هل يفتي العالم بمستواه الحالي دائما
؟ ((بقلم صهيب بوزيدي)).
من الأخطاء التي تقع في أذهان كثير من الناس عدم الانتباه إلى نقطة مهمة في معرفة العالِم.
العالِم الذي قضى 20 سنة من حياته في العِلم يُحصّل فيها المعرفة يملك رصيدا بدأ مجال تحصيله من (أول سنة له في طلب العلم إلى غاية السنة 20 مثلا والتي تعبّر عن حاضره وهو حي)
فأحيانا قد يسأل المستفتي العالِم عن مسألة شرعية فيجيبه العالم ويحاول الاستدلال عليها.
ولكن السؤال: هل أجابه العالِم بما علِمَه في أواخر مراحله وشدة إتقانه أم أن المسألة كانت من أوائل المسائل التي درسها وربما نسيها أو لنقل إنه درسها يوم كان طالب علم جديد ولم يراجعها بعد ذلك مراجعة جذرية يعيد فيها تفكيك المسألة وإخضاعها للقواعد المعرفية الجديدة التي تحصلت عنده بعد عشرين عاما من طلب العلم.
وهل كل العلماء يراجعون مسائلهم القديمة ويعيدون النظر فيها أصلا أم أنه إذا تعلم الوضوء والتيمم وأحكامهما وهو صغيرٌ وبقي يصلي وفقا لذلك طيلة حياته ظن أنْ لا حاجة لمراجعة تلك المسائل التي صارت بديهيات بالنسبة له.
بعبارة أخرى: هل العالم الذي قضى 20 سنة في الِعلم يجيبك بمعلومته عن المسألة بعد دراسته لها الآن وبمستواه الحالي أم يجيبك عما درسَه قبل 20 أو 19 أو 18 سنة يوم لم يكن عالما أصلا ؟
ولا شك أن العالم المتطور لو رأى إلى صنيعه العلمي قبل 5 سنوات وما كان يقوله لأراد حذف ما كتبه معتبرا له فضيحة كبرى في مسيرته العلمية، تماما كالرسام الذي يبدأ هاويا ثم يتطور مع مرور الوقت إذ لو أريته لوحاته القديمة من بعد إتقانه لأراد حذفها، ومثله الشاعر الذي يبدأ بالكتابة على بحر الرجز الذي يسمى بحمار الشعراء نظرا لسهولة وقدرة كل شاعر على امتطائه ثم تزداد معرفته ويظهر إبداعه حتى إذا عاد لأعماله القديمة تبرأ واستحى منها.
لذلك نجد العالم الكبير أحيانا يقول كلاما لو يحكم عليه المتخصص لقال "ما هذه الكارثة ؟ أهذا قول عالم ؟" إلا أن الذي لا نعرفه "متى قال ذلك العالم كلامه ؟ لعله قاله في بداية مرحلته ولو تنبه له الآن لتبرأ منه" بل المصيبة الأعظم أنه قد يُسأل الآن فيجيب بمعلومته التي اكتسبها قبل 15 سنة مثلا.
وهذا لا يلام فيه العلماء وإنما نعرف من خلاله نوعا من أنواع الثغرات التي تتسرب من خلالها الأخطاء لمقالات العلماء الأجلاء، لذلك لا يجب الحكم على العالم من مسألة واحدة كما أن العالم لو فتح بابا للمراجعة والمناصحة من إخوانه فإنه قد يرجع عن كثير من أقواله بمجرد تسليطه الضوء عليها بنفسه.
هنا يزل في الباب صنفان: صنف يغلو في العلماء فلا يتقبل فكرة وقوعهم في الخطأ أصلا وصنف يصطاد تلك الهفوات ليسقطهم بالكلية بمسألة واحدة أو عدة مسائل دون النظر في محصوله العلمي كاملا بخيره وشره.
والعالم الفطن يحبذ له أن يراجع كل أقواله في الشريعة ويعيد دراستها ليخرجها وِفق مستواه الحالي لا مستواه القديم وهذا الأمر في حد ذاته يتطلب منه عدة سنوات تصحيحية يزداد فيها علما وتتغير أفكاره بمجرد إسقاط قواعده الجديدة على أحكامه القديمة، وكثيرا ما يقع العلماء في التناقض كتقريرهم للقاعدة ثم عدم العلم بها في بعض المسائل لهذا السبب، فتجده يقرر المسألة قبل أن يهتدي لتلك القاعدة التي صار يعتقدها وبعدها ينسى إعادة تطبيق قاعدته على كل مسائل الشريعة التي سبق له تقريرها، ومثاله أن يحرّم قديما شيئا ما بقاعدة سد الذرائع بغير نص، ثم يكبر ويزداد علمه ويعيد النظر في تلك القاعدة ويتراجع عن قوله القديم فيتحول إلى قائل بعدم حجيتها إلا بنص ثابت وعندها يطبقها على بعض المسائل التي تصادفه مستقبلا إلا أن كثيرا منهم لا يعودون بالقاعدة على المسائل التي سبق لهم أن قرروها ولو فعلوا لعادوا إلى ما حرموه اعتمادا على هذه القاعدة فأباحوه بأنفسهم.
لذلك كانت المناظرة بين الأفذاذ من العلماء بعيدا عن التشنج والعصبية مفيدة إذ من أساليبها إلزام المخالف بأصوله التي تقره عليها لتنزلها على أحكام لا يقرك عليها فيلتزم بالتناقض فينتبه إلى وجوب تحديث أحكامه وفق أصوله الجديدة فتصلان لاتفاق إن كان عارفا وفاهما ومستحقا للقب العالم المجتهد بحق.
كتبه #صهيب_بوزيدي
