التثبت في القراءة والفهم

في ردودي على التعليقات الأخيرة قلتُ لأحد الإخوة المعلقين (كلامك مليء بالمجمَلات).

فردّ علي بتعليق طويلٍ جدا يكاد يكون مقالا مستقلا بناه كله على أني قلت له (كلامك مليء بالمجاملات) وصار يقول (إن كنت تراني أجامل في كلامي ....)

فلما قرأت تعليقه قلت له: ركز في كلامي هداك الله فقد قلت كلامك مليء بالمجمَلات وهو جمعٌ مفرده المجمل وهو ضد المفصّل أو المبين وهو مبحث في دلالات الألفاظ في أصول الفقه "المجمل والمبين أو المجمل والمفصّل" والمجمل في الألفاظ هو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى والمجمل في العبارات هو العبارة التي تحتمل أكثر من معنى ويقال هذا أيضا للكلام الذي يكون عبارة عن مجموعة من الدعاوى غير المفصلة كالجرح المجمَل الذي لم يُحدد سببه وذلك كأن يقول لك (أنت ضال وزنديق) ولا أعني أن صاحب التعليق الذي قال هذا عني وإنما أشرحُ معنى الإجمال هنا بأمثلة أخرى فإن وصفك بالضلال أو البدعة دون أن يبين سبب ضلالك وزندقتك فهذه بالإضافة إلى كونها مجرد دعوى مجردة بلا برهان فإنها أيضا دعوى مجملة إذ لم يحدد نوع الضلال أو الزندقة ومن أي ناحية وما سبب قول هذا وما الرأي الذي يراني فيه ضالا (فهذا جمعٌ بين الإجمال والدعوى التي لا برهان عليها).

وعندما أقول: هذا إجمال فهذا ليس حكمًا مني قد يخالف أو يوافق عليه من وصفته بذلك وإنما هذا وصفٌ دقيق لقوله إذ هو لم يبين ما أراده أصلا.

وعندما يقال له كلامك مجرد دعوى (فهذا أيضا ليس حكما مني) وذلك لأنه قدّم كلاما لا دليل عليه.

قد يقال: لكن قد ترى كلامه بلا دليل ويراه هو بدليلٍ فهذه مصادرة عن المطلوب.

أقول: ذلك لو قدّم دليلا أراه خاطئا كأن يقول (أنت ضال لأنك قلت كذا وكذا وقولك هذا خاطئ والصواب كذا وكذا والدليل على خطأ قولك هو كذا وكذا والدليل على صواب قولي هو كذا وكذا) فعندها لا يحق لي أن أقول (لم يقدم دليلا) حتى ولو كان دليله تالفا لا يصلح للاستدلال وإنما أقول (دليله غير لازم وأبين انفكاك الإلزام).

لكن الحالات التي أتكلم عنها ليست هذه وإنما هي حالات عدم تقديم أي دليلٍ على الإطلاق فلا دليلا صحيحا ولا دليلا خاطئا أعطى وإنما ألقى كلاما ولم يحاول حتى الاستدلال عليه.

#للتبسيط_أكثر:

1 _ شخص مثلا قال: الدليل على أن المهدي موجود وحيٌّ ويعيش منذ 1200 هو قول الله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)).

هذا يعتبر مستدلا على كلامه بدليل لا يلزم.

2 _ الشخص الثاني قال: المهدي موجود منذ 1200 سنة ومن أنكر ذلك فهو كافر.

هذا يقال إنه لم يقدم دليلا على كلامه أصلا وذلك لأنه ادعى دعوى معينة ولم يحاول الاستدلال عليها حتى بآية غير موافقة لمناط استدلاله كما هو صاحب الحالة الأولى، ففي الحالة الثانية يقال لكلامه (هذه مجرد دعوى بلا برهان).

لنرجع إلى موضوعنا: قرأ الأخ تعليقي وقال: حسنا فهمت ولا داعي للشرح.

قلت صهيب: ولو كنتُ من أخطأ بمثل هذا التسرع في حق من حاورته لاعتذرت منه وقلت مثلا (أعتذر فلعلي أثناء سرعتي في القراءة قرأت المجملات على نحو المجاملات) ولكن مشكلة كثير من الناس هي الرغبة في عدم السقوط من الجواد في كل الأحوال فتكون كلمة التراجع والاعتذار ثقيلة عليهم حتى مع إقراره بخطئه يستخدم أسلوب المستنكر (فهمت فلا داعي للشرح) فحتى وهو يعلن خطأه يعلنه بطريقة غير مباشرة وصريحة ثم يجعلك المخطئ لأنك تشرح رغم عدم وجود الداعي للشرح (وليت شعري كيف لا يكون هناك داعٍ للشرح ولولاه لاستقر فهمه لكلمة "المجملات" على أنها "المجاملات" وبنى تعليقا بحجم المقال على هذا الأساس ؟ ولحسن الحظ كما يقال أن الأخ عاقل متأدب في كلامه وإلا فهناك من يضيف إلى التسرعِ في الفهم التسرعَ في ردة الفعل فقد يبادر بالإساءة أو الحظر والخطأ كله من عنده لا من عندي.

لذلك أقول للناس دائما: أنا دقيقٌ في كلامي ولا يلزمني من فهمني بالمقلوب، وقد رأيتم أحيانا أني أكتب مقالا وأقول إن الطرح مجرد لا يراد به شخص أو حالة بعينها إلا أن نصف التعليقات أو أكثر تحاول إسقاط مثالي على ما في أذهانهم رغم البيان المتكرر وهذا لا أعاني منه وحدي فكلكم يعرف مثلا الفقرة المتكررة لدى الأستاذ أحمد دعدوش "هامش توضيح الواضحات" ثم "هامش توضيح هامش توضيح الواضحات" فالهامش الذي يكتبه للتوضيح نفسه يحتاج أحيانا لكتابة هامش آخر لشرح الهامش الأول ولعله مستقبلا يحتاج لكتابة هامش ثالث لشرح الثاني ورابعٍ لشرح الأول ونجد هذه الإشكالية قائمة عند كل من يجعل من "فايسبوك" منصة للكتابة والسبب سوء الفهم والتسرع في إصدار الأحكام ومحاولة بعض المتحذلقين قراءة ما بين السطور "وكان الأولى أن يقرؤوا السطور نفسها فقد لا يكون بينها شيء خفي وإنما هي سطور واضحة يراد منها ظاهرها بكل براءة"

وبعض الناس يتركون المكتوب للبحث عن المقصود "النية وراء الكتابة" وهذه مشكلة ثانية فقد يكون الهدف من المعلومة مقتصرا على ما ذُكر فيها وليس شرطا أن تكون من ورائه أهدافٌ تآمرية وماسونية وطحلبية أو زواحفيّة.

كتبه #صهيب_بوزيدي

التثبت في القراءة والفهم
التثبت في القراءة والفهم

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…