هل فعلا تزوج أبناء آدم من أخواتهن
كثيرا ما أجد أسئلة من نوع "كيف يتزوج أبناء آدم عليه السلام من أخواتهن ثم يحرم هذا الفعل من بعدهم؟"، "كيف نلزم المل*حد بأن مذهبه يجوز له نكاح المحارم وهو حكم منسوخ عندنا، أي أنه كان أخلاقيا في زمن مضى إن قلنا به؟"، "لماذا يجعل الله شريعته تحريم نكاح المحارم خلال كل العصور ثم يستثني الجيل الأول فقط ليجيزه لهم ثم ينسخ حكمه ؟ هل يعقل أن يستعمل الله النسخ في الأحكام من أجل جيل واحد فقط ؟"
#ملخص_الجواب: لا يوجد دليل قطعي في الإسلام على أن أبناء آدم عليه السلام تزوجوا من أخواتهم وإنما قد يخلق الله من ضلع كل ولدٍ امرأة كما خلق من ضلع آدم حواء فيتزوجها الولد الذي خُلقت من ضلعه أو يتزوجها غيره من إخوته فلا يكون أي منهم متزوجا لأخته فتُحلّ إشكالية الجيل الأول دون زواج المحارم، وأما ما روي من زواج الأخوات بإخوتهم فليس منه شيء لا في القرآن ولا في السنة وإنما هو من رواية الإسرائيليات، وحتى الذين حاولوا التشبث به من أهل العلم ذهبوا يؤصلون لجواز الأخذ من الإسرائيليات وقد نقله بعض الصحابة دون أن يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما مصدره مما روي عن بني إسرَ*ائِيل.
ثم حاول هؤلاء المشايخ تبرير هذه الأقوال بأنها غير مخالفة للعقل وأن النسخ فيها ممكن والمشكلة عندي ليست في هذه النقطة كما هي في قول بعضهم (ولا توجد طريقة يكاثر الله بها أبناء آدم إلا هذه) وهذه هي المصيبة، وفيها اتهام ضمني ولو بغير قصد لله بالعجز عن إيجاد طريقة للتكاثر بين ولد آدم دون أن يتزوجوا من أخواتهم، وإن كنتُ -صهيب- العبد الضعيف لهذا الرب العظيم قد وجدتُ طريقة ممكنة أفكان خالقي وخالق الناس جميعا ليعجز عن ذلك ؟ فحاشَ لله.
#الجواب_المفصل:
1 - لم يرد في نصوص القرآن والسنة حول ذرية آدم سوى ما يفيد أن كل البشر من نسل آدم، ولا شك أن الله لو خلق لكل ولدٍ امرأة من ضلعه فلن تكون أخته وفي نفس الوقت فإن تلك المرأة من نسل آدم بطريقة غير مباشرة إذ أنها مخلوقة من جزءٍ من ولد آدم، فالمادة التي خُلقت منها هي جزءٌ من ولد آدم ولا يمنع أن تكون بذلك من آدم، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (كلكم لآدم وآدم من تراب) ولم يقل (كلكم لآدم وحواء) لأن حواء نفسها لآدم إذ هي مخلوقة من ضلعه الذي هو جزء منه، والمصدر البشري الوحيد الذي خُلق من تراب هو آدم عليه السلام.
2 - قال الله عز وجل (( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ))
دلت هذه الآية على أن الله خلقنا في الأصل من نفس واحدة لا من نفسين وهي نفس آدم فقط، أما حواء فهي مخلوقة من تلك النفس أيضا كما هو حالنا ولو اختلف الطريقة، وقال (وخلق منها زوجها) للتأكيد على ما ذكرته، ثم قال (وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً) أي أن هذين المصدرين خرج منهما الرجال والنساء، وهذا ينطبق على أن تُخلق نساء الجيل الأول من أضلاع الرجال فيصدق عليهن أنهن مبثوثات من آدم وحواء، كما أن الله قدّم ذكر الرجال هنا على النساء وذلك وإن لم يكن قطعيا في الإفادة بخلق الرجال قبل النساء فإنه على الأقل يجيز ذلك إن لم نقل يرجح كفته ولو ظنيا.
3 - قال الله ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)) ومعلوم أن الوحيد الذي خُلق من طينٍ هو آدم عليه السلام فكانت حواء إذًا داخلة في سلالته حسب هذه الآية رغم أنها ليست ابنته، وذلك لأنها مخلوقة من ضلعه، فمن معاني السلالة في اللغة (الأصل) وآدم هو الأصل الذي خُلقت منه حواء كما أن الطين هو الأصل الذي خُلق منه آدم لذلك وصف الله آدم بأنه من سلالة من طين أي أنه من أصل الطين، وقياسا على ذلك تكون المخلوقة من زوجته من سلالته أي من أصله، وكذلك من كانت مخلوقة من ضلع ولده فهي من سلالته وأصله أيضا وعندها لا يمنع أن يكون الجميع لآدم وآدم من تراب.
#نقد_لما_جاء_به_القائلون_بوقوع_زواج_المحارم_في_الجيل_الأول
1 - قال الشيخ صالح المنجد فك الله أسره وهو يحاول إثبات عدم وجود أي إشكال في وقوع زواج المحارم هذا آنذاك: ((فلم يثبت في القرآن الكريم أو السنة النبوية الصحيحة بيان ذلك ، وإنما نسب إلى بعض الصحابة – ويحتمل أنه مأخوذ من كتب أهل الكتاب – أن آدم عليه السلام كان يولد لزوجه في كل حمل ذكر وأنثى ، فيزوج ذكر حمل بأنثى حمل آخر ، وهكذا تكاثر أولاده))
قلت -صهيب-: وبالرغم من أن الشيخ يقر بنفسه أن مصدر هذه المعلومة الوحيد هو كتب أهل الكتاب إلا أنه يحاول الدفاع عن هذا القول فيقول....
2 - قال الشيخ المنجد ((وهذا القول ، وإن افترضنا أن مصدره فقط كتب أهل الكتاب ، فإنه لا يرفضه العقل السليم ، ولا يوجد نص في ديننا يكذبه ؛ فليس هناك سبب وجيه يدعوننا إلى تكذيبه أو يمنعنا من روايته .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) "البخاري 3461")) انتهى كلامه.
قلت: إذًا فالشيخ المنجد نفسه يقر بأن هذا ليس من تشريعنا الإسلامي وإنما هو من كلام أهل الكتاب ولكنه يراه غير مخالف للعقل وليس في ديننا ما يكذبه "وأقول صهيب: ولا يوجد ما يصدقه أيضا في ديننا" فإن ذلك كافٍ عنده لقبول الرواية، ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ومعلوم أن النبي لم يمنع التحديث عنهم ولكنه لم يجز تصديقهم في كل شيء نقلوه والعجيب أن الشيخ صالح المنجد نفسه في مقال آخر نقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (( كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ) الآيَةَ ) "رواه البخاري 4485")) ونقل أيضا ((عن ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ ) رواه أبوداود (3644) ، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة 6 / 712")) ونقل الشيخ صالح المنجد نفسه عن ابن تيمية قوله ((وقوله تعالى: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) يتناول خبر كل فاسق، وإن كان كافرا، لا يجوز تكذيبه إلا ببينة، كما لا يجوز تصديقه إلا ببينة)) انتهى من "الجواب الصحيح على من بدل دين المسيح 6/461".
قلت: فصارت الحجة واضحة بينة، وهي أن أخبار أهل الكتاب ليست حجة علينا وتصديقهم في كل ما نقلوه معناه تصديقهم فيما نقلوه من الباطل وهو ما حذر منه نبينا صلوات ربي وسلامه عليه عند قوله (فإن كان باطلا لم تصدقوه) وكذلك أمرنا الله في التثبت من نقولات الفاس*قين فكيف بنقولات الكاف*رين ونحن نعلم أن كتبهم السماوية قد تعرضت للتحريف ودخل عليها الشرك والكفر فضلا عن القصص الباطلة.
3 - قال الشيخ المنجد ((بل لو قدر أنه لم تصح هذه الروايات ، وكان الواحد يتزوج من أخته التوأم : فلا مانع من أن يكون ذلك مباحا لهم ، قد أذن الله لهم فيه على لسان نبيه آدم عليه السلام ؛ بل مثل هذا التزاوج ، سواء من الأخت التوأم ، أو غيرها : هو من ضرورات الحياة التي أرادها الله لعباده ، ولا يتصور توالد البشر ، على سنة الله التي أرادها لهم ، بغير ذلك ؛ ومثل هذا لا يمنع منه شرع ، ولا عقل !!
وهذا بخلاف الزواج من الأخت في شرعنا فقد حرّم ؛ لأنه لا يحقق أي مصلحة ، ولا ضرورة ولا حاجة إليه أصلا ، وفي نفس الوقت لا يخلو من مفاسد خطيرة))
قلت صهيب: وهذا القول بالنسبة لي هو المشكل الأكبر وأعلم أن الشيخ المنجد لم يتفرد به وإنما هو نموذج أتيت به لأناقش أقواله وإلا فإن صح القول فقد أكون المتفرد بقولي هذا وإن لم يكن عند من يرى غيره دليلا على صحة كلامه، وغاية ما في الأمر ظنهم أنها الطريقة الوحيدة التي يقع بها التناسل بين ذرية آدم وقد بينت أنها ليست الطريقة الوحيدة لذلك، وبناء على مقدمته التي نقضت صحتها بوجود طريقة غيرها، فإننا نفهم جيدا سبب عدم منعه لهذه الطريقة حتى وإن لم تصح فيه أي رواية ولو عن أهل الكتاب.
وما أريد التنبيه عليه هنا هو كون المسألة من أساسها ليست متعلقة بالشريعة الإسلامية بل بما رواه أهل الكتاب فلماذا يجهد المشايخ أنفسهم في الدفاع عن موضوع غير متعلق بديننا أصلا ويدخلونه في شريعتنا رغم ما فيه من إثارة الشبهات في نفوس كثير من الناس ؟
#إشكالات_قد_تطرح_علي_وجوابها:
1 - قد يقال: إن العلماء قد قبلوا هذه الروايات وإن كانت من غير دليل من الكتاب أو السنة، فكيف تخالفهم ؟
أقول: كلام العلماء ليس حجة في الدين، وهذا أمر بديهي لا يحتاج للتذكير به في كل حين ويكفينا من كلامهم اعترافهم بأن هذا التشريع ليس مصدره الكتاب والسنة لنعلم أنهم يتكلمون في مسألة ظنية مصدرها كلام أهل الكتاب، فإن لم يجدوا فيها أي إشكال من الناحية العقلية وحلوها بمجرد القول بالنسخ فذلك لا يعني أن قولهم حجة في دين الله، بل لو افترضنا جدلا أنهم أجمعوا على قبول هذه الرواية لما كان في كلامهم أي حجة لأن إجماعهم غير متعلق بديننا وإنما بما قبلوه من الديانات الأخرى، وكذلك فإن المسألة ليست عقائدية ولا فقهية "في شريعتنا" وإنما مجالها الفقهي الحديث عن زمن آدم ونحن غير مكلفون باتباع شريعته الفقهية لأن الإسلام العام ما كان في الإيمان "العقيدة" أما الأحكام الشرعية فتختلف من نبي لآخر وهم أنفسهم اعتمدوا على هذه الحجة لقبول النسخ في هذه المسألة ولكني أرى أن القضية لا تحتاج إلى النسخ فيها من أجل جيل واحد فحسب، ولست أقول بامتناع قولهم بالضرورة وإنما أريد القول بأنه ليس الاحتمال القطعي الوحيد فيوجد احتمال غيره أقوى منه إمكانا وموافقة للعقل والفطرة.
وأيضا فلا يمكن التحقق من إجماع كل الأمة على هذا الكلام لاستحالة استقراء أقوالهم جميعا في المسألة.
2 - هل عدم الأخذ بالروايات الإسر*ائيلية فيه ذنب ؟ ماذا لو كان كلامهم صحيحا فتخالفه ؟ الجواب: لو كانت هذه الروايات مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم لجاز لمن يستشكلها أن يستبعد نسبتها إليه إن كانت من طريق الآحاد لأنه يفيد الظن لا القطع ويكون بذلك غير مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما مخطّئا لمن نقل ذاك الكلام عنه، كما استبعد الشيخ ابن عثيمين صحة حديث الجساسة لمجرد عدم ارتياحه لمتنه رغم أنه روي في صحيح مسلم، ولم يلجأ للسند في رد الحديث أصلا فهل نقول بأنه كذّب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وقد ضربت مثالا بابن عثيمين لأنه ينتمي للمدرسة التي تركز على السند أكثر من تركيزها على المتن في الغالب ومع ذلك قد صدر منه ذلك، فما يثير الشبهات عند الناس فإن تشكيكهم في نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من تشكيكهم في الدين نفسه وقد تكون المشكلة عند أحد الرواة، فكيف والروايات لم ينسب منها شيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هي منقولة من عند أهل الكتاب أصلا ؟
فحتى ولو افترضنا جدلا أن قولهم في الرواية هو الصحيح وكلامي هو الخطأ فهذا لن يكون سببا في معاقبة الله لي وذلك لأني لم أخالف شيئا من الكتاب والسنة وإنما خالفت كلام أهل الكتاب وكلام من أخذ بهم من البشر وإن كانوا من علماء المسلمين والله لم يأمرني بتعبد البشر وإنما أمرني بتعبده هو وقال ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) ولم يقل "فردوه إلى أهل الكتاب أو إلى من صدقهم من البشر".
3 - لماذا الخوض في هذه المسألة من الأساس؟ الجواب: لأن كثيرا من الناس يطرحونها على أنها شبهة فوجب الجواب عليها.
كتبه #صهيب_بوزيدي

