محنة الإمام الطبري مع متعصبي الحنابلة في عصره

التاريخ والتراجم

المذاهب الفقهية المعتمدة عند الإمام ابن جرير الطبري هي: المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي إضافة إلى مذهبه الخاص حيث كان الطبري مجتهدا مطلقا ألّف عدّة كتب في الفقه منها [لطيف القول فى أحكام شرائع الإسلام] وكتاب [اختلاف الفقهاء] وفي كتابه الأخير هذا لم يورد المذهب الحنبلي معهم ولم يكن يعتبر الإمام أحمد بن حنبل فقيها مع شهادته له بالاجتهاد في الحديث وكانت له خصومة شديدة مع حنابلة العراق المعاصرين له وعلى رأسهم أبو بكر ابن أبي داوود الحنبلي [ابن أبي داوود صاحب السنن]

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته لابن جرير الطبري ((وقد وقع بين ابن جرير وبين ابن أبي داود ، وكان كل منهما لا ينصف الآخر ، وكانت الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود ، فكثروا وشغبوا على ابن جرير ، وناله أذى ، ولزم بيته ، نعوذ بالله من الهوى)).

يقال إن الحنابلة حاولوا قتله برجمه وهو في بيته ولم أقف على مصدرٍ يمكن التعويل عليه في هذا ويقال إنهم كانوا يمنعون الناس من الدخول عليه فذكر ياقوت ((حالوا بين الناس وبين السماع منه، فكان لا يخرج ولا يدخل إلي)).

ومما شنّع عليه الحنابلة في زمانه أن رموه بالرفض والتشيع

وقد اتهمه الحافظ بن علي السليماني بتهمة خطيرة جدا فقال ((وكان يضع للروافض)) [ذكره عنه الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ بن حجر في لسان الميزان] ثم عقّب ابن حجر العسقلاني فقال ((وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمَدين، وما تُدعَى عصمتُه من الخطأ، ولا يحل لنا أن نؤذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه، ولا سيما في مثل إمام كبير، فلعل السليماني أراد الآتي، ولو حلفت أن السليماني ما أراد إلا الآتي لبررت، والسليماني حافظ متقن كان يدري ما يخرج من رأسه، فلا أعتقد أنه يطعن في مثل هذا الإمام بالباطل، والله أعلم)) فكأن الحافظ بن حجر كذّب أن يُنسب للسليماني الطعن في الإمام بن جرير الطبري وإنما قال [أراد الآتي] يقصد به ابن جرير بن رستم الطبري وهو رافضي اسمه يشبه اسم الإمام الطبري السني وقد ذكر الإمام الذهبي ترجمته في سير أعلام النبلاء بعد ترجمة الإمام الطبري السني مباشرة لأجل التفريق بينهما خاصة وأن الطبري الرافضي كانت له مؤلفات تحمل نفس عنوان مؤلفات الطبري السني مع اختلاف يسير بينها مثل [تاريخ الأمم والملوك للطبري] و[تاريخ الأمم والملوك والرسل الطبري] فأحدهما للسني والآخر للشيعي فانظروا كمية التشابه الكبير بينهما، وقد جاء الشيعي بعد السني في المدة الزمنية أي أنه هو المقلد للسني في تلك العناوين.

وقال ياقوت الحموي: ((إنه كان يُتَّهم بالتشيع؛ لذلك قيل: إنه دُفن ليلاً؛ خوفًا من العامة)) وقال الإمام الطبري وهو على سرير الموت ((كل من ظلمني أو آذاني فهو في حلٍّ إلا من رماني ببدعة)).

وكان الإمام الطبري عالما موسوعيا لم يترك مجالا إلا وأتقنه وألّف أفضل ما يمكن تأليفه فيه وشهد له كبار العلماء المعاصرين له شهادات عظيمة فمنهم من اعتبره أعلم أهل عصره ومنه من عده مع أربعة هم الأعلم في ذلك العصر، والواقع يشهد له بذلك فإن الإمام الطبري له أعظم مؤلف في تفسير القرآن وأعظم عمل في التاريخ وأوله [تاريخ الطبري] وله مؤلفات في الفقه جمع فيها مذهبه وكان بمصطلحنا المعاصر إماما في الفقه المقارن وهو بالمصطلح القديم رأس مذهب فقهي هو المذهب الجريري، وذلك بعد أن عمل بالمذهب الشافعي لعشرة سنوات ثم اجتهد لما أحس أنه بلغ ذلك، وكان عالما جبلا في الحديث ورجاله وهو بنفسه من رواة الحديث المخرّجين والمصنفين له وليس في العلوم حديث إلا وللطبري سنده الخاص به فتفاسيره وكتب حديثه وكتبه في العقائد كلها كان ينطلق فيها بالرواية عمن سمع منهم إلى أن يصل للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان زاهدا في أموال الحكام والناس متعففا لا يأخذ مالا مقابل شيء من الدين فكان يرد الهدايا إلا إن كانت من أناس بسطاء فيقبلها ثم يهديهم أضعافها.

وبالرغم من كل ذلك تعرض لمحنة شديدة سببها التعصب للرأي والمذهب والغلو في أمر الدين.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: التاريخ والتراجم

أراد أن يستدل على الحجاج فاستدل له

التاريخ والتراجم

في حوار قال لي: إن الحجاج كان يقتل بالشبهة والظن فطالبته بالدليل فنسخ ما ترونه في الصورة وكان هذا ردي عليه: سأتوقف عن محاورتك هنا فإنك لا تدري ما تنقله من…

الدفاع عمن لا مدافع له

التاريخ والتراجم

قال وهو يمازحني: ألا ترى يا صهيب أنك تدافع عن كل من حطّ عليه كل الناس عبر التاريخ ؟ كان الناس يختلفون في معاوية أهو مخطئ اجتهادا أم مخطئ ظلما فجئت تقول…