حكم إخراج المني في نهار رمضان
الإنزال في رمضان بغير جماع وإنما بالمباشرة أو الاستمناء ذهب فيه العلماء إلى قولين:
الأول: أنه مفطر وقالت به المذاهب الأربعة.
الثاني: أنه ليس مفطرا وقال به: أصحاب المذهب الظاهري وأشهرهم ابن حزم كما قال به الإمام الصنعاني والإمام الشوكاني ومن الحنفية أبو بكر بن الإسكاف وأبي القاسم
ومن السلفيين قال به الشيخ الألباني.
#قلت_صهيب: وكنت قد سُئلت عن هذا في أول رمضان وكان رأيي رأي المذاهب الأربعة مع نقلي وجود علماء مخالفين وسماعي من قبل لحججهم إلا أن ما جعلني أتمسك قديما بالقول المرجح للإفطار ثم تراجعي عنه ما يلي:
#أدلة_القول_بكونه_مفطرا:
1 _ قال الله عز وجل ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ))
2 _ الحديث القدسي الذي رواه البخاري (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
#أدلة_القول_بعدم_إفطاره:
1 _ عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لأرِبه. [البخاري ومسلم].
2 _ استصحاب الحكم على أصل عدم الإفطار إذ لم يرد دليل صريح على جعل الإنزال وخروج المني مفطرا وإنما الدليل جاء في الجماع.
#المناظرة_بيني_وبين_نفسي_في_المسألة:
1 _ قلت: إن المفطر بنصٍّ صريح هو "الرفث إلى نسائكم" إذ مادام الله أحله ليلة الصيام فدل على إفطاره نهار الصيام.
_ فرددتُ: ولكن محل الخلاف ليس في الجماع فذلك مفطر بالاتفاق وإنما الخلاف في الإنزال بغير جماع.
2 _ فقلت: ألا يمكن قياس المباشرة على الجماع والكلية المشتركة بينهما هي قضاء الشهوة فيكون حديث (يترك طعامه وشرابه وشهوته لأجلي) دالا على أنّ ترك الشهوة علّة في ترك الجماع والحكم المعلل يدور مع علته وجودا وعدما فمادامت الشهوة متوفرة في الإنزال بالمباشرة أو الاستمناء فإنها تحل محل الجماع.
_ لكني رددت: إن المباشرة بغير إنزال "أي بغير خروج المني" لا تفطر بلا خلاف بين العلماء وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبًل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لأرِبه)) [رواه البخاري ومسلم]. ولا شك أن المباشرة والتقبيل من الشهوة إذ يحس الإنسان فيهما بالشهوة وإن لم يُنزِل فلو كان المراد ترك مطلق الشهوة لوجب تركها ولو بغير إنزال، ولا شك أن الإنسان يباشر أو يستمني فيحسّ بالشهوة حتى قبل خروج المني وقد يتوقف قبل الإنزال وقد أحس بالشهوة لتلك المدة كاملة وهي مدة أطول من مدة الإنزال الذي يكون في لحظات يسيرة، والمتعة والشهوة قبل الإنزال تكون لفترة طويلة وهي المطلوبة في أساس الاستمتاع بدليلِ أن سرعة القذف عند من ابتلي بذلك تكون منغصة عليه شهوته ولو كانت الشهوة تقع وتتحقق بالإنزال وحده لما اكترث إن أقصر أو أطال إذ المهم عنده أن ينزل ولو بعد ثوان من بدء عملية الاستمتاع أيا كان نوعها، ولكن يوجد من يطيل تلك الفترة في استمناء أو مباشرة أو جماع في حلالٍ أو حرامٍ قدر المستطاع فقد يستمر لدقائق أو لعشرات الدقائق أو لما يفوق الساعة وكل تلك الإطالة هي شهوة في الأساس غير منوطة بالإنزال، فإن كان الحكم معللا بالشهوة فما هو قيد الشهوة هنا ؟ أهو الإنزال ؟ فلماذا يُفطر الإنسان بالجماع وإن لم يُنزِل ؟ أم أن مطلق الشهوة مفطر فيلزم منه إفطار المباشر وإن لم ينزل أم أن ضابط وقيد الشهوة في الإفطار هو الجماع "الإيلاج" وهو نفس الضابط الذي يكون في الحرام فَيصلا بين اللمم والزنا الموجب للحد دون أن يُناط بالإنزال وعدمه فعندها نقول بإن الجماع مفطر سواء كان ذلك بإنزالٍ أم بغيره والمباشرة غير مفطرة سواء كان ذلك بإنزال أو بغيره.
3 _ ثم قلت: فماذا عن العلماء الذين قاسوا الاستمناء على من يستحجم أو يستقيء وفي الحجامة يخرجُ الدم وفي القيء يخرجُ القيء وكذلك المني يخرجُ ثم قالوا كما قال ابن عثيمين ((الوجه الثاني: القياس، فنقول: جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وبفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم ، وكلا هذين يضعفان البدن .
أما خروج الطعام فواضح أنه يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعا .
وأما خروج الدم فظاهر أيضا أنه يضعف البدن، وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك، ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياسا على الحجامة والقيء)) انتهى كلامه.
_ فرددت قائلا: إن هذا قياسٌ على محل آخر للنزاع، فأما الحجامة فليس الاتفاق بين المذاهب على إفطارها وإنما المذاهب الثلاثة (الحنفي، المالكي، الشافعي) يقولون بأنها لا تُفطر واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنه فقال ((إن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم)) [رواه البخاري] وقال ابن عباس رضي الله عنه ((الصوم مما دخل وليس مما خرج)) [أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي بسند صحيح] وقد روي هذا عن علي بن أبي طالب وعن النبي صلى الله عليه وسلم بطريقٍ ضعيف فلم أشأ نقله لاشتراطي الاحتجاج في مسألة خلافية كهذه بالصحيح لا الضعيف.
وعن أم علقمة قالت: كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام، وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم.
ومن الذين احتجموا في الصيام من الصحابة أو قالوا بأنه لا يفطر أو قالوا مثله في القيء أو قالوا إنما الفطر بما يدخل لا ما يخرج الصحابة الآتية أسماؤهم: (أبو هريرة، عائشة ، عكرمة، ابن عمر، أبو موسى الأشعري، سعد، زيد بن الأرقم، أم سلمة، أم علقمة، ابن عباس، الحسن بن علي وهذا هو الأرجح.
4 _ ثم قلت: ولكن ماذا نصنع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أفطر الحاجم والمحجوم) ؟
_ فرددت: للعلماء قولان في هذا الحديث فمنهم من قال إنه منسوخ والحديث الذي ذكرناه أولا هو الناسخ له كونه جاء متأخرا في حجة الوداع فهو الجديد وإن عارض الجديد القديم كان الجديد ناسخا للقديم وليس العكس، ومن العلماء من لم يقولوا بنسخه وإنما فسروه كما يُفسّر حديث (لعن الله الرجل يسرق البيضة فتُقطع يده ويسرق الحبل فتُقطع يده) رغم أن حد قطع اليد بالحديث (سرقة ربع دينار) والبيضة والحبل دون هذا الحد، ففسروه أن المعنى أن الرجل يبدأ بسرقة البيضة والحبل وهذا حرام لكنه مما لا حد فيه فيستمران في ذلك إلى أن يأتي اليوم الذي يسرقان ما هو أكبر منهما فيسرقان ما هو موجب للحد فتقطع يدهما أي أن المعنى بمآل الفعل وكذلك أفطر الحاجم والمحجوم حُمل على أن المتحجم في نهار رمضان يرهق نفسه ويخرج منه دما مما يتسبب له بعطش شديد ورغبة أكبر في الغذاء وهو ما قد يدفعه إلى عدم إطاقة الصوم فيفطر فيكون معنى ذلك بالمآل لا الحكم نفسه، ثم إن الفطر لو كان بخروج الشيء من المفطر فلماذا يُفطِر الحاجِم؟ أما إن كان بالمآل فإن الحاجم يتعب أثناء الاحتجام ورؤية خروج الدم قد تؤثر عليه فيحتاج لشرب الماء وكثير من الناس قد يحسون بالعطش عند رؤية الدماء تخرج عن طريق الحجامة ونحوها أكثر من خروج الدم منهم أو يكون لإعانته على ما يسبب الإفطار فيبوء بإثمه وكل ذلك بعيد في نظري وإنما أميل إلى عدم صحة هذه الرواية من الأساس لمعارضتها ما هو أصح منها فإن قلنا بصحتها فتكون على أحد المخرجين السابقين والأولى الأخذ بالرواية الأصح والأحدث.
ثم لو سلمنا جدلا بفطر المحتجم والذي يقيء فإن العلة التي اتخذها ابن عثيمين لذلك ليست علة منقولة ليقيس عليها فنقول إنها علة معقولة، ونخالف في الاستنباط العقلي ابن عثيمين حتى مع التسليم جدلا بإفطار المستحجم والذي يقيء وذلك لأنه جعل العلة في ضعف البدن بينما الصيام أساسا يُضعف البدن والإفطار هو الذي يقوي البدن فكيف يكون الإفطار بما يُضعف البدن لا بما يقويه ؟ فالقضية هنا على النقيض التام من علة الصيام إن كانت العلة كذلك.
5 _ ثم قلت: قدد رددت على الاستدلال بحديث ترك الشهوة ورددت على القياس على الجماع ورددت على القياس على الحجامة ووصلت إلى قناعة تميل لهذا القول فماذا عن الورع ؟ ألا يخاف العبد على نفسه أن يكون الصواب مع غالبية العلماء وإنما هو لو ترك هذا الفعل فقد برئ لدينه وأخذ بالأحوط ولم يخسر شيئا بخلاف الإنزال ففيه مجازفة، كما أن الإنسان في غنى عن ذلك إذ معه الليل وسائر شهور العام فما الذي يحمله إلى نهار رمضان ؟
_ فرددت: إن الأخذ بالأحوط والأورع يكون بين العبد وربه ولا شك أن القول بعدم إفطار من يفعل هذا الفعل لا يعني إلزامه بفعله ولا يعني بالضرورة أن المفتي به سيفعله فالفرق بين العامي والمفتي أن العامي يستفتي لنفسه بينما المفتي يفتي للناس، وليس هناك دليل على وجوب اتباع الأغلبية كما أن أدلتهم عرضناها ولم تكن بتلك القوة وكثيرا ما يسير العلماء على أقوال الأغلبية لعدم التركيز على دراسة تلك المسألة دراسة متأنية ولميل النفس إلى اجتناب الشبهات ورعا، ولكن لا ننسى أن المجتنب للشبهات يفعل ذلك سلامة لنفسه أما المفتي فيعلم ذلك ليعرف حكم الله في المسألة وحتى حديث اجتناب الشبهات قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم ((وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) والشاهد منه أنه يوجد من الناس من يعلمها وإنما من لم يعلمها فالأحوط له تركها اجتنابا للمجازفة، ولكن لو حدث أن فعلها شخص ما فهل يفتيه المفتي بالقضاء أم عدم القضاء ؟ لا شك أيضا أنه لن يخسر شيئا إن قضى اليوم ولكن هل أوجب الله عليه القضاء ؟ هل حكم الله عليه بالإفطار إن هو فعل ذلك ؟ هنا محل البحث ولذلك يمكن لأي إنسان أن يفتي في أي مسألة بالأورع والأحوط ولكن معرفة الرخصة بأدلتها الشرعية هي ما يحتاج إلى علمٍ وجهد وبحث وهذا ما قرره عدد من العلماء السابقين وقالوا قولا قريبا من هذا المعنى ((إنما الرخصة من العالم الثقة بمعرفة أدلتها أما الإفتاء بالأحوط فهذا يعرفه كل الناس)).
ويمكن القول: لماذا لا يترك الأزواج المباشرة من الأساس في نهار رمضان ؟ فهذا عمل سلوكي اختياري ولكن السؤال: هل هذا مما يفطر أم لا ؟
#ملاحظة: البحث لدراسة الحكم من حيث الإفطار وعدمه وإلا فقد يرى بعض الفقهاء حرمة شيء معين ولا يرونه مفطرا كما قد يراه آخرون جائزا ومفطرا ويراه آخرون غير محرم وغير مفطر ويراه آخرون محرما ومفطرا، فلم أتطرق لهذا هنا.
كتبه #صهيب_بوزيدي.
