الفرق بين العالم والمتعالم
#العالم: يتعامل العالم مع المعارف والمعلومات التي يتناولها كالتالي: يُصنف القضية [أهي من الواجبات أم المستحيلات أم الممكنات] فإن كانت واجبةً فهي من الحقائق المطلقة التي ينطبق مفهومها وقانونها المجرد على كل متعيناتها، وإن كانت مستحيلة فهي قضية مركبة من نقيضين أو قضية مناقضة لقضية واجبة الصحة، ولكي يُدّعى التناقض في القضية وجب أن تتوفر وحدات التناقض الثمانية (الاتحاد في: الموضوع، المحمول، الكل والجزء، القوة والفعل، المكان، الزمان، الشرط، الإضافة) بحيث تكون صيغة القضية رياضيا: (x ≠ -x) فهنا يحكم على أحد طرفي المعادلة بالخطأ فإن كانت القضية جامعةً بين المعادلتين أو رافعة لهما في آن واحد حُكِم على القضية بالاستحالة، وكذلك لو كانت x واجبة فإن -x تكون مستحيلة لأن نقيض الواجب هو المستحيل، وواجب الوجود هو مستحيل العدم كما أن مستحيل الوجود هو واجب العدم.
أمّا إن كانت القضية من الممكنات (أي تكون ممكنة الوجود وممكنة العدم) فهنا يُحكِّمُ فيها مصادر المعرفة الثلاثة:
#الأول_العقل: أما العقل المجرد: فيحكم عليها مبدئيا بالإمكان ولا يجزم بصدقها ولا بكذبها ويلجأ للقياس والتمثيل والاستقراء والبرهان بالنقيض وبعكس النقيض وبالعكس المستوي ليتعامل مع كل قضية جديدة حتى يعرف تصنيفها فإما واجبة أو مستحيلة وإما ممكنة، ثم يحاول ترجيح تحققها من عدمه أو التوقف فيها بناءً على ما يستعين به من معلومات حسية أو نقلية إما أن تكون للقضية نفسها أو لقضية مواطئة لها تواطؤ التطابق [الاشتراك في الكلية مع التساوي في قوة الأفراد] أو تواطؤ التشكيك [الاشتراك في الكلية مع التفاوت في قوة الأفراد].
#الثاني_الحس: أما الحسّ: فإن كانت القضية مما يمكن إجراء التجربة عليه فإنها قبل التأكد من صحتها إما أن تأخذ حكم [النظرية theory] وإما أن تأخذ حكم [الفرضية hypothesis] والفرضية بدورها تنقسم إلى عدّة أنواع: [الفرضية البديلة، والفرضية الصفرية والفرضية الموجهة، والفرضية غير الموجهة].
والنظرية أقوى من الناحية العلمية من الفرضية وعند التحقق بالتجربة والحس من النتيجة يرتقي الحكم على القضية إلى مرتبة الحقيقة [fact].
#الثالث_الخبر: أما مصدر الخبر: فمن خلال درجة الخبر يُحكم على القضية الممكنة بالصدق أو الكذب، ويكون ذلك اختصارا كما يلي:
1 - ينظر في أصل القضية المنقولة أهي ممكنة أم واجبة أم مستحيلة، فإن كانت واجبة قُبِلت بغض النظر عن ناقل الخبر وإن كانت مستحيلة رُفِضت بغض النظر عن ناقل الخبر [والصادق يستحق أن ينقل خبرا مستحيلا] وإن كانت ممكنة يتجه العالِمُ للمرحلة التي بعدها.
2 - يتأكد العالِم من القائل الأول الذي نُسِبَت إليه المعلومة: أهو منشئ للمعلومة أم ناقل لها نقلا مجردا أم مستنبطٌ لها ؟ فإن كان منشئا للمعلومة فيُنظر فيه: أهو مخوّل للكلام دون الوقوع في الخطأ بحيث يكون قوله نفسه حجّة [وهذا يكون في الأصل لخالق الكون الذي يعلم كل شيء ويكون قوله حجة على عباده إن صحَّ النقل المنسوب إليه ثم يأخذ هذه الخاصية من أمرنا الخالق بالأخذ عنه بأمرٍ منه كما هو حال رسل الملائكة والأنبياء عليهم السلام إن صحَّ النقل عنهم] أم يكون قوله ليس حجة لذاته إن كان منشئا للقول كسائر المخلوقات التي لم يُكلّفها الله بالنبوة أو الرسالة، أما إن كان القائل ناقلا للحقيقة كما هي فيُنظر في صدقه وحفظه وقوة مداركه فإن صحت عدالته وضبطه كان ثقة فيما ينقله وصُدّق فيه إن صحّ ما نُسب إليه، وإن كان النقل منسوبا للمستنبط نظر في حاله فإما أن يكون عالما ثقة في ذلك المجال فيُستفاد منه على ألا يكون كلامه حجة أو دليلا لذاته وإن كان من غير أهل العلم أو من غير الثقات فيُنظر في كلامه مجردا فإن كان صوابا أقره وإن كان خطأ رده فلا يخطّئه لمجرد أنه غير مؤهل أو غير ثقة وإنما يزن الكلام بغض النظر عن القائل.
3 - أما المنقول عن القائل الذي يُحتج بكلامه وهو كلام الله الذي يُبلّغه عنه رسله، فيُنظر فيه من حيث الثبوت والدلالة.
4 - أما النظر في الثبوت فيكون بتقسيم السند إلى ثلاث حالات (متصل الإسناد تواترا، متصل الإسناد عن طريق الآحاد، منقطع الإسناد)
أما المتواتر فهو يقيني الثبوت.
أما الآحاد فمنه الصحيح والحسن والضعيف والمكذوب وتختلف درجات هذه الحالات من حيث احتمال ثبوتها فالصحيح هو ما يغلب على الظن ثبوته والحسن أقل منه رتبة أما الضعيف فما استوى احتمال ثبوته مع عدمه فلا يُحتج به ولكنه في نفس الوقت لا يُرمى، أما المكذوب فما كانت نسبته للمشرّع كذبا يقينيا أو يقترب.
5 - أهم علمان من علوم الآلة لدراسة المصدر المعرفي الخبري هما (علم الحديث: الذي يدرسه من جهة الثبوت) و(علم أصول الفقه الذي يدرسه من جهة الدلالة) وسأذكر في المقال التالي أشهر الكتب التي اعتنت بهذه العلوم وفي مقالات أخرى أسلط الضوء على أهمية هذين العلمين في الباب المعرفي الخبري.
#المتعالم: بعد أن بينت كيفية تعامل العالم مع المعارف والمعلومات جاء دور بيان كيفية تعامل المتعالم معها وهو الذي يجهل أدوات المعرفة وقواعدها وإنما يعتمد على عدة أساليب قد تجعله يبدو في أعين غير المتخصصين صاحب علمٍ إلا أن معرفته لا تعدل جناح بعوضة عند العلماء الحقيقيين وذوي الإتقان المعرفي، ومن بين أساليبه:
1 - يتعامل المتعالم مع المعلومات الجديدة عليه على أنها خرافات أو خزعبلات وذلك لأنه يحس لا شعوريا بأنه يعرف كل شيء لذلك فإنه يصنف كل معلومة لا يعرفها مع المعلومات الباطلة أو الخاطئة أو المضللة أو الخرافية وذلك لأنه دون وعي منه يقول في نفسه (لو كانت معلومة صحيحة لعرفتها) حتى وإن لم يقل ذلك بلسانه.
2 - يعتبر المتعالم أول معلومة عرفها حقا محضا لذلك فإنه يحسب كل ما خالف المعلومة التي سمع بها أول مرة ضلالا أو خطأ أو خرافة، فلو أنه أخذ معلومته الأولى من فيلم أو مسلسل أو حتى من عند شخص مر عليه في الشارع تجده مستعدا لخوض جدالات لا نهاية لها للدفاع عنها، وقد ينسى مصدر المعلومة لكنه ينفي كل معلومة جديدة عليه، وهذه النقطة مهمة جدا يقع فيها كثير من الناس، فلو سمع رأيا فقهيا من عند عالمٍ معتبر عنده لأنكر على كل قولٍ يخالف ما سمعه ولظن أن القضية مجمع عليها لا نقاش فيها، وذلك لأنه لا يُدرك إمكانية وجود مئات من العلماء المخالفين لذلك العالم في قوله، وكذلك لو سمع حديثا ولو كان موضوعا أو لا أصل له فإنه يستميت في الدفاع عنه ولو أن شيخا يعرفه صحح ذلك الحديث في المقابل لدافع عن صحته ولو ضعفه عشرات العلماء الآخرين، والمصيبة أنه لا يتقن أي علمٍ من علوم الآلة.
3 - لا يقدر المتعالم على النقاش بهدوء وذلك لأنه يظن كل المسائل محسومة سلفا فتجده يسارع إلى الطعن وإساءة الأدب أو السخرية من رأي مخالفه حتى ولو كان يدعمه عشرات العلماء فيه وذلك لأن المتعالم ليس خبيرا بكتب العلماء فهو لا يعرف أقوالهم في تلك المسائل وإنما يكتفي بتقديس أول قول يسمعه، أو يتحزب لجماعة معينة يعتبرها الفرقة الناجية ثم يحصر الخلاف فيما اختلفت فيه تلك الجماعة والإجماع فيما أجمعت عليه حتى ولو كانت تلك الجماعة تنسب نسبة قليلة جدا من المسلمين وهنا يجتث نفسه وجماعته عن بقية المسلمين وكأنها الطائفة الوحيدة التي فهمت الإسلام الصحيح وحازت الحق كله.
4 - لا يستطيع المتعالم التفريق بين القول والقائل لذلك فإنه يشنع وينكر على المخالف حتى ما كان صوابا منه وذلك لأنه لا يملك علما يزن به الناس إنما يختار أسماءً لبعض الناس فيزن بهم العلم.
5 - المتعالم لا يقدر على ترتيب البراهين إلى مقدمات صغرى وكبرى ليربط بينها وبين نتائجها متسلسلا في الاستدلال من المقدمة (أ0 وهي المقدمة المسلّمة) إلى النتيجة مرورا بالمقدمات (أ1، أ2، أ3...) وإنما يكتفي بالسخرية والتشنيع والاعتماد على كثرة من يشترك معه في الجهل بتلك المعلومات من الذين يعتمدون على عقلية (المعلومة الصحيحة هي أول معلومة سمعت بها) ولا يُدرك المتعالم مقامه ليقتصر على مقارعة أقرانه بل يقفز إلى من يفوقونه علما بمسافات طويلة جدا فيتعرض لهم ويعرض علومهم على ما يعرفه من معلومات متصفة بالمحدودية والحدّية والهشاشة والفوضوية فبدل الاستفادة منهم يجعل نفسه حكما عليهم فيحسب نفسه صاحب الحق والعلم الذي لا مرية فيه بينما يراه أهل الاختصاص فلا يشعرون حتى بالرغبة في الضحك عليه ذلك لأنهم من البداية لا يتوقعون منه أفضل من ذلك ليتفاجؤوا به.
6 - ينطلق المتعالم من أضعف أنماط الاستقراءات فيستقرئ بضع حالات عينية في المسألة فيحسب نفسه قد استقرأ الموضوع استقراءً تاما فيعمم النتيجة ويستخرج منها قاعدة وكلّية، تماما كالرجل الذي يعرف بضع نساء فيحسب نفسه خبيرا بعقلية النساء فيعمم ما رآه من تلك النساء على الجنس الأنثوي بأسره فيحكي بكل فخر [أنا أعرف جيدا كيف تفكر النساء، النساء يحببن كذا وكذا ويكرهن كذا وكذا ويردن كذا وكذا ويجب التعامل معهن بهذا الشكل ...إلى آخره] وعادة ما تكون صدمة هذا النوع من الناس كبيرة عندما يقعون مع نموذج يختلف عن الأمثلة التي تعودوا على معرفتها فتُكسر القاعدة التي ظنوها حقيقة مطلقة وتتضح لهم نسبيتها ثم ما يلبثون حتى يكرروا نفس الخطأ في تعميم نفس القاعدة على استقراءات ناقصة وكلما كُسرت تلك القاعدة صُدموا وبعد انكسار حقائقهم التي ظنوها مطلقة يقعون في نفس الخطأ فتجد بعضهم يقول (لا توجد حقيقة مطلقة) وذلك لمجرد أن حسب بعض الحقائق مطلقة ثم خاب ظنه فيها فيعمم تلك القاعدة على كل الحقائق متناسيا أنه لازال يعمل بعقلية استخراج الحقائق المطلقة من استقراءاته الناقصة المحدودة حتى في زعمه نفي الحقيقة المطلقة فإنه بذلك يرى قوله (لا توجد حقيقة مطلقة) حقيقة مطلقة فيقع فيما نفاه للتو، وبعضهم قد لا يذهب لهذا البعد وإنما يكتفي بتطبيق هذه القاعدة على كل من يعرف فإن عرف عددا من رجال الأعمال ظن نفسه يعرف عقلية رجال الأعمال فيعممها على جميعهم، وإن خانه أو خدعه أو خيب ظنه بعض من وثق فيهم سارع إلى استخراج حقيقة مطلقة جديدة (لا يوجد على وجه الأرض من يستحق الثقة) وهكذا يستمر في الوقوع بنفس الأخطاء، كذلك إن تعود على ظواهر طبيعية معينة جزم بأن الوجود كله خاضع لتلك الطبيعة التي لا يحكمها قانون عقلي بديهي معين وإنما هي نتيجة استقراءاته الناقصة التي تجعله يحكم باستحالة الممكنات بل باستحالة الواجبات نفسها لمجرد أنه لم ير في حياته مثالا يشبهها ثم ما يلبث أن يحاكم واقع الناس المادي نفسه لواقعه فإن كان غير قادر على القراءة ظن كل الناس عاجزين مثله وإن كان غير قادر على بذل جهد بدني معين ظن جميع الناس مثله وكذلك ما يخص الأمور المالية والسياسية والاجتماعية.
7 - قد لا يتجاوز المتعالم قراءة بضع كتيبات خلال حياته كلها لكنه يوهم نفسه وغيره بأنه صار مكتفيا ومؤهلا للحكم على المتخصصين وتسفيه أقوالهم وذلك لأنه لم يجرب بذل الجهد في تحصيل العلم ولا في بذله للناس ليحس بقيمة أهله.
كتبه #صهيب_بوزيدي




