميع حرج العجز والسجين في حال صلاة الجمعة "التي نتفق على وجوبها" يكون عاجزا أي أنه في درجة الحرج المطلق لا مطلق الحرج والإجزاء يتحقق بمطلق الحرج فضلا عن الحرج المطلق.

6 _ هذا الحديث من الأساس حتى لو لم يخالف أي أصل قرآني أو فقهي فإنه حديث آحادٍ (أي ظني الثبوت) ثم بغض النظر عن ثبوته وعدمه فهو غير قطعي في الدلالة وإنما هو ظني الدلالة (وكل العلماء بلا استثناء لم يحملوه على المعنى الموجب للصلاة على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم مما يعني أن دلالته على ذلك إن لم نقل إنها مرجوحة في سياق النص منعزلا عن سائر النصوص فإننا قطعا نقول بأنها مرجوحة في سياق النصوص الأخرى.

7 _ بمجرد أن يكون هذا النص ظني الدلالة والثبوت فإنه قطعا سيقصي القائلين بشرطية صلاة الجماعة (أي الذين يقولون بأن تاركها جماعة لا تقبل صلاته أصلا) وهذا قولٌ من بين القائلين بوجوب الجماعة، فعلى الأقل يسقط استدلالهم بهذا الحديث لأنهم لو قالوا إن الجماعة واجبة في غير المسجد كان الحديث ضد قوله إذ ظاهره إيجابها في المسجد ولو قالوا إنها واجبة في المسجد وهي شرطة صحة في الصلاة قيل لهم: كيف يُناط الركن الثاني من أركان الإسلام بدليلٍ أحسن ما يقال فيه أنه ظني الثبوت والدلالة والله يقول ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)) مما يعني أن الأحكام الشرعية التي تتعلق بالكبائر ومصيرها متعلق بالعذاب في النار لا يمكن أن يوردها الله في نص ظني الثبوت أو الدلالة فكيف إذا اجتمعت الظنية في الثبوت والدلالة معا وكان مناط الاستدلال المراد منه (أي الذي تحتج به) معارضا للقواعد الإسلامية العامة في أصل الترخص ورفع الحرج ناهيك عن رفع الحرج عن الأعمى تحديدا الذي ورد فيه نص مخصوص (ليس نصا في سياق الصلاة نعم ولكنه نص في إثبات علية الحرج في حال الأعمى، رغم أن تلك العلية واضحة بالعقل والتجربة ولا تحتاج نصا "وهي العلة المعقولة" إلا أن التنصيص عليه رفعه من مرتبة العلة المعقولة إلى مرتبة "العلة المنقولة" وكل علة منقولة تتضمن المعقولة وليست كل علة معقولة تتضمن المنقولة، فإن كان النزاع ممكنا في العلل المعقولة إذ تختلف العقول على تقريرها فإن العلة المنقولة ترفع الخلاف وترفع مرتبة العلية من الظن إلى اليقين، وفي حال الأعمى فوقوع الحرج عليه حتى بالعقل والترجبة يقيني وليس ظنيا (ولكن لو سلمنا جدلا وتنزلنا عن الدلالة المعقولة فإن الدلالة المنقولة تقطع وترفع الخلاف فقد ثبت بالنص القرآني "قطعي الثبوت والدلالة" على أن صفة العمي في العموم من الحالات التي تسبب لصاحبها الحرج والمشقة في نوعية التكاليف التي يحتاجها فيها إلى استعمال بصره كما لا تكون محرجة له في العبادات التي لا يحتاج فيها استعمال بصره، كالصلاة في البيت أو الصيام ونحو ذلك فلا يحتاج لبصره كي يصوم ولكنه يحتاج بصره في التنقل والجهاد ونحو ذلك لذا يسقط عنه الحكم، تماما كالأعرج الذي تعيقه قدمه على التنقل.

#الخلاصة: هذا الحديث أحمله على أحد الوجهين: إما أنه خاصٌّ بحالة متقدمة من التزكية وصل إليها عبد الله بن مكتوم والذي كان معروفا بأنه المؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر فيؤذن بأذان ويؤذن بلال بأذان آخر فهنا يكون نقاشه مع النبي صلى الله عليه وسلم في تخلّفِ مؤذن مسجد رسول الله لا في تخلف مصلٍّ عادي فإن قيل إن النبي قال له (أتسمع النداء أو الأذان) مما يدل على أنه ليس المؤذن لتلك الصلاة، قلت: لو رخص له في اعتزال المسجد في أذان بلال لترك أذان المسجد في أذانه للفجر، فإن قيل لماذا لم يختر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا غيره قلت:

1 _ لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على حال ابن أم مكتوم لأنه يحبه وأراد له أن يكون في أعلى درجات الجنة لذلك كلفه بما يرفع مرتبته والمؤذنون لهم أجر مخصوص يوم القيامة لم يرد النبي أن يحرمه منه، كما أن صلاة الجماعة في المسجد بالاتفاق خير من صلاة الجماعة في البيت وصلاة الجماعة كلها خير من صلاة الفرد وصلاة الجماعة بألف مصل خير من صلاة الجماعة بمصليين أو ثلاثة وصلاة الجماعة في مسجد رسول الله خير من ألف صلاة في غير مسجده فقد قال صلى الله عليه وسلم ((صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام)) قلت: وإن كانت تلك فضيلة الصلاة في مسجد رسول الله بغض النظر عن كونه حيا يصلي فيه أم لا فكيف بالصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم إمام المسجد ؟ لو وردت نصوص توهم وجوب الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم لما تعارضت مع الأصل العام في استحباب الجماعة مع غير النبي صلى الله عليه وسلم، إذ للنبي صلى الله عليه وسلم خصيصة، جربها في نفسك، تخيل لو سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم بنص قطعي بعثه الله من قبره وسيصلي في المسجد الذي بقربكم هل سيرضى قلبك وضميرك بأن تصلي في البيت والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في المسجد ؟

عموما: حتى ولو تشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه في التزام الجماعة معه فذلك لأن المسجد آنذاك هو السبيل الأشهر ليتعلموا منه دينهم ويتلقوا منه الأوامر في شؤون السياسة والحرب والسلم والتوجيهات الاجتماعية وبالقدر الذي يتغيب فيه المرء عن المسجد يُحرم من فضل صحبة رسول الله فلو تشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أحد أصحابه لأنه يريد له الخير والفضل (خاصة وأن ابن مكتوم بالذات هو الذي نزلت فيه آية "عبس وتولى" فهذا الرجل نزل فيه قرآن يتلى ويعاتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأجله فمثل هذا لا يكون كلام النبي معه في مستوى "الواجب والمستحب" وإنما في مستوى الدرجات الأعلى ولعله لو سأله عن قيام الليل لأجابه بما يلزمه قيامه، لأنه يريد أن يكون من أهل الدرجات العليا.

وهناك أصل فقهي فيما يتعلق بالأوامر النبوية أنها تحمل على الاستحباب لا الوجوب وهذا فصلته في موضعه والشرح السابق يقدم له.

إما أن يُفهم الحديث بهذا الشكل وإما أن يُرد لأنه معارض للأصل القرآني كما أنه يفيد الظن في الثبوت والدلالة ولا يرد قطعي وأصل إسلامي عام بما يفيد الظن، وإن كان الإمام مالك يرد خبر الواحد بعمل أهل المدينة فكيف بخبر الواحد الذي عارض مفهوم الأمة الإسلامية جمعاء وعارض القرآن وأصول الإسلام في عذر أهل الحالات الخاصة وعارض رحمة الإسلام ويسر الدين ونصوصا كثيرة جدا.

أنا عن نفسي أصحح الحديث ولا أرده ولكني أفهمه كما سبق ذكره، ولكن في المبدأ العام النص الظني إن تعارض مع القطعي ولن يمكن الجمع بينهما رُد الظني، أما هنا فأمكن الجمع بينهما لكن لو لم يمكن الجمع بينهما لرددنا الظني

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.
No photo description available.

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…