لكنتُ مقتولا على رأي كل الطوائف المتحزبة
جلستُ مع صاحبي فقال لي: ألا تدري أنك مقتولٌ على قول كل الطوائف المتحزبة ؟
قلت: بلى، الحمد لله على عدم وصول أي منهم إلى الحكم.
قال: أليس معنى كلامك هذا أنك تدعم الحكم العلماني ؟
قلت: إني أدعمُ الحكم الإسلامي إن كان فهمه للدين صحيحا، أما الحُكم الإجرامي القائم على القتل لمجرد الخلاف في الرأي فلا أدعم وصوله إلى الحكم، إذ لا يُسمى حكما إسلاميا أصلا.
قال: كأنك تقول (الحمد لله على نعمة الحكم العلماني).
قلت: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ((اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد)) هل كان معنى كلامه دعم الحكم النصراني ؟
قال: لا، وإنما قارن العدل فيها وحرية التعبير الديني بالظلم في قريش وقتلهم على الهوية الدينية فاختار الأول.
قلت: كذلك قارنتُ بين حُكمَين الإسلام بريء من كليهما إلا أن أحدهما غير مشوّه للدين إذ لا ينسب أحكامه للدين وعنده فسحة من حرية الاعتقاد بينما الثاني يحكم باسم الدين على الطريقة الخاطئة، فيجعل رموز طائفته التي يوالي ويعادي عليها ميزانا لتصنيف الناس بين كا.فر وضال ومبتدع أو متّبع، ثم تُبنى على ذلك أحكام السجن أو التعذيب أو القتل.
قال: لكنك تقر بأنك مقتول على رأي كل الطوائف
قلت: بل أقر أني مقتول على رأي كل الطوائف المتحزبة وبين هذا وذاك فرق، فمِن المعتزلة المعاصرين من لا يرون صحة حكم الردة من الأساس بينما كان أجدادهم الأوائل يعذبون ويقتلون من يخالفهم في مسألة خلق القرآن، فهؤلاء حزبيون والآخرون غير حزبيين.
ومن السلفيين من يسمحون بالخلاف في الرأي ويحصرونه في السجالات العلمية ومنهم من يسارع إلى استعداء السلطان عليك واتهامك بالزور أو استحلال دمك، وما نهج الدو.اعش والمداخلة عنا ببعيد، ومن الأشاعرة من يحترم مخالفيه ويحصر الخلاف في نطاقه العلمي ومنهم من يستحل دماء مخالفيه ويكفرهم كالأحباش وغيرهم ومثلهم القدامى الذين أفتوا بقتل الإمام ابن تيمية، وهؤلاء المتعصبون موجودون في كل زمان تأذى بسببهم كبار علماء الإسلام، فالإمام البخاري مات منفيا بسبب طعن من لم يفهم كلامه فيه والإمام النسائي مات مقتولا لأجل تعصب قاتليه لشخص بشري غير معصوم، والإمام الطبري حوصر ومنع من مقابلة الناس له ولما مات لم يسمحوا حتى بدفنه لمجرد بعض الخلافات المذهبية، ومنهم من ذب.ح مخالفا له بعد أن ربطه في المنبر كالخروف، ومنهم من كان يفتي بقتل من خالف رأيه حتى في بعض المسائل الفقهية، فمثل هذا النوع من الحكم لا خير فيه.
كتبه #صهيب_بوزيدي
