استجابة الدعاء مع ذكر حادثة وقعت لي شخصيا
ورد في تعليقات المنشور السابق هذا السؤال وبعد أن أجبت عنه لم يتحمله التعليق ولم يقبل قسمته نصفين وإنما تحمل ثلاثة تعليقات لذلك فضلت كتابته في مقالٍ ثم نشر رابطه تحت تعليق السؤال
#السؤال_نصا_كما_ورد:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
سؤالي عن الدعاء و أرجو أن تجيبني إجابة تريح نفسي لأني في كرب شديد و وسواس دائم
في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يقول ادعو الله و أنتم موقنون بالإجابة و يقول يستجاب لأحدكم مالم يعجل يقول دعوت دعوت و لم يستجب لي
سؤالي هو هل اليقين المطلوب هنا يجب أن يكون يقين لا يتخلله أي شك في كل وقت ؟! و هل إذا أحس الداعي باليأس و القنوط و الحزن كونه يدعو لمدة طويلة ولا يرى إجابة هل هذا يجعل الله لا يستجيب له ؟!
لأنه الطبيعة البشرية للإنسان كونه عجول و عرضة لليأس خاصة في حال تأخر الإجابة يجعل من الصعب بل من المستحيل في نظري أن يحقق اليقين طول المدة التي تسبق الإجابة ولابد أن يأتيه وسواس و شيء من الشك أحيانا هل سيستجيب الله لي أم لا ثم يشك بعد شكه هذا هل سيعاقبني الله بسبب شكي هذا فلا يستجيب لي
و السؤال الثاني ( أطمع في كرمك ) أيهما أفضل لقضاء الحوائج الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أم الإستغفار ؟
و جزاكم الله خير
#الجواب:
Rania Hekmi وعليكم السلام ورحمة الله.
هذا السؤال لا أعتبره شبهة لأني منذ زمن طويل فكرت في موضوع الدعاء واستجابته وفهمت أن أكثر الناس لم يفهموه بشكل صحيح.
الدعاء ليس طريقة ليختبر بها العبد ربه وليس أمرا من العبد لربه وإنما هو طريقة ليختبر بها الرب عبده، إلا أن الناس يريدون جعلها مبحثا برهانيا في إثبات اليقين أو نفيه وهذا غير صحيح، الدعاء تماما كالصلاة، هي عبادة من العبد لربه، قال الله ((وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)) فوصف الدعاء بالعبادة في نفس الآية التي يستدل بها على وعد الله عباده باستجابة الدعاء (لكنه ليس وعدا للتحدي والبرهان وإنما البراهين لها موضعها من معجزات الأنبياء والدلالات العقلية على صحة الإسلام ووجود الله ووحدانيته وهذا له موضعه في بسطه أما الدعاء فهو عبادة فبعد إخبار الله عباده أنه سيستجيب دعاءهم أخبرهم مباشرة بأن هذا الدعاء عبادة وليس تحديا كما تحداهم الله في الإتيان بمثل القرآن ونحو ذلك.
استجابة الله للدعاء ليس معناها أن يكون الدعاء بمثابة مصباح علاء الدين السحري حيث يطلب أطنانا من الذهب فتنزل بين يديه (هذا سيكون معجزة خاصة بالأنبياء وليس مجرد استجابة دعاء).
الدعاء معناه التوفيق والله ييسر للعبد الأسباب وقد تظهر الخوارق في الدعاء ولكن بالشكل الذي يسمح باستمرار سنن الكون كما هي فالاختبار لا زال قائما لكل البشر وليس وقت كشف الأجوبة الآن، لذلك يتوقع الناس أن إجابة الدعاء تكون بمعنى أن يدعو على أمريكا وأوروبا وغيرها فتنهار في ليلة بصواعق من السماء (هذا التصور غير صحيح عن الدين وعن ماهية الاختبار من أساسه وليس هذا الذي قاله الله أو وعد به).
قال الله عز وجل ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)).
هناك حكم كثيرة وراء تدبير الله للكون قد لا يعلمها البشر، مثلا لماذا أذن الله لأمريكا وأوروبا بالتفوق والتطور ؟ ذلك لأنهم قدموا الأسباب، ولأن تطورهم نفسه وإن عاد على جزء من المسلمين بالويلات فقد عاد على الغالبية بالنفع (كل هذه التكنلوجيا انتفع بها الناس حتى المسلمين، انتفعوا بالمكيفات والسيارات والطائرات والأنترنت والتكنلوجيا وتطور الطب والدواء والعلاج ونحو ذلك) صحيح أن كثيرا من العلماء والمطورين يفعلون ذلك لمقابل مادي ويبيعون هذه الاختراعات بالمال وليست مجانية بل هي سلعة مطلوبة في السوق وليست لأغراض إنسانية كما يتصوره عبيد الغرب من أبناء جلدتنا فإن قيل وما يدريك بنواياهم قلت (لو كانت لأغراض إنسانية لوزعوها بالمجان ولما باعوها بأثمانها وكانوا من أغنياء العالم) هل مارك صاحب فايسبوك فتح فايسبوك لننشر فيه الدعوة مثلا ؟ فتحه ليكسب من ورائه وثروته تجاوزت 200 مليار دولار (من فايسبوك).
ولكن حتى مع هذه النوايا، بمشيئة الله تطورت البشرية وانتفعت والأولى بالمسلم أن يعترض على نفسه وتقصيره ويقول (أنا الأولى بأن أكون السباق لهذا التطور فكيف أسمح للغرب بالتفوق علي في هذا) رغم أن المنافسة غير عادلة من الأساس فالغرب ما تطوروا بهذا الشكل من خلال سلوك الأساليب المشروعة وحدها وإنما احتلوا البلدان ونهبوا وسلبوا وأجرموا وتعاملوا بشتى أنواع المحرمات واللا أخلاقيات وكسبوا المال بكل الطرق "بالنصب، بالنهب، بالحلال بالحرام بالربا بأي طريقة" فمع علمنا بهذا الفارق إلا أننا نلوم أنفسنا (لماذا لم نعمل على المنافسة حتى في حدود الحلال؟).
ولكي لا أطيل الكلام في هذا المثال أرجع لصلب الموضوع (استجابة الدعاء) فعلى الصعيد الشخصي يمكن استجابة الدعاء ولكن أحيانا قد يكون الدعاء نفسه متداخلا، (مثلا 10 رجال كلهم يتمنون الزواج من امرأة واحدة) وكلهم يدعون الله بذلك (لا يمكن لتلك المرأة أن تتزوجهم جميعا) لذلك قد يتزوجها واحد منهم وقد لا يتزوجها أي منهم ويتزوجها شخص آخر كانت هي تدعو أن يزوجها الله منه والعكس بالعكس.
منصب شغلٍ واحد يتقدم له 200 مرشح كلهم يدعو الله أن ينال ذلك المنصب فلمن سيكون ؟
لذلك فاستجابة الدعاء لا تكون بالمعنى الحرفي الذي يظنه الناس وإنما إما أن يعطيك الله ما طلبته تحديدا وإما أن يعطيك ما هو خير منه وإما إن يحرمك ذلك كله ليهيئك لما هو خير منه وقد يؤجل لك العطاء أضعافا يوم القيامة فبمجرد الدعاء الصادق فإن الله قد استجاب دعاءك وأعطاك مقابله عاجلا أم آجلا (أي أنك دعوت فستقبض ثمنه لكن هل يكون في الدنيا أم الآخرة ؟ هل يكون في العاجل من الدنيا أم الآجل منها ؟) هل ما تريده من الله أصلا صحيح أم لا ؟
إن أردت أن نخرج من جو الشبهات ونتكلم عن النصائح فإني بصفة شخصية أتعامل مع الدعاء كالتالي: إذا دعوت الله وقدمت الأسباب تركت كل ذلك إلى الله فلا أنتظر النتيجة وأرضى بكل ما قسمه الله لي ومن تجاربي مع الدعاء هناك على الأقل حالة واحدة استجاب الله لي فيها استجابة لا يمكن تفسيرها إلا باستجابة الدعاء حيث ظهرت أكياس مائية في رأسي عددها 11 كيسا وحجم أكبرها نصف بيضة كأنها فوق الدماغ وكلها تحت الجلد ويمكن تحريكها باليد، شهد عليها كل المقربين مني في تلك الفترة من عائلة وأصدقاء ورقاني والدي وقلت له لا علاقة للأمر بالرقية ولكني استجبت له فقط كي لا أرد له أمرا ولم أكن مقتنعا بتأثير الرقية، رغم أني أؤمن بالرقية عموما لكني قلت (هذا مرض مادي وليس له علاقة بالسحر) ولكن أبي قال (الرقية قد تنفع حتى في الأمور المادية فتذكرت أن الصحابة كانوا يرقون من لدغة العقرب وهي أمر مادي بحت) وفي الرقية دعوت الله أن يريني آية فيشفيني لا لأني مهتم بالشفاء كثيرا وإنما لأني أريد أن يريني الله آية تثبت لليقين في قلبي ما حييت وكان ذلك لأني في تلك الفترة أكثرتُ من مناقشة الشبهات حول مواضيع الرقى تحديدا وبالتجربة مجرد الإكثار من الاستماع للنوع الواحد من الشبهات يُضعف اليقين، فمن يدخل مجال النقاش مع الشيعة مثلا يجد نفسه بعد فترة لا شعوريا يتعامل مع أقوال أبي بكر وعمر على أنها شبهات وليست أقوال من يفترض أن يقتدي بهم ويجلهم (حتى وإن بقي يجلهم) وكذلك الإكثار من مناقشة الملحدين ومخالطتهم قد يعلم الإنسان سوء الأدب مع الله ورسوله حتى ولو بقي مسلما، لذلك فالأسلم للمؤمن إن خاض مسلك الرد على الشبهات ألا يركز على مجال واحد وإنما يفتح المجالات كلها فيعالج كل أنواع الشبهات وإما أن يتجنب ذلك إن لم يكن قادرا وأهلا لها، ففي تلك الفترة لأني ركزت كثيرا على جانب الرقية ولم أكن آنذاك كثير التجارب ولم أر ما يثبت اليقين في قلبي تجاه هذا المجال إلا لاحقا، فكانت أول مرة أرى فيها ما يبرد قلبي باليقين ذاك اليوم فبفضل آيات الله ورقية الوالد حفظه الله بالتزامن مع دعائي الله عز وجل حتى بكيتُ ففي تلك الجلسة وفي لحظة الدعاء نفسها قال والدي (سبحان الله) الأكياس المائية اختفت، وكانت تُفش في يده بتسارع حتى ذهبت تماما، فلمست رأسي فإذا بها جميعا 11 كيسا مائيا حسب توصيف 5 عيادات طبية اختفت في رقية ساعة وتحديدا في تلك الدقائق الأخيرة.
عندها قلت لنفسي (لو راودك الشك بعد اليوم يا صهيب فإنك تستحق الخلود في جهنم مع فرعون فقد قامت عليك الحجة وتبين لك الهدى) ورأيت بعدها أمورا كثيرة تثبت اليقين إلا أن الوقع الأقوى كان لهذه الحادثة أولا لأنها الأقوى دلالة وثانيا لعدم وجود تفسيرات موازية تصرفها عن استجابة الدعاء وأثر الرقية وثالثا لأنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها شيئا يثبت يقيني وبطلبٍ مني، فحتى ما رأيت من خوارق بعدها لم يكن بطلبٍ أو دعاءٍ مني ولكن هذه جاءت في نفس تلك اللحظة.
هل معنى ذلك أني لا أتعرض للابتلاء ؟ طبعا لا.
ولكني أستحي من الله أن أعتبر ما يحصل معي مهما كان ابتلاءً وأوازن دائما بين نعمه وابتلاءاته فأجد نعمه أكبر من ابتلاءاته.
لكن ما لا أصنفه من الابتلاءات مما يصيبني أساسا هو عند كثير من الناس قاصمة الظهر التي ليس بعدها قائمة (لن أخوض فيها لأنها خصوصيات) ولكن كلما ابتلاني الله بشيء وصبرت عليه كافأني بخير منه وأحيانا قد يصرف عني الأمر برمّته فأقول لعله خير وكثيرا ما يظهر فعلا أنه كان خيرا لي.
أحيانا قد تصيبني مصيبة أو أرتكب خطأ فأخرج منه أقوى مما دخلته فيقيني ذلك ارتكاب خطأ مشابه له بنتائج أفدح منه.
اقترب الموت مني عشرات المرات ولو أحصيتُ ما يمكن تصنيفه على أنه من المفترض أن يكون الموت المحتم لأحصيت 10 حالاتٍ ظننت فيها أني ميت لا محالة ونطقت الشهادتين ثم نجوت منها حالة انقلاب سيارتي 4 دورات في الهواء و4 على الأرض حيث كنت أقودها بسرعة 180 كلم/سا سنة 2011 والعجيب أننا في ذلك اليوم وأثناء القيادة بتلك السرعة المتهورة كان معي ثلاثة أصدقاء تعودوا أني أقول (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) لكني أقود بسرعة وكنت أحسب ذلك الدعاء منجيا حتى من هذه الحالات وقد أنجاني الله عدة مرات إلا أننا في ذلك اليوم وسبحان الله قال أحدهم يا صهيب الجو ممطر بشدة وأنت تقود بسرعة جنونية فقال آخر لقد قال الذكر فلا تخف لن يصيبنا شيء، فقلتُ له حينها "وأنا أتفلسف": وما يدريك ؟ إن الذكر وعد بألا يصاب قائله بشيء ونحن قلنا ولكن قد يصيبنا حادث تصاب فيه السيارة دون أن نصاب نحن وبذلك يكون الوعد في الذكر متحققا ولا يلزم منه حماية السيارة.
وسبحان الله في نفس ذلك اليوم وقع الحادث وانقلبت السيارة ولم يُصب أي منا بأي أذى ولم أخدش ولو خدشا واحدا وحتى الذين معي لم يصابوا إنما أحدهم أحس بألم في الرقبة ثم زال عنه في نفس الليلة وأنا أحسست بألم طفيف في الجبهة وزال في نفس اليوم (ألم أقل من التعرض للكمة خفيفة على الجبهة) بل لا أكاد أشعر به وأحيانا أحتار هل أتألم أم أتخيل فقط لخفة الألم.
فحتى هذه الحادثة جعلتني بعدها أتغير في طريقة قيادتي للسيارة فصرت أتحى الأمان وتركت طريق التهور وطورت من قيادتي في الاتجاه الآمن بل صرت أتفادى حتى أخطاء السائقين الآخرين فتعلمت من هذا الدرس على طريقة (الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك) وطبعا لم أذكر هذا المثال على أنه من أمثلة الابتلاء بل هذا من أمثلة تنجية الله لعبده وإنما البلاء قد يصيب الإنسان فلا ينجو منه ويأخذ منه مغرمه ومع ذلك فإن النعم أكثر من الابتلاءات دائما إلا أن الناس قد تركز على المحن دون النعم ومنهم من يركز على النعم دون المحن مع اختلاف أحوال الناس طبعا حتى في الدنيا وهذا لا ينكره عاقل
وحتى السيارة تصليحها استهلك قيمة 6 ملايين سنتيم أي ما يعادل اليوم (250 دولارا) لا أكثر وبسعر تلك الأيام تعادل 450 دولارا بالتقريب.
قد أطلت الكلام ولكني رأيت أن مشاركة هذه المعلومات وإن كان بعضها شخصيا قد يوصل رسالة مفيدة.
أحب دعاء أدعو الله به ((اللهم وفقني لما تحبه وترضاه)) والتوكل معناه تقديم الأسباب ثم نترك بعد ذلك كل شيء على الله، لا ننتظر النتائج ولا نترقبها، العبرة ليست بطريقة الدعاء وأسلوب تنميقه وإنما أن يتوجه الإنسان لله بالدعاء ثم يترك كل شيء على الله ولا يتابع قضيته مع الله بل يتركها لله يتصرف فيها كما يشاء.
أرجو أن يكون ما كتبته مفيدا
كتبه #صهيب_بوزيدي
