موعظة على طريقتي

لست بارعا في إلقاء المواعظ لأني تعودت على عقلية المناظرة والاستدلال والاستنتاج رغم حبي الشديد للمواعظ التي لولا تشربي بها منذ صغر سني لما اخترت طريق الاهتمام بالدين من الأساس فهي الأصل الذي يقوم عليه التدين.

ولما كانت الموعظة من أنبل ما يُكتب فيه ولم تكن ضمن ما أتقنه أحاول صياغة موعظة على طريقتي وبأسلوبي الذي لا يصلح للوعظ إلا أني أسأل الله أن يوفقني لإيصال الفكرة كما أتصورها.

لنفترض أن ظروفك كما يلي:

1 _ تملك مئات الملايير الدولارات.

2 _ ليس في المسلمين أي فرد تحت الاحتلال.

3 _ ليس هناك فقراء على وجه الأرض

4 _ كل المقربين منك أغنياء مثلك.

5 _ كل أموالك قانونية ولا غبار عليها.

6 _ ليس بك مرض أو مشاكل صحية ولا لأقاربك.

لن أسأل عن برنامجك للسنة الأولى لأنك ستروي العطش المادي الذي عندك (ستشتري فللا وقصورا وسيارات فاخرة وربما باخرة وطائرة خاصة)

ولا تخبرني عن المشاريع التي تنوي الاستثمار فيها لأن افتراض امتلاكك مئات الملايير من الدولار يعني تلقائيا امتلاكك لشركات ضحمة وناجحة وكل الأعمال في تطور تلقائي وهذا يعني ضمان مستقبلك ومستقبل ذريتك من بعدك.

#السؤال: كيف ستكون حياتك أنت بعد ذلك ؟ ماذا ستفعل في يومياتك ؟ بماذا يكون انشغالك اليومي ؟

إن تصورت كل ذلك وبقي في تصورك أن الانشغال الأعظم والأرقى الذي سيشغل تفكيرك بعد كل ذلك هي أمور الدين والله والآخرة والإسلام وهذه القضايا الفكرية التي تهتم بقراءتها ومتابعتها الآن فأنت متدين حقيقي.

إن شعرت أنك لم تعد بحاجة للانشغال بهذه القضايا وظننت أنك وجدت ما هو أهم تنشغل به فأنت عبد للدرهم والدينار.

حتى لا تتسرب إليك أفكار العلمانية والإلحاد التي تسربت مع الأسف لمجتمعنا حيث تجدهم يتكبرون على العلوم الإسلامية والانشغال بها فِكرا وإنتاجا خاصة أولئك الذين يقولون (ليس لدي وقت لهذه المواضيع) ويحسبون قولهم ذلك قوة تستدعي الفخر.

هؤلاء يعتقدون أن الدنيا خير من الله والدين والآخرة وإن اعتقدوا خلاف ذلك.

ليس المقصود تكفيرهم فإني أبعد الناس عن التكفير وإنما القصد التنبيه على هذه العقلية الخطيرة التي انتشرت في مجتمعنا وصارت تورّث للأجيال القادمة.

عقلية (عبادة الدرهم والدينار).

عن عمرو بن عوف المزني ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَعَثَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحرَينِ يَأتي بجِزيَتِها، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو صالَحَ أهلَ البَحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ، فقدِمَ أبو عُبَيدةَ بمالٍ مِنَ البَحرَينِ، فسَمِعَتِ الأنصارُ بقُدومِ أبي عُبَيدةَ، فوافَوا صَلاةَ الفَجرِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا انصَرَفَ تَعَرَّضوا له، فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآهُم، ثُمَّ قال: أظُنُّكُم سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قدِمَ بشيءٍ! قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللهِ، قال: فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم)) [صحيح البخاري]

قلت صهيب: ليس في الحديث تشجيع للمسلمين على الفقر وإنما خشية عليهم من أن تفتنهم الدنيا إذا بسطت لهم وقد اقتبست من هذا الحديث معنى فبالغتُ في قوة مقداره الافتراضية لنذهب إلى أقصى ما يمكن تخيله من انبساط الدنيا وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى فتنة المسلم وتغيير عقليته. قال الله عز وجل ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم))

ليس التدين أن تكون فقيرا وإنما ألا تغيّر طبعك الظروف سواء كانت شديدة كالفقر والأمراض والمصائب أو منبسطة كالغنى والقوة والسلطة.

قال الله عز وجل: ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون))

كتبه #صهيب_بوزيدي

موعظة على طريقتي
موعظة على طريقتي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…