التفريق بين الإقرار الجدلي والإقرار الحِلّي
عندما نقول ((بل الإقرار بصحة نظرية التطور لا ينافي وجود الله)).
أو نقول ((بل الإقرار بوجود المجردات لا ينافي أن تكون ثلاثية الأبعاد وأبعادها غير متعينة القيمة))
أو نقول ((بل الإقرار بأن هذا العالم محض خيال لا ينافي وجود شيء حقيقي وهو الذهن المتخيِّل لهذا العالم))
أو نقول (( بل الإقرار بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم أبا بكر للصلاة لا ينافي أن يكون أبو بكر مستحقا للخلافة من بعده))
أو نقول ((بل الإقرار بأن الألباني زكى رسلان لا ينافي أن يكون رسلان ضالا منحرفا)).
أو نقول ((بل الإقرار بأن الشيخ فلان أجاز هذه المسألة لا ينافي أن تكون حراما)).
#عندما_نقول_مثل_ذلك: فإن ذلك لا يعني أننا نقر ونتبنى هذا الكلام وإنما هو من باب التسليم الجدلي حتى ولو لم يكن كائنا؛ فمعناه أن نقول "نظرية التطور لا علاقة لها بنفي وجود الله حتى ولو سلمنا جدلا بصحتها" و"حتى ولو سلمنا جدلا أن هذا العالم خيال وهو ليس خيالا فلا بد من وجود عقل حقيقي يتخيله فنثبت بذلك الحقيقة" وهكذا في سائر الكلام معلوم أنه إقرار جدلي بما لم يحدث لبيان أنه ولو حدث ذلك فإنه لا ينافي المسائل المتسدل عليها.
#ومنه: وجب على من يريد الاستدلال بكلام عالم من العلماء أن يفرق بين التسليم أو الإقرار الجدلي والتسليم الحقيقي؛ يفرق بين الجواب النقضي والجواب الحلي قبل أن ينسب له قولا لا يتبناه.
وهذا من الأسباب التي لا تشجع على النقاش مع من كان هذا حاله؛ فحفظا للجهد والوقت يكون من الأفضل الاستمرار بالبرنامج الذي يراد منه بيان الحق دون الالتفات إلى بنيات الطريق؛ فالبعض لا يصلح النقاش معهم لا عقلا ولا نقلا و‘من الوحيين ولا نقلا من كلام العلماء؛ وذلك لأن الأدوات المعرفية عندهم ضعيفة جدا.
#يقول_أحدهم: وهو من المنتسبين لابن تيمية "لو أراد -أي صهيب- لنقلت له أقوالا تدعم كلامه من كلام ابن تيمية وهي أفضل من التي جاء بها وهو لا يعرفها".
#قلت: الرد على هذا الكلام من عدة أوجه:
1 - المطلوب منك أن تنقل من كلام ابن تيمية ما يدعمك وينقض كلامي لا أن تنقل من عنده ما يدعمني فبمجرد قولك لهذا الكلام قد بيّنت للناس أن في كلام ابن تيمية ما يوهم موافقتي على الأقل "بل ما هو صريح بموافقتي إذ قلت أنقل ما يدعم موقفه ولم تقل ما يوهم دعم موقفه".
وهذا إقرار منك بأن ابن تيمية له في كلامه ما يدعم موقفي؛ لكن المشكلة عندك ليست في المسألة نفسها "أين الحق فيها من الباطل" وإنما المشكلة عندك في شخص صهيب فتحاول أن تظهر للناس أنك لن تتفاجأ بما سينقله عن ابن تيمية وأنك تعلم بوجود مقولات عن ابن تيمية بعد أن كنت تتكلم عني قائلا "لا يعرف حتى أ ب في العقيدة" طبعا وقبل كلامك هذا كنت تقول "طالب علم وصاحب علم وفاضل.." ولكنها الدنيا وما تفعله بالناس تماما كما هو حال ربيع المدخلي فمن وافقه رفعه إلى السماء ومن خالفه جعله تحت الأرض.
2 - دعك من النقولات التي هي أقوى من نقولاتي ويكفيك فقط أن ترد على نقولاتي وتبين وجه الخطأ أو عدم الفهم فيها لكلام ابن تيمية وملخصها مخالفة ابن تيمية لكن في أصولكم المنهجية التي اعترضتم علي بها إذ نفيتم دون دليل وابن تيمية يقول "النافي مطالب بالدليل كالمثبت" وأنكرتم علي القول "بأن رفع الأبعاد أي الطول والعرض والعمق لازمه جعل الشيء عدما" وزعمتم أن هذا القول لم يقل به أحد من أهل السنة ثم ثبت لكم أنه قد قال به ابن رشد "وقول ابن رشد وحده يكفي حتى ولو أقررت جدلا بأن ابن تيمية لم يقله ولم يتطرق إليه" فكيف إذا كان ابن تيمية قد نقل قول ابن رشد مستدلا به مقرا به ولم يخالفه لا في ذاك الموضع ولا في غيره.
فإما أنكم أغير على العقيدة والدين من ابن تيمية الذي ينقل كلاما أقمتم الدنيا ولم تقعدوها على من قال به "فلما سمعتم أن ابن تيمية قاله مقرا به ولو نقله عن ابن رشد" ذهبتم تقولون "هذا من كلام ابن رشد" طيب وهل ابن رشد هذا كافر زنديق لا يهم قوله ؟ أليس من علماء المسلمين وكبار فلاسفتهم وها هو يثبت صفات الله عز وجل ويثبت الجهة "في هذا المقام تحديدا" فهل قال ابن رشد باطلا؟ طيب ما حكمكم عليه إن كان قوله باطلا؟ هل ستقولون بأنه جاهل بالمعقولات "طبعا ستضحكون الأمم عليكم" ويلزم من ذلك أن ابن تيمية بكل قدره وعظمته في هذا الباب يستدل بكلام شخص جاهل لا قيمة له ؟ لأقر لكم جدلا أن ابن تيمية لا علاقة له بموضوع الأبعاد "فليكن ابن رشد بدل ابن تيمية" أليس ابن رشد عالما ؟ هل ستطعنون فيه؟.
لأسلم لكم جدلا أن ابن رشد جاهل وضال ولا يعنيكم أمره فهل كان كلامه بالنسبة لابن تيمية كفريا وباطلا وتزندقا ومع ذلك نقله فرحا به مستدلا ومقرا ثم لا يعقب على ذلك ولو بكلمة واحدة يخالفه فيها؟ بل السياق كله كان في موافقته له.
3 - ليست البطولة في أن تأتي من كلام ابن تيمية ما يدعمني فمعلوم أن كلام ابن تيمية فيه الكثير مما يدعمني وليس فيه شيء يدعمكم فيه ومن المعلوم أن ابن تيمية وصف أدلة القائلين بالتجسيم بأنها أقوى من أدلة النفاة؛ وجعل لوازم نفي الجسمية أعظم من لوازم إثباتها؛ ودائما يميل للصف التجسيمي وإن خالف أصحابه كما أخالفهم أيضا في إطلاق الألفاظ المجملة؛ والطول والعرض والعمق والأبعاد ألفاظ لا إجمال فيها بل هي التفصيل ولذلك عندما تكلم ابن رشد قال الجسم أعني الطول والعرض والعمق؛ أي أنه فسر المراد بالجسم هنا بهذا المعنى مما يدل على أنه المعنى المفسر وليس المجمل ولم يقل بعد ذلك أعني بالطول والعرض والعمق كذا وكذا لأن اللفظ لا يحتاج لمزيد من الشرح فقد اتضح بيانه.
4 - علق على هذا الشخص أحدهم فقال عني "أهذا الذي يزعم بأنه يحفظ كل كتب ابن تيمية بالجزء والصفحة؟"
أقول: هذا الرجل كذاب وله مائة ناقة "غير ثلاثية الأبعاد" لو أنه جاءني بكلمة واحدة قلت فيها هذا الكلام الذي نسبه إلي؛ ومن جهة أخرى أقول إن قوله:"أهذا الذي يزعم كذا وكذا.." يوهم المستمع أنه قد اكتشف شيئا عجيبا عني وجهلا مني بكتب ابن تيمية بينما كلامه في الميزان العلمي هو مجرد كلام يمكن لأي شخص قوله "فهو كلام فارغ لا قيمة له" ثم عقب عليه صاحب المنشور هذا دون أي ورع أو إنصاف فواصل الضحك معه والكلام عني بسوء دون أن يسأله "أين قال هذا الكلام؟" وهذا مما يدل على رضاه بالكذب والجور وليست هذه أبدا أخلاق من يرجو وجه الله وإنما هو الفجور في الخصومة.
5 - قوله "هناك نقولات عن ابن تيمية لا يعلمها" هذا القول نفسه يدل على جهل وحماقة قائله "إذ من أين علم أني لا أعلم النقولات التي يتحدث عنها؟" قولي سأنشر عشرات النقولات عن ابن تيمية ثم بمجرد نشري لأول نقل ذهب يقول "هناك نقولات لا يعلمها" هل لأني لم أنشرها بعد يكون دليلا على عدم علمي بها؟ أو لعلها نقولات لا قيمة لها فتكون ضعيفة كصاحبها يريد الإغراء بها للرد عليها "كمغالطة رجل القش؛ إذ يهديك دليلا ضعيفا ثم ينقضه لك" فهذه الأساليب قد تنفع مع من بلغ به الفقر في الحجج أن يحتاج لخصمه الذي أوقن وأبصم بالعشرة أنه جاهل بمذهبه فضلا عن مذهب ابن تيمية.
فإن كان يخوض هذه المعركة بكل جدية فليعلم أني أنقل لهم من كلام ابن تيمية كي أعرفهم بمذهبم أما منهجي في إثبات عقيدتي فغير قائم على تلسيم الخصم بكلام ابن تيمية أصلا وإنما يمكنني البرهان عليها حتى ضد من لا يؤمن بالإسلام أصلا.
وأنا لا أؤمن بوجود شيء ليس له أبعاد فلو سلمتُ جدلا أن ابن تيمية نفسه ظهر وقال "ليس لله طول وعرض وارتفاع" فإني سأقول بأن ابن تيمية فقد عقله أو أنه لا فرق بينه وبين الجهمية؛ ولكن حاشَ لله أن ينزل عالم كابن تيمية لهذا الحضيض والجهل بل هو أكثر الناس تعرضا لتهمة التجسيم وكل المعطلة يتهمونه بالتجسيم وكل الاتهامات التي وجهت نحوي اليوم سبق ووجت لابن تيمية ورد عليها بمثل ردي.
6 - يقول: هو مازال يقرأ ليستخرج من كلام ابن تيمية ما يستدل به.
أقول: أولا ولله الحمد فإني وبلا فخر أدعي أن محيط بعقيدة ابن تيمية من كتبه مباشرة بما قرأت له لا عنه؛ وأخص بكلامي مجال العقيدة لا الفقه عند ابن تيمية فذاك موضوع آخر.
وهذه المعلومات الخاصة ببيان تلبيس الجهمية كنت أناظر فيها الروافض وأرد على شبهاتهم وأعلّم المحاورين لهم كيفية محاورتهم قبل سنوات طويلة؛ قبل أن أسمع بوجود كل هؤلاء المعترضين اليوم؛ ولكن عندما يظهر من يجهل كتب ابن تيمية وجب علي العودة إلى كتبه والاستعانة بالكلمات المفتاحية للبحث عما قاله في هذا الموضوع؛ وليس البحث بهذه الطريقة يحتاج إلى علم كبير؛ فبمجرد كتابة "العمق" أو "الجسم" أو "الأبعاد" في البحث في كتاب بيان تلبيس الجهمية سيظهر كل ما قاله ابن تيمية بخصوص تلك الكلمة المفتاحية.
فكون كلامه قد مر علي سابقا وسبق وقرأته لا يعني أني عند الاستدلال به بنصه ورقم الصفحة أحتاج للرجوع إليه مجددا خاصة وأني أحتاج لتصويره من الكتاب الإلكتروني من أجل التركيز على الشاهد بتخطيطه بالأحمر ثم نقل رابط موضعه من الكتاب ليكون البحث مكتملا.
وإلا لو شئت مجرد النقل فلا أسهل من فتح أي كتاب كتبه أعداء ابن تيمية ليثبتوا أنه مجسم ثم أستخرج من نقولاتهم كل تجسيمات ابن تيمية "بحسبهم" ولكن ليس هذا المقصود.
كما أني لستُ وحدي في هذا الباب فمعظم المتخصصين في الفلسفة التيمية من المعاصرين يقولون بمثل قولي ومنهم من تسمونهم ب"الماديين" وهم في الحقيقة سلفيون وأفهم لكتب ابن تيمية منكم في هذا الموضوع خصيصا؛ بل شتان ما بين السماء والأرض.
كتبه #صهيب_بوزيدي.
