مسألة دقيقة في علم الحديث قد يغفل عنها العالم فضلا عن طالب العلم
قال أحد الشيوخ الفضلاء وهو يرد على مخالف لم يذكر من هو قائلا: (هذا ليس من أهل الصنعة في الحديث وإلا فلو كان كذلك لعلم أن الحديث الذي أنكره له نفس إسنادِ حديث آخر يصححه فلو كان يعلم أو ينتبه لأدرك وقوعه في هذا التناقض).
#قلت_صهيب: كلام هذا الشيخ الفاضل في هذا الموضع ليس ملزما والرد عليه بغض النظر عن الحديث نفسه فإني أرى صحة الحديث الذي كان الشيخ يرد على من أنكره ويلزمه بهذا، فأنا أرى صحته ولكني أقول إن الإلزام بهذه الطريقة غير صحيح للأسباب التالية:
1 _ الحكم على الحديث بالنكارة لأجل متنه ليس متعلقا بسنده وذلك لأن أفراد السند وإن كانوا أنفسهم بل لو سهلنا العملية وجعلنا الرواية عن فرد واحد فإنه قد يصدق في موضع ويكذب في موضع آخر كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة عن الشيطان (صدقك وهو كذوب) فمعنى ذلك أن الشيطان (ولنعتبره راويا في السند) صدق في هذا المتن وكذب في غيره فهب أن شخصا أنكر عليه في الموضع الذي كذب فيه أفيصح أن يُقال له (نفس الراوي هنا هو الراوي هناك فإن صدقته في قوله هذا لزمك أن تصدقه في ذاك ؟) الجواب: ذلك لا يلزم.
2 _ كذلك قد يكون الأمر خطأ ونسيانا وليس كذبا من الأساس فالراوي قد تكون ذاكرته قوية ولكن لا ننسى أن الرواة القدامى كانوا يكثرون أيضا من الرواية فتجد واحدا يقال إنه يحفظ مليون حديث والآخر 500 ألف حديث وآخر 600 ألف حديث فهل يُعقل أن تكون درجة ضبطه وإتقانه في حفظ كل هذه الأحاديث واحدة ؟ فلنتكلم مثلا عمن يحفظ القرآن كاملا هل يكون ضبطه بالضرورة لأي آية في القرآن بنفس ضبطه لسورة الفاتحة التي يقرأها عشرات المرات كل يوم في الصلوات ؟ ناهيك عن الأحاديث الكثيرة جدا فإن بعضها قد يتكرر ذِكره نظرا للحاجة إليه وبعضها الآخر قد لا يتكرر ذكره، ومثاله حتى عند الفقهاء أنك تجد فقيها متمكنا في الأبواب كلها إلا باب الحج مثلا وذلك لأنه درس كل ما يتعلق بالحج إلا أنه لم يوفق للحج ولا أمل له لأن يحج ولا أحد يسأله عن الحج مما جعله ينسى ما تعلمه ولا يضبطه كما يضبط المسائل التي يُسأل عنها دائما وفي المقابل تجد شخصا عاديا يعمل مطوفا أو يعمل في الكعبة مرشدا وكذلك قد تجد فقيها يتقن كل مسائل الفقه إلا أنه ينسى مسائل الميراث لأنه لم يرث في حياته شيئا ولا أحد يسأله عن الميراث بينما نجد إمام مسجد عادي يسأله الناس يوميا عن المواريث وتقسيمه فيبرع فيها فتترسخ عنده المعلومة وقد يحفظ العالم القرآن كله فتتفلت منه آياته بينما معلم القرآن للصبيان يضبطه لكثرة مراجعته له والمتخرج من الجامعة يُمتحن في مواد كثيرة وينجح فيها ثم يتجه لمجال عمل آخر فلو راجعته بعد عشرة سنوات لربما نسي حتى أسماء المواد التي كان يدرسها فضلا عن محتواها رغم أنه لما نال الدرجة الكاملة في امتحانه كان جديرا بها فكذلك الراوي الضابط قد يُمتحن في ضبطه ثم يمر به الزمان فينسى كما أن امتحانه في الضبط نفسه لن يكون بسؤاله عن كل المرويات التي يحفظها وإنما يكون باستقراء ناقص كما لا يُسأل تلاميذ الجامعة عن كل ما درسوه في المقرر وإنما باختيار أسئلة متنوعة وكثيرا ما تجد الطالب يقول (هذا السؤال مما ذاكرته جيدا فأجبت عنه وذاك مما لم أذاكره فلم أجب عنه) فتدخل فيها نسبة من الحظ، لذلك لا يمكن القول (يلزمك الأخذ بكل ما رواه الراوي هنا وهناك أو ترك كل ما رواه) فهذا غير لازم.
3 _ قد يعتقد كثير من الناس أن احتمال الخطأ والنسيان إنما في متن الحديث بينما الخطأ قد يكون في سند الحديث نفسه، فالراوي الأول قد يخطئ في ذِكر سند الحديث فيقلب اسم الراوي مثلا فبدل أن يقول (محمد بن إبراهيم) يقول (إبراهيم بن محمد) وقد يكون كلاهما ثقة عنده فمحمد بن إبراهيم وثقه البخاري وإبراهيم بن محمد وثقه الشافعي بينما إبراهيم بن محمد وُجد من اتهمه بالكذب "أظنه وكيع" خلافا لمحمد بن إبراهيم فمتفق على توثيقه فإذا نسي الراوي وأخطأ في ذكر الراوي فإن السند في حد ذاته يصبح مزيفا وذلك لأن السند لن يكون كما يُقرأ حتى ولو كان المتن واحدا إذ وجد راوٍ تبدل اسمه فإن كان كذابا فإن الرواية تُنسب للراوي الصادق بينما الذي قالها هو الراوي الكذاب والناس تتعامل مع السند على أنه من رواية الصادق بينما هو من رواية الكذاب ثم عندها لن يكون السند واحدا أصلا في حقيقته فيبطل الإلزام فهنا نفس الراوي يذكر بقية السند صحيحا وهناك يخطئ فيه ولزيادة بيان ذلك فالشيخ الذي أنا بصدد نقد كلامه هذا نفسه أخطأ في مواضع أخرى فنسب رواية مشهورة جدا أصلها أنها للمعتمد إلا أنه نسبها للمأمون وهي رواية (ولا يوم الطين ؟) والمعتمد من ملوك الطوائف بينما المأمون من ملوك الدولة العباسية وليس بينهما أي صلة، كما أن المعتمد قالها لزوجته اعتماد بعد أن قضى ابن تاشفين على ملكه وحبسه في الدار وقالت له ما رأيت منك خيرا قط فقال لها (ولا يوم الطين ؟) وذلك أنها ذات يوم لما كان في عزه وملكه اشتهت أن تلعب في الطين كما كانت قبل دخولها القصر الملكي "اشتاقت لأيام الفقر" وقد كانت جارية ثم بحبه لها رُفعت لدار الملك وقصر السلطان وكان لحبه لها أراد الجمع بين تحقيق رغبتها واستهجانه في الوقت نفسه أن تمرغ نفسها في الطين فاشترى لها أنواعا كثيرة من المسك وخلطها مع بعضها إضافة لخشبٍ مطحونٍ ومواد تشبه العجين فخلطها حتى صارت مثل الطين في منظره ولزوجته إلا أن رائحتها رائحة المسك وصنع لها حوضا كبيرا لا يزال إلى يومنا هذا أثره موجودا في قصره فلعبت به وفرحت فرحا عظيما حتى إذا انقلبت أيامه وقالت له "ما رأيت منك خيرا قط" قال لها "ولا يوم الطين ؟" فأراد الشيخ الذي نتكلم عنه أن يذكر هذه الحكاية كشاهد على حديث النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وقوله (يكفرن العشير) إلى قوله( لو أحسنت إلى إحداهن دهرا وأسأت إليها يوما لقالت ما رأيت منك خيرا قط) لكنه بدل أن ينسبها للمعتمد نسبها للمأمون فأخطأ في ذلك رغم أنه عالم وصاحب صنعة وحرفة في الحديث رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى بل إن الشيخ لا يشك عاقل ومنصف في صدقه وعدالته ويحبه الموافق قبل المخالف كما لا يختلف اثنان على قوته العلمية وقد كتب بنفسه 600 ألف حديث كل حديث في ورقة بفهرسه ومعلوماته في قصاصة ورقية وصنيعه في الحديث كبير ومع ذلك نسي معلومة كهذه وقد لا ينساها شخص عادي سمعها ولو لمرة في حياته وذلك لأن العالم قد تزدحم معلوماته فينسى بعضها ولا عيب في ذلك وإنما محل الشاهد إبطال قاعدة الشيخ التي ألزم بها مخالفه قائلا (سند هذا الحديث هو نفسه سند ذاك الحديث فلماذا أنكرت هذا وقبلت ذاك) خاصة وأن مخالفه يزعم النكارة في متن الحديث الذي أنكره خلافا للحديث الذي أقره فلا نكارة فيه وبالرغم من أني _صهيب_ لا أرى أي نكارة في الحديث الذي أنكره المخالف بل أراه حديثا صحيحا كالآخر إلا أني لو أحببت الرد عليه لرددت على ما يراه منكرا أو علة لأبين أنها ليست علة قادحة في صحة الحديث دون أن ألزمه بهذا الإلزام فردي هنا على الإلزام نفسه لا على النتيجة وإلا فإني أتفق مع الشيخ على صحة هذا الحديث ولكن ليس لأن سنده هو نفسه سند حديث صحيح آخر وإنما لخلوه من العلّة المزعومة.
4 _ يعلم الشيخ أن صحة السند وحدها لا تكفي لصحة الحديث فشروط الحديث الصحيح ثلاثة منها للإسناد واثنتين منها ما يكون للإسناد ومنها ما يكون للمتن فأما ثلاثة الإسناد (فاتصال السند وعدالة الراوي وضبطه) وأما الاثنتين فخلوه من الشذوذ والعلة وهذان الشرطان منوطان بالمتن تارة والسند تارة أخرى، وكذلك كتب العلل مليئة بذِكر الروايات التي تُرد بمتنها وإن كان سندها مثل الشمس كما أن علماء الحديث وعلماء أصول الفقه قاطبة يكادون يجمعون على ظنية الخبر الواحد لعلمهم بالاحتمالات السابقة ولذلك فإن صحة السند لا تعني بالضرورة صحة الرواية وإنما لابد من خلوها من الشذوذ والعلة وحتى وإن خلت منهما فيُصحح الحديث على أساس أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله بنسبة احتمال كبيرة ولكنها ليست يقينية خلافا للحديث المتواتر.
كتبه #صهيب_بوزيدي
