هل الإجماع المستدل عليه هو المستدل به
#الإجماع_المستدل_عليه: عندما نأتي لموضوع الإجماع نجد العلماء يستدلون على مصدريته للتشريع بالنصين التاليين: قول الله ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)) وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)).
وبناءً على النصين ومع التسليم جدلا لمطابقتهما لمناط الاستدلال المطلوب فإننا نجد أن الإجماع المستدل عليه هو اتفاق المؤمنين جميعا على المسألة الدينية.
#الإجماع_المستدل_به:
ولكن عند التطبيق العملي نجد كثيرا من دعاوى الإجماع والتنظيرات الخاصة به غير متعلقة بما استدل عليه من الدليل السابق:
1 _ قالوا: إنه اتفاق علماء عصر ما على مسألة ما (وتقييد النص بالعلماء ليس عليه دليل فالنص أشار إلى اتفاق المؤمنين لا اتفاق علماء المؤمنين).
2 _ كيف يمكن تحديد مواقف علماء عصر معين ؟ من المسؤول عن تحديدهم وذكر أسمائهم ؟ هل يدخل فيهم علماء الفرق المخالفة للمصنف أم لا ؟ ما هو حد النصاب العلمي الذي يصبح به الرجل عالما داخلا فيمن ينظر إلى إجماعهم ؟ بمعنى إن اصطلحنا على أن المقدار المطلوب الأدنى ليحتسب العالم فيه عالما هو 100 علموماتر "لنفترض أنها وحدة افتراضية لقياس العلم" فهل المتحصل على 99 علموماتر داخل مع العلماء أم لا ؟ وهل يوجد من يمكنه التفتيش في علم علماء الأرض جميعا واحدا واحدا ليختبر قوتهم العلمية ؟ وما هي معايير الاختبار ومن الذي يحددها ومن هذا الذي يكون حكما عليهم ومن حكم عليه بذلك ؟ هل الثتاء المتبادل بين جماعة من العلماء يجعلهم جميعا علماء ؟ نعلم من الواقع أن كثيرا من المشاهير الذين يحسبهم الناس علماء ليسوا بعلماء في الوقت الذي لا يُذكر فيه كثير من غير المشاهير مع بلوغهم مرتبة عالية في العلم، وحتى في المشاهير أكثر الناس لا يميزون بين مستوياتهم العلمية ومن كان مؤهلا لذلك لن يملك وقتا لمحاكمة الجميع محاكمة دقيقة.
3 _ هل يوجد عصر معين أحصى كل علمائه ولو بمجرد الادعاء ؟ بمعنى أننا لو ذكرنا القرن السادس للهجري مثلا هل يوجد من يستطيع إحصاء كل علمائه مشاهيرهم وغير مشاهيرهم ؟ بل هل يوجد من يستطيع إحصاء علماء الصحابة جميعا فضلا عن الذين جاؤوا من بعدهم ؟
4 _ مجموع الأسماء التي نقلت عنها الفتوى من الصحابة في كل مسائل الدين لا تتجاوز 150 اسما من بينه 120 ألف صحابي وهؤلاء 150 لم تنقل أقوالهم للإجماع على أي مسألة ادعي فيها الإجماع إلا ما كان واضحا في القرآن والسنة من الإقرار بالشهادتين وأركان الإسلام والإيمان ونحو ذلك.
5 _ هل يمكن أن يختلف الصحابة في مسألة اختلافا شديدا ثم يقع الإجماع من بينهم ؟ كيف للمسألة ألا تكون واضحة للصحابة فيختلفون فيها ثم تكون واضحة لمن جاء من بعدهم ؟ فيقع الإجماع ؟
6 _ كيف يمكن التحقق من الإجماع على المسألة وفي كل عصر يوجد علماء مسجونون وآخرون ممنوعون من الكلام وآخرون حرقت كتبهم وآخرون خافوا من الإفصاح برأيهم إما خوفا من القتل أو خوفا من غضبة العامة ؟ ونعلم من واقعنا المعاصر أن بعض المشايخ سكتوا عن اعتقادهم في مسألة مهمة لمدة أربعين سنة وبعضهم لمدة عشرين سنة ثم ما صرحوا بها إلا عند اقتراب أجلهم، وآخرون يكتمون مسائل كثيرة بحجة أنه ليس كل ما يعلم يقال وآخرون يقولون لا نفتح الباب للناس لأجل كذا وكذا، فكيف يُزعم في زمنهم الإجماع وهؤلاء غير مأخوذ بآرائهم ؟
7 _ هناك من جاوز حتى ذلك فزعم الإجماع السكوتي، فما الدليل على الإجماع السكوتي ؟ ومع الأسف كل دعاوى الإجماع من قبيل الإجماع السكوتي وإن لم يصفوه بذلك، إذ لا يوجد قول نُقلت فيه أقوال كل العلماء في ذلك العصر وإنما غالبا ما يُنقل الإجماع من فرد أو اثنين أو أكثر ولا أحد يطالبهم عن مصدر نقله، يعني أين وقع الإجماع ومتى ؟ وبالأدلة والبراهين الواقعية والعلمية ثبت أن كثيرا من دعاوى الإجماع منقوضة بوجود مخالفين من نفس العصر الذي ادعي فيه الإجماع وغالبا ما لا يذكر العصر الذي يدعى الإجماع فيه ولم تنقل ولو لمرة أسماء العلماء المجمعين على المسألة بحيث يكون عدد العلماء في زمانهم محصورا فيهم ناهيك عن نقل قولهم بمصادر وإن ضعفت فضلا على نقلها بالمصادر الثابتة والأسانيد الصحيحة، وليحكم العاقل أليس البحث عن الدليل مباشرة من الكتاب والسنة أسهل من هذه العملية المستحيلة ؟ ثم هل يمكن أن يختلف العلماء حول مسائل واضحة نوعا ما ثم يجمعوا على مسائل أكثر غموضا ؟ يفترض أن يقع الإجماع في القطعيات وهذه توجك أدلتها في الوحيين.
8 _ هناك من ينقل الإجماع في المسألة ثم يقصي منها مذهبا فقهيا كاملا كالمذهب الظاهري وهناك من يقول "لا يعتد بمخالفة الواحد أو مخالفة عدد قليل" وهناك من يقول "لا ينظر للأقوال الشاذة" وهناك من يقيده بقوله "ننظر لقول العلماء المعتبرين فقط" ولكن هم معتبرون عند من ؟ ثم صار الأشاعرة يجمعون مع بعضهم على المسائل ويقصون الكرامية والحنابلة وأهل الحديث، والسلفيون من جهة صاروا يقصون الأشاعرة، ولا يزال التكفير والتبديع والتضليل بين الطوائف قائما فكيف يصح لهم إجماع والنصوص دلت على إجماع الأمة لا إجماع من تحسب نفسها الفرقة الناجية إلا إن أخرجت الجميع من الأمة وبقيت وحدها فيها.
9 _ ذكرت بعض هذا لشخص حاورته فقال: إن الأمة أجمعت على صحة الإجماع فقلت له: أنت تستدل على الشيء بالشيء نفسه، وهو يشبه أن يقول لك الملحد (الإلحاد هو الحق) فتسأله عن الدليل فيقول (أجمع الملاحدة على ذلك) وليس ذلك معناه تشبيه الفقهاء بالملحدين ولكن من باب لا منطقية الاستدلال على صحة الشيء بالشيء نفسه، فلو كنت أرى إمكانية الإجماع لما ذكرت كل هذا الكلام ولما احتجت للاستدلال على الإجماع بادعاء الإجماع وإن كنت لا أرى إمكانية الإجماع فكيف تستدل علي بادعاء إجماعٍ على صحت الإجماع ؟
كتبه #صهيب_بوزيدي
