الموسم الثاني للإجابة على أسئلة صراحة الرسالة 1
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
1 - ليس الذي ينفعك أخي الكريم إن كنتُ أخاف من الرياء أم لا، وإنما الذي ينفعك هو خوفك أنت من الرياء من عدمه، فإن الله سيحاسبك على نيتك ولن يحاسبك على معرفتك لنوايا صهيب أو غيره.
2 - أما جوابا على سؤالك: فإني لا أعرف عن نفسي الإشهار بأي عبادة حتى أخاف عليها من الرياء وعدمه وإنما إن فعلتُ حسنا فأفعله في السر وإن فعلتُ قبيحا فأفعله في السر أيضا.
3 - المجال الوحيد المفتوح بيني وبين الناس على العام هو ما أكتبه أو أصوره من أطروحات علمية وأفكار في عدة مجالات إلا أن هذه الأطروحات العلمية لها طابع إسلامي لأن كاتبها [الذي هو أنا] مسلم.
ونشاطي في هذه الأعمال لا يدل بالضرورة على أن الناشط فيها إنسان صالح فقد يكون كلامي النظري في واد وتكون أعمالي في واد آخر، لذلك لم أجد ضرورة للخوف على نفسي من الرياء في هذا الباب لأني لستُ أقدّم ما يدل على صلاحي وإنما أقدّم ما يدل على قناعاتي وقناعة الإنسان لا يحتاج الإنسان إلى الرياء لينشرها إذ حتى الملحد ينشر قناعاته حتى ولو كان في وسط إسلامي فلا هو يرجو منها رياء ولا هو يرجو منها أجرا عند الله وإنما هو يعبر عن قناعته فحسب، وأي رياء يمكن أن يكون في التصريح بأقوال تجلب لي الكثير من الطعونات والهجومات والتبديع والتكفير ولو أني لم أفعل أيا من هذا لظنني هؤلاء المهاجمين أصلح مما أنا عليه الآن، فالذي أراه أن مقالاتي ونشاطاتي ساهمت في كسبي للأعداء والخصوم ومنهم من كذب وافترى علي وشوه سمعتي بالباطل فإن كنا نتكلم عن السمعة فإننا نتكلم عنها بشكل مقلوب ومنعكس.
4 - يجب الحذر من الوقوع في وسواس الرياء وذلك لإمكانية الوقوع في التسلسل اللانهائي في مقدمات الرياء ومثال ذلك ((قد أدعي الخوف من الرياء رياءً ليقال فلان سليم النية))، ((وقد أدعي عدم الخوف من الرياء ليقال فلان لا يدّعي الخوف من الرياء لأنه يتكلم بكل عفوية ولو كان مرائيا لما نبّه على ذلك)) ((وقد أنبه على العبارتين السابقتين ليقال لو كان في نفسه شيء من الرياء لما نبهنا على ما سبق)) ((وحتى هذه العبارة الأخيرة قد تكون لنفس الغرض)) وهكذا كلما تكلمت بعبارة فيمكن أن تُحمل على الرياء، وقد أدعي كتمان عباداتي لأتظاهر بأني خائف من الرياء وقد أصرح بجهرها لأتظاهر بأني لا أحسب للرياء حسابا.
لذلك فإن الشيطان قد يستطرد مع الإنسان في هذا الطرح فيدفعه إلى الغوص في وساوس لا نهاية لها ثم ينتهي به المطاف إلى حل واحد ((وهو التوقف عن العمل الصالح مخافة الرياء)) ومع الأسف ((هذا أيضا من الرياء)).
والحل الوحيد أن يجدد الإنسان نيته أمام الله في كل وقت دون التركيز على هذا الموضوع كثيرا وليحاول بقدر المستطاع التركيز على ما يقدمه فكلما نوى بذلك أجرا يرجوه عند الله كلما كان مخلصا.
5 - لعل الشيء الذي أخاف من الوقوع فيه حقيقة في باب النية هو أن أنشر هذا العلم دون احتساب أجره، وقد أفعل ذلك لمجرد المتعة العقلية والروحية وهذا هو الأمر الخطير الذي أخاف منه بشكل شخصي، وذلك لأني أعتبر الكلام في العلم والبحث عن الحقيقة أكثر إمتاعا لي من أي شيء آخر، فأتحول دون شعور مني إلى ناشرٍ للعلم في سبيل إرضاء متعته وطريقته في التفكير التي لا تتوقف عن الاهتمام بالبحث عن الحقيقة ونشرها بين الناس، وهذا ما يجب تجديد النية فيه، فكتابة مقالٍ عندي قد يكون أمتع بالنسبة لي من لعب طفلٍ في البلايستايشن أو مشاهدة شخص آخر لفيلم أو مسلسل وكذلك القراءة والنقاش العلمي، فيصير ذلك عندي أقرب إلى التسلية، والإنسان في الغالب يتعود على أن تكون العبادة تكليفية بالنسبة له، وإني في باب التعلّم والتعليم أستطيع فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أرحنا بها يا بلال)) ولم يقل ((أرحنا منها)) فكذلك العلم أهتم به لأرتاح به لا لأرتاح منه، ولكل إنسان مجالٌ في العبادة يراه أسهل من المجالات الأخرى، فهناك من تثقل عليه الصلاة ويسهل عليه الصيام وهناك من يثقل عليه الصيام وتسهل عليه الصلاة وهناك من تخف عليه كل العبادات إلا عبادة الصدقة والزكاة وهناك من تخف عليه عبادة الصدقة والزكاة وتثقل عليه عبادات أخرى، فالذي أراه في نفسي أن أخف عبادة على قلبي هي الدعوة إلى الله، ولستُ أتكلم في المواعض عمدا رغم قدرتي على الكلام فيها لأني لا أحب أن أعظ الناس بأمور قد لا أفعلها كما أن لي نظرة فقهية قد تختلف عن المشهور في بعض الأوساط التي أراها متشددة وطغى خطابها على الناس اليوم، لذلك فإن المبدأ الذي أنطلق منه في الموعظة يختلف عن مبدئهم، وقد يرون مسألة على أنها حرام وأراها حلالا، والأعجب من ذلك أن رأيي في الغالب قد يكون موافقا لرأي جمهور العلماء إلا أن رأي هذا الجمهور حُجب عن أكثر الناس بسبب سياسة ((لا تحدثوهم بالخلاف وإنما حدثوهم بالأحوط أو بالراجح)) ثم يحدثونهم بما هو راجح عندهم على أنه الراجح المطلق وإن كان مرجوحا لي الحقيقة خاليا من الأدلة التي تدعمه.
#الخلاصة: يجب تجديد النية مع الله عز وجل دائما وليس الخطر الوحيد الذي يقتحم النية هو الرياء فهناك خطر آخر بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث إنما الأعمال بالنيات عندما قال ((ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) فهنا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يراد به وجه الله إلا أن هناك من أراد به شيئا من الدنيا، فهذا الذي تكلم عنه ليس هو الرياء لأن الرياء يكون لنية اكتساب سمعة طيبة من خلال القيام بأعمال دينية فكأنها يؤدي تلك الأعمال للبشر ولا يؤديها لله، أما النوع المذكور في هذا الحديث فليس المطلوب فيه كسب السمعة وادعاء الصلاح وإنما القيام بالعمل الصالح ليكسب به شيئا مباحا من الدنيا فهذا ليس له أجر ولا وزر لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((فهجرته إلى ما هاجر إليه)) أي أنه يحرم من الأجر لكنه لم يحكم عليه باكتساب الوزر وإنما حقّر من عمله وأوكله لما نواه صاحبه فلم يكسب منه إلا ما أراده من الدنيا.
ولله الحمد ليس ما أخافه على نفسي أن أنوي بأعمالي شيئا من الدنيا ولكني أخاف أحيانا فقط أن يكون ما أنشره أو أنشط فيه لغرض المتعة العقلية المجردة، لذلك يجب تجديد النية دائما.
أما الخوف من الرياء فالحل ألا يهتم الإنسان لما يُقال عن أعماله ويسعى لإخفاء ما يمكن إخفاؤه منها كالعبادات الخاصة، كما يسعى لإخفاء ذنوبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون)) فالدين الإسلامي هو الذي أمرنا بعدم الجهر بالمعصية، وأرى أن المرائي قد يكون أحس حالا من المجاهر بالمعصية ذلك لأن المرائي يعترف بأن الدين عزيز لذلك يريد اكتساب العزة من ذلك الدين ولو بفساد النية أما المجاهر فلم يحترم حتى الدين لذلك لا يرى في نفسه حاجة لكتمان ما فعله.
وأنا هنا أفرق بين المجاهر وبين من لا يهتم لرأي الناس في حال اكتشافهم معاصيه التي لم يقصد الجهر بها وإنما فُضح من غير قصد فهذا لا يكون مجاهرا، وإنما المشكلة في من يفضح نفسه بنفسه دون أي حاجة لذلك، فما الذي يدفعه إلى ذلك إلا إن كان يفتخر بمعاصيه ؟
وأحيانا قد يكون من العزة للإسلام إظهار بعض الأعمال إذا انتشر في الناس من يستحي من دينه.
كتبه #صهيب_بوزيدي

