خاطرة نفسية صهيبية ليس لها قيمة

ما هو الشيء الذي يجب أن أختاره هدفا أسمى في الحياة لو كنتُ ملحدا؟ وكلما فكرتُ في هدفٍ استمررت بالسؤال (ثم ماذا؟) فأنتقل لسلسلة من الأهداف التي تليه ثم سرعان ما أتوقف عند هدف ليس بعده (ثم ماذا) وقبل أن أصِل إلى النتيجة الحتمية "الموت" والذي يحطم كل أهدافي ولا يترك منها شيئا فإني على فرض الاستمرار في الحياة لا أجد معنى لتحقيق تلك الأهداف.

لنفترض أني أغنى شخصٍ في العالم وأحكم الكرة الأرضية كلها (لا أقوى دولة في العالم فحسب) ولنفترض أني أعلمُ أهل الأرض في جميع المجالات (في السيارات، الطائرات، الباخرات، المكوكات الفضائية، الكهربائيات، الميكانيكيات، النجارة، الحدادة، الفلاحة، علم الفلك، علم الضجيج، علم الأمواج والاهتزازات، علم النانو، البيولوجي، البيوكيمياء، الكيمياء التحليلية، الثارموديناميك، الكوسمولوجيا، الذكاء الصناعي والبرمجيات، علم الذرة، "آتوميستيك"، ميكانيكا السوائل، الآنطولوجيا، الإبستمولوجيا، المنطق، الأخلاقيات، علم النفس، علم الاجتماع، الإدارة، الموارد البشرية، المحاسبة، الصيانة، الوقاية والأمن، القتال، الأسلحة والمعدات العسكرية الخفيفة والثقيلة، الطيران، الصواريخ، النووي ....) لنفترض أني أمتلك كل ذلك بل أملك قدرة على الطيران والغوص في أعماق البحار، لنفترض أني بقوة شخصية خيالية تجمع قوى كل الشخصيات المذكورة في الأنمي وخصائصهم إلا أني في نهاية المطاف لن أجاوز 100 أو 120 سنة إلا وسأموت لأصبح عدما ويختفي كل ذلك الإدراك إلى الأبد.

تخيلو أن كل هذه القدرات والتراكمات المعرفية المفترضة والنعيم يصبح هباءً منثورا بعد الموت.

ما معنى ذلك ؟ أي أنني كلما ازددت نجاحا في تحقيق تلك الإنجازات واكتساب تلك الصفات كلما زدتُ في مستوى خسارتي الحتمية لا أكثر ولا أقل.

وذلك أشبه بأن تبني أبراجا ضخمة بملايير الدولارات وتنفق عليها وقتك وحياتك في مكانٍ تعلم يقينا أن زلزالا سيضربه ضربة لا تبقي ولا تذر أو أن نيزكا سينزل عليه بعد وقتٍ وجيز فلا يترك لك من بنائك شيئا.

فإن عزيت نفسك بأن من سيخلفك سيرث كل ذلك فإن المشكلة ذاتها متحققة فيهم (هم أيضا آيلون إلى الزوال والفناء) فالأمر أشبه ببناء أبراج عظيمة في منطقة تعلم يقينا أن نيزكا سيصيبها ولكن بعد أن تموت وتصبح ملكا لأبنائك (أي أن الخسارة آتية لا محالة).

ثم قلت في نفسي: ليس شرطا أن تركز على أهداف لا نهائية الصلاحية، يكفي أن تستمتع باللحظة وتعيشها وبعدها فإن تمت فقد عشتَ سعيدا خيرٌ لك من أن تعيش شقيا وتموت محروما.

وكان جوابي: هذه مغالطة إقصائية، إن سؤالي لم يكن أبدا للمقارنة بين السيء والأسوأ وإنما كان البحث عن الهدف الأمثل، فلا شك أن العيش سعيدا أفضلُ من العيش شقيا ولكن الأفضل منهما العيش سعيدا إلى الأبد (إلى ما لا نهاية) وهذا ما تفسده فكرة العدم (بعد الموت)

الأمر أشبه بأن أقول لك (خذ أفخم سيارة في العالم وتجول بها وقدها لمدة ساعة كاملة ثم ضعها جانبا وأعدها لصاحبها) لا شك أن ذلك أفضل من لا شيء، ولكن هل تلكم الغاية الكبرى ؟ الأفضل منها أن تحوزها يوما والأفضل من اليوم الأسبوع فالشهر والسنة والأفضل من ذلك كله امتلاك السيارة ولكن امتلاكها أيضا ليس سوى كراءً لها لمدة أطول لأن حياتك محدودة وستموت في نهاية المطاف وتنتهي ملكيتك للسيارة وحتى الذي يرثك فيها سيموت أيضا وتنتهي ملكيته فالفرق هنا في طول المدة لا غير.

أتدرون ما الفكرة الأشد رعبا ؟ هل سأحس بما بعد الموت إن صرتُ عدما ؟ كثير من الملحدين يسألون المسلمين: ماذا لو اكتشفتم بعد الموت أن كل شيء كان كذبة وأنه لا وجود لا لله ولا للحياة بعد الموت.

قلت صهيب: هذا السؤال نفسه مبني على الشعور بوجود حياة بعد الموت وإلا فإن عبارة (ماذا ستحس لو اكتشفتَ بعد الموت) مضحكة للغاية لشدة التناقض المركب فيها، وهل في حال عدم وجود حياة بعد الموت يوجد شيء اسمه (ماذا تحس)؟ و(لو اكتشفتَ) ؟ أي أن السائل نفسه يفترض أنك ستعيش بعد الموت ويكون لك إدراك وإحساس واكتشاف وهذا أصلا لا يكون إلا بالحياة بعد الموت.

أما في حال الموت العدمي فلن يكون هناك (أنت) لتحس أو تكتشف ولن تملك أدنى فرصة ولو بمقدار ذرة لتعيش ولو ثانية أو لحظة واحدة تقول فيها (لقد خُدعنا وكان كل شيء كذبا) لأنك ببساطة ستختفي من الوجود، وذاتك وإدراكك وشعورك بالأنا والوجود سيختفي تماما.

ستتساءل مباشرة: كيف يكون شعور الاختفاء من الوجود ؟

الجواب: لن يكون هناك شعورٌ بالاختفاء لأن المختفي عن الوجود لا يشعر.

لن تستفيد لو عظّمك التاريخ وسجّلك في سجل العظماء، لن تستفيد لو خلّدك التاريخ لأنك لن تسمع الناس وهم يتحدثون عنك لتشعر بالفخر.

حتى أولادك الذين تترك لهم تاريخا رائعا من سيرتك سيصبحون ذات يوم جزءا من التاريخ العابر ولن يستمروا في متابعة تاريخك أو تاريخهم.

ولكن يبقى السؤال المرعب: بين آخر لحظة للإدراك وأول لحظة للاختفاء التام يوجد فيصل مهم جدا إلا أن مقدار زمانه يساوي الصفر تماما، بعدها لا إدراك، لا تساؤل ولا أي شيء.

فالحياة والإدراك لهما نفس القيمة، وأكبر نعمةٍ يفرح الإنسان بها عقلُه المدرك ولا تكتمل هذه النعمة إلا باستمرار هذا الإدراك إلى الأبد (أي بالحياة بعد الموت) فيكون الموت لحظة للانتقال من عالمٍ إلى عالم آخر مع بقاء الإدراك كما هو.

لماذا عنونتُ مقالي بعبارة: "خاطرة صهيبية ليس لها قيمة" ؟

لم يكن الهدف من العنوان إظهار التواضع وما كنتُ يوما متواضعا بذمِّ نفسي أو أفكاري وإنما لسببين لا ثالث لهما:

الأول: لأن مقالي مبني على افتراض (التسليم بتصور الملحد لما بعد الموت) وهذا الافتراض كله مستحيل لأني أؤمن إيمانا جازما أن الله موجود والإسلام حق والحياة بعد الموت مستمرة إلى الأبد فعلى هذا الأساس تكون كل هذه الأسئلة والمخاوف بلا قيمة لأن الأساس الذي بنيت عليه لا حقيقة له وإنما فائدتها الوحيدة إعادة هيكلة العقل الإلحادي الذي يحسب أنه بالاتجاه إلى الإلحاد يزداد راحةً نفسية إذ أساء الظن بالله قبل إلحاده ولم ير في الحياة بعد الموت إلا حياة العذاب وجهنم (وكأن الله خلقه ليعذبه) فصار العدم بالنسبة له مطلبا مريحا ((ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا)) أما من يحسن الظن بربه فإنه ينتظر الجنة لا لأنه يزكي أعماله وإنما لحسن ظنه بالله، وحسن الظن يرفع الأمل وبارتفاع الأمل يزيد السعي، ألم تر أنك لو كنتَ يائسا من كسب صفقات مربحة بأثمان مغرية فإنك لن تتعب نفسك بالتفكير فيها ولا العمل عليها ؟ لكنك لو رفعت الأمل في النجاح واتبعت الصفقة الصحيحة فإن ارتفاع أملك يزيد من حماسك ونشاطك في العمل عليها.

فإن كان ظن المسلم بالله حسنا فإنه لن يعاني من أي مشاكل نفسية خوفا من العذاب وإنما يكون مرتاحا نفسيا، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وهو عين ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله ((عجبا لأمر المؤمن فإن كله خير)).

أما السبب الثاني للعنوان: فهو لشد انتباه القارئ إذ سيتساءل ما طبيعة هذا المقال الذي يصفه كاتبه نفسه بعديم القيمة ومع ذلك يكتبه وينشره ؟ مع علمي أن القارئ سيعلم أن الكلام وراءه سر معين فيقرأ لمعرفة ذلك السر، إلا أني خلافا للعناوين الصحفية لم أعتمد مغالطة في العنوان وإنما بنيته على أساس صحيح (فبالفعل هذه الأسئلة المخيفة في حال افتراض صحة كلام الملحد تصبح بلا قيمة إن زال هذا الافتراض فالحمد لله على كرمه التام الذي اقتضى أن يهبنا حياة بعد الموت لا تضيع فيها مجهوداتنا بل تزداد خيرا) فلماذا سميتها بالصهيبية مادامت مبنية على الافتراض الإلحادي ؟ ذلك لأن الملحد لم يطرح هذه الأسئلة أو المخاوف ولعله لم يفكر فيها أصلا وإنما هي أسئلة طرحتها "أنا" بناء على الطرح الإلحادي (أي أنها أسئلة تلزم اعتقاده)

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…