الرد على شبهة الخضر عليه السلام وقتله للغلام
#الرد_على_النقطة_الأولى من وجوه:
#الوجه_الأول:
إن الله الذي خلق الغلام كان قادرا على أن لا يخلقه أصلا وبعد أن خلقه فقد كان قادرا على ارسال ملك الموت ليقبض روحه؛ ولو أنه فعل أيا من هذين الفعلين لما اعترض عليه صاحب هذه الأسئلة فالله يحيي ويميت وهذا أمر مسلم به؛ فكل ما تغير في الأمر أن الله كلف الخضر بأن يقتل هذا الغلام (ولنفترض أنه قتله من دون أي ذنب أو أنه قتله ولو لم يكن ليكون كافرا لما كبر؛ فبالنظر للعقل والمنطق وحده فلا فرق بين أن يقتل الله عبدا من عباده بنفسه وبين أن يكلف الله من يقتله من ملائكته أو أن يكلف من يقتله من البشر أو الجن أو حتى من قبل وحش مفترس (أسد؛ ذئب؛ ضبع...الخ) أو من قبل (أفعى أم عقرب...أو حشرة قاتلة) فالله قد خلقه ولم ينتظر إذن أحد من مخلوقاته كي يخلقه فكذلك يقبض روحه متى شاء وعلى يد من يشاء (فمن قال: لا أسلم بأن لله وجودا؛ قلنا: إذا فليس لقصة الخضر وجود عندك لأن هذه القصة وردت في القرآن الذي هو كلام الله فإن لم تكن تؤمن بوجود الله فمن باب أولى أن نناقشك في أصل وجود الله بدلا من مناقشتك في هذا الفرع)
ومن لم تصله الفكرة فعليه دراسة الفرق بين الجواب النقضي والجواب الحلي (في علم المنطق) فالجواب الحلي يكون بحسب أصول المجيب (المدافع) والجواب النقضي يكون بالزام المخالف بحسب أصوله هو ويكون من قبيل رد الهجوم بهجوم آخر)
فالوجه الأول من قبيل الجواب الحلي وهو الرد بحسب أصول المدافع (أي بحسب أصول الإسلام)
#الوجه_الثاني:
أن الله لم يحكم على هذا العبد بدخول النار لأنه علم بأنه لو تركه يكبر فسيكفر وإنما أمر بقتله (ليس من باب العقوبة) وإنما من باب الرحمة بوالديه؛ أما الولد فلن يدخله الله النار لمجرد علمه الغيبي بأنه سيكون كافرا لو تركه على قيد الحياة وإنما قد يعاد اختباره يوم القيامة مع أهل الفترة وفي كل الأحوال لن يرهق والديه في الحياة الدنيا وسيخوض اختباره بعيدا عنهم والله أعلم بمصيره لكن ثق أن الله لا يعذب أحدا إلا بعدما يقع الفعل منه.
#الوجه_الثالث: كان الله قادرا على قبض روحه مباشرة ولكن لأن الله أراد أن يوصل فكرة معينة لموسى عليه السلام جعل فعل القتل على يد الخضر عليه السلام وبأمر من الله عز وجل.
#الوجه_الرابع: تختلف شرائع الأنبياء فقد كان هذا الفعل في شريعة موسى عليه السلام محرما ولم يكن محرما في شريعة الخضر عليه السلام ومن حكمة الله أن جعل لكل قوم شريعة خاصة بهم بحسب أحوالهم وكذلك لا يعتبر فعل الخضر جائزا في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم والحكمة من ذلك أن شريعته صلى الله عليه وسلم موجهة للعالمين ومستمرة لما بعد موته فلو جاز مثل هذا الفعل لقتل كل شخص من أراد فإن امسك به قال إن الله قد أمرني بذلك (فيعم الفساد ويكثر الدجل والافتراء على الله) بخلاف ما فعله الخضر فقد كان تحت نطاق ضيق ومنتهيا بانقضاء شريعته.
إن شئت راجع باب الناسخ والمنسوخ بين الشرائع لتفهم المزيد. (لأني أحاول الإجابة باختصار ولا يكفي الوقت لتعليم صاحب الشبهة أبوابا بأكملها)
#الوجه_الخامس: هذه الحكاية لم يشهدها أحد من معاصري النبي صلى الله عليه وسلم ولا الذين جاؤوا من بعده ومما لا شك فيه أنهم ما كانوا ليعرفوا بهذه القصة ولا ليعترض بعضهم على ما حدث فيها لولا أن حكاها الله بنفسه في محكم تنزيله؛ فلو كان هذا الفعل مناقضا للدين لكان الله قد كتم هذه القصة من أساسها.
بعبارة أخرى: يطرح الملاحدة مثل هذه الشبهة ليبينوا أن فعل الخضر جريمة وذلك لينقضوا شريعة الإله (الذي لا يؤمنون بوجوده أصلا) وهم يزعمون أن القرآن ليس كلام الله وإنما كلام محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأقول: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كذابا ومختلق للقرآن الذي يشهد له المخالف قبل الموافق بأنه كتاب منسق يحوي العديد من الإعجازات العلمية واللغوية والرقمية وشريعته متماسكة حتى وصل بكبار من كفروا به أن جعلوا من محمد صلى الله عليه وسلم عبقريا وفيلسوفا حتى يتهموه بتأليف هذا الكتاب العظيم.
وقالوا أنه درس لغات كثيرة وحضارات كثيرة وألف كتابه بعد احاطة بها.
فهل يعقل أن يكون من هذا حاله غبيا لدرجة أن يورد قصة تكون حجة عليه بحيث يمكن لأي شخص أن يعترض عليها ويسبب له مشاكلا في دعوته بسببها؟ كان بإمكانه أن لا يرويها أصلا.
لكنه كلام الله الحق يروي لنبيه ما حدث وليس فيما رواه أي اشكال عقلي ولا منطقي لمن فهم أسس الاستدلال؛ ولا تناقض بين القصة وبين جنس الدين لمن فهم ما سبق وذكرته؛ فمن زعم التناقض فليبين لنا ذلك وليذكر وحداته الثمانية لنرى إن كان في القضية تناقض أم لا؛ فإن لم يفعل ولن يفعل فليسحب ادعاءه التناقض فليست كل مسألة يصعب فهمها تكون متناقضة.
#الوجه_السادس: يستنكر الملاحدة هذه القصة بسبب استنكارهم للقتل بحسب زعمهم وحقيقة مذهبهم أن القتل مباح لأنه لا يوجد حسب مذهبهم إله يحلل ويحرم؛ فما دليلهم على حرمة القتل؟ إن قالوا إن النفس تنفر من فعل القتل قلنا: لو كانت النفوس تنفر من فعل القتل لما راح الملايين من البشر ضحايا للاقتتال؛ وخاصة في هذا العصر: صار القتل لمجرد المصلحة؛ كما أن العقل بالمفهوم المنطقي لا يعطي سببا منطقيا لتحريم القتل؛ إلا أن الله حرمه؛ فمن لم يؤمن بوجود الله فما دليله على أن القتل فعل سيء؟ أليس الملاحدة ممن يقتل الحيوانات ليأكلوها أيضا؟ فإن لم يقتلوا الحيوانات فإنهم يقتلون النباتات ولا يمكن تجنب قتلهما معا وإلا فماذا يأكلون كي يعيشوا؟ وهذه الحيوانات يقتل بعضها بعضا بل والإنسان يقتل الميكروبات والحشرات الضارة وما غير ذلك دون أن يزعم أحد أن هذا الفعل خاطئ لمجرد حكم العقل وحده.
فحكم القتل أساسا لم يكن ليكون محرما لولا الشريعة التي فرضها الله؛ فليس من حق الملحد أبدا أن يعترض
#الرد_على_النقطة_الثانية (قولك: من الذي كتب على الغلام أن يكون كافرا)
#الوجه_الأول: يجب التفريق بين أن يعلم الله بأن يكون شخص ما كافرا وبين أن يجبره على الكفر فالله علم أن الغلام سيكفر إن هو كبر لأن علم الله تام غير ناقص ولو جهل الله مصير الغلام لكان علم الله ناقصا فلو كان علم الله ناقصا لكانت ذاته ناقصة ولو كانت ذاته ناقصة لاحتاج (أي الله) إلى من يخلقه لأن الناقص محتاج لعلة فاعلة ترجح وجوده بعد أن كان عدما
فوجب التفريق بين علم الله التام الذي يقتضي العلم بمصير ذاك العبد وغيره وبين إجباره على ذلك.
فالله يعلم منذ الأزل من قبل أن يخلق عين هذا الكون من سيؤمن ومن سيكفر ولكنه ترك لهم حرية الاختيار (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
ولكي أقرب لك الفهم قليلا حسب ما يمكن في المخلوقات فاعلم أن من خرج من زمكان هذا الكون المدرك يستطيع رؤية ماضيه وحاضره ومستقبله إن كانت قوة بصره تامة ولمزيد من الفهم راجع النظرية النسبية لانشتاين؛ خاصة فيما يتعلق بتمثيله للكون بقطعة الخبز وتقطيعها.
خذ مثالا أوضح وقم بتقطيع مقطع فيديو معين إلى صورة متتالية (كمبدأ الرسوم المتحركة) فبقوة بصر الإنسان الضعيفة يستطيع أن يرى ستة صور مثلا في آن واحد ولو زادت قوته البصرية لزاد مجال رؤيته إلى أن يستطيع رؤية الصور المقطعة من الفيديو كاملة في آن واحد فبذلك يعرف ما سيحدث في نهاية الفيدو وما سيحدث في منتصفه وبدايته ويراه في آن واحد بينما الشخصيات داخل الفيديو يمضي بها الزمن فتصبح بداية الفيديو ماضيا لها ونهايته مستقبلا إن الفيديو وصل للمنتصف.
(وهذا مثال لتبيين الإمكان بحسب المشاهد الحسي ولله المثل الأعلى)
#الرد_على_النقطة_الثالثة_والرابعة (لأن الرد عليهما واحد)
أما ما يخص التسيير والتخيير فسبق جوابه في النقطة السابقة.
أما قولك (فوجب على الله أن يتركه ليكفر ثم يعاقبه)
#الرد:
أولا ليس كل من كفر يستحق العقاب بالموت بدليل أن الكون لا يزال يعج بشتى أنواع الكفار ولم يقبض الله أرواحهم ولا هو أمر بقتل كل الكفار بل قال في المسالمين منهم (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) والأحاديث الواردة في وجوب حماية الذمي والمعاهد وعدم التعرض لهم بسوء إلا بجرم بين يقع منهم كثيرة والشاهد من كل ذلك: أن قتل الغلام لم يكن عقوبة له فعقوبة الكافر أصلها أخروي لا دنوي إلا من اعتدى فوجب قتاله في الدنيا وتعذيبه في الآخرة. إن مات على كفره بعد أن قامت عليه الحجة؛ قال الله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقال أيضا (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال مبين)
فآن اتضح لك ما سبق علمت أن لا علاقة بالعقوبة الدينية والإلهية لما حدث مع الغلام المقتول.
كان يحق لك أن تعترض لو أن الله أدخله النار بعد موته صبيا ودون خوضه للاختبار؛ لكن الآية لم تتعرض لمصيره الأخروي؛ فيبقى مصيره على الأصل العام فيمن مات صبيا غير بالغ؛ أو في من مات ولم تبلغه الرسالة.
#الرد_على_النقطة_الخامسة:
بحسب القصة فوالداه لم يطالبا بالقصاص لأنهما كانا مؤمنين وعلما أن هذا الحكم حكم الله وهو لمصلحتهما فإن كان والداه وهما المعنيان بالأمر لم يعترضا فما شأن من لا علاقة له بالولد ولم يكن ليسمع عن قصته لولا أن أوردها الله في القرآن؟
إن قال قائل: وما يدرينا أنهما لم يطالبا بالقصاص؛ قلنا من لم يصدق القصة فلا يصدقها من الأساس وعليه فلا غلام قتل ولا والدان يطالبان بالقصاص وأما أن تصدق نصف القصة وتكذب نصفها الآخر فهذا كالذي يريد إلزامنا بأن الله قال (ويل للمصلين) فإن قلنا له ولكن الله قال (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) قال لا يلزمني بقية ما قاله.
فنقول: فلا يلزمنا ما يلزمك؛ لأن اعتراضك على الآية يكون جوابه حليا بحسب أصولنا فأنت الذي يريد الزامنا ونحن الذين نرد الزامك ونبطله؛ فقس هذا المثال على الآخر يستقيم لك المقال.
وأما الآية التي ذكرتها فيما يخص القصاص فهي متعلقة بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بشريعة الخضر وقد سبق وأن نبهت على اختلاف الشرائع بين الأنبياء مع الاتفاق في العقائد.
ومثال ذلك (سجود التكريم كان حلالا في زمن آدم ويوسف وليس جائزا في شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم)
مثال آخر: قال الله (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة) فالأطعمة التي جازت لبني إسرائيل أو حرمت عليهم ليست نفس الأطعمة التي تحرم أو تباح لنا وإن كان معظمها مشتركا في الجواز فبينهما افتراق.
ومثال آخر تحريم الصيد على بني إسرائيل يوم السبت؛ وليس محرما عندنا.
مثال آخر: أمر الله بني إسرائيل أن يتقلوا أنفسهم في مواقع متعددة والانتحار في شريعتنا حرام بلا استثناء.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا؛ ولذلك قلت (راجع باب الناسخ والمنسوخ) فإن كانت الأحكام تنسخ في الشريعة الواحدة بحسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل فمن باب أولى أن يكون النسخ بين الشرائع.
كتبه صهيب بوزيدي

