إلجام الجهال الذين شيطنوا المصلي في النعال
#مقدمة: ليس من عادتي استعمال عبارات (بوم، وقصف ونسف) ولكن هذا المقال نسفٌ شامل لصاحب هذه المقولة المتهورة التي لزمه منها شيطنة علماء المسلمين قاطبة بلا استثناء إلا (هو ومن تبعه من الجهال) ولزم منها الطعن في سنة النبي وأقوال الصحابة والتابعين والمفسرين والعلماء حتى المنتمين للفرقة التي ينتسب إليها "الأشعرية"
وقد طمست اسم من نسبت إليه هذه الكارثة وأكتفي بالرد على هذا القول الباطل بغض النظر عن قائله.
#قال_1: هؤلاء حزب الشيطان.
#قلت_1: كيف تجرأ على وصف من يستدلون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم بحزب الشيطان ؟ هذه جرأة عظيمة قد يُفهم منها حتى التكفير إذ وردت آية (حزب الشيطان) وآية (إنما يدعو حزبه) وآية (أولياء الشيطان) في ثلاثة مواضع كلها في الكفار فكيف يكون المستدل بحديث رسول الله من حزب الشيطان ؟
1 _ عن أبى سلمة سعيد بن زيد قال: سألت أنسا: ((أكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في نعليه؟. قال: نعم)) [رواه البخاري ومسلم]
2 _ عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) [رواه أبو داوود].
#قال_2: الشرع نهى عن الصلاة بالنجاسة.
#قلت_2: والشرع الذي نهى عن الصلاة بالنجاسة أجاز الصلاة في النعال وجعله الأصل إلا من اكتشف وجود قذارة على نعله فعندها يمسحه أو يخلعه ولم يكن الحل تحريم الصلاة في النعال بالمطلق (وهذا التفصيل هو من يقول به كل العلماء الذين رماهم هذا يجهله ووصفهم بحزب الشيطان)
1 _ عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما)) [رواه أحمد وأبو داود]
2 _ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ((بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيها قذرا)) [رواه أبو داود].
قلت صهيب: فلم يجعل النبي احتمال وجود القذارة مانعا لأصل الحكم الشرعي وإنما الحكم الفقهي النبوي المنضبط جواز الصلاة في النعلين (والاستثناء وجود قذارة فيهما) كما هو الحال عند الصلاة في سائر الثياب فإنها تجوز ولكن إن أصيبت بقذارة تبدل أو تغسل.
لكن هذه الفتوى الجاهلة جعلت مجرد الإفتاء بجواز لبس النعلين في الصلاة تهمة للمفتي فوصفهم بحزب الشيطان رغم أنه لا يوجد منهم من يفتي بالصلاة في النعلين حال القذارة بل كل العلماء يستثنون ذلك كما أنه انطلق من مغالطة وكأن كل النعال تحمل القذارة بلا شك ولا ريب (والقذارة في الشرع لا يراد بها التراب وإنما ما هو نجس في الشرع).
#قال_3: فهل يتحققون طهارة النعل وهم يدخلون به المرحاض ؟
#قلت_3: جوابه من عدة أوجه:
1 _ هل علم هو أنهم لا يتحققون من طهارة النعل قبل أن يطلق حكما خطيرا كقوله (حزب الشيطان) ؟
2 _ هل التحقق من ذلك أمرٌ مستحيل ؟ فإن كان ممكنا في العصور القديمة قبل التطور فهل يصبح مستحيلا في عصر صارت كثير من الحمامات فيه أنظف من غرف النوم (هذا الحمام في الصورة نموذجا وقد صورته بنفسي في دبي وهناك ما لا يحصى من هذا النوع النظيم يختلفون في التصاميم والجودة ويتحدون في كلية النظافة حيث تستطيع المشي فيهم حتى حافيا، بل وحتى في الجزائر نحن في عصرٍ متطور كثرت فيه الحمامات التي يمكنك دخولها حتى حافيا لتصميمها ونظافتها سواء في البيوت أو المطاعم، أما المساجد فإن النعال تخلع في أغلبها خارج الحمام وفي نهاية المطاف لا نتصور حماما يقف فيه الشخص فيدوس على القذارة إلا إن كان حماما في غاية القذارة ومثل هذا لا يدخل الإنسان النظيف إليه أصلا ويقصد غيره (فلا أريد قول شيء مهين ولكن كل ينظر إلى العالَم من زاويته فمن تعود على قذارة حذائه يعمم ذلك على أحذية كل الناس)
3 _ كان يكفيه أن يقول في أسوأ الحالات: (من استطاع التحقق من طهارة حذائه جاز له ذلك ومن كان حذاؤه يحمل قذارة لا يجوز له ذلك) رغم أن الأصل في أقوال العلماء وما دلت عليه النصوص أن الشرط ليس التحقق من طهارة النعلين بل الأصل الصلاة فيهما حتى يثبت عكس ذلك (أي يصلي المصلي في النعلين فإن رأى بعد ذلك نجاسة عندها يخلعهما وليس مطالبا بالتحقق أصلا وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل وغيره ونقلت فيه إجماعات رغم أني لا أحب الاستدلال بالإجماع وإنما من باب بيان الحال، أي أن هذا الطاعن شمل طعنه كل العلماء وضرب بكل ذلك عرض الحائط واستعمل مغالطة المصادرة على المطلوب فكأنه انطلق من مقدمة: كل الأحذية على وجه الأرض قذرة على الدوام يقينا وبما أنها جميعا قذرة فلا تجوز الصلاة فيها (وهذه مصادرة عن المطلوب) وإن كانت أقوال العلماء قديما قبل التطور تجيز ذلك فكيف بعصرنا الذي ينظف فيه المرحاض بكبسة زر والطرقات معبدة بأحدث الوسائل وكذلك الأرضيات وفي بعض الدول من يبصق بصقة في الشارع يدفع غرامة والإسلام منتشر في كل البقاع وقد سبق أن مشيت بحذاء في الإمارات أربعة أيام فصورته فكأنما أخرجته للتو من علبته لم يتسخ قط لنظافة الطرق.
#قال_4: فالقرآن قال ((فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى)) فهذا في الواد فكيف بالصلاة؟
#قلت_4: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من هذا بمعنى الآية ولو رأى أنها تفيد تحريم لبس النعال في الصلاة لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعاله أم أنه أحرص من رسول الله على العمل بالقرآن ؟ ثم إن سبب نزول الآية مختلف فيه فرأى عكرمة وقتادة وكعب أن السبب (لأن موسى كان يلبس نعلين من جلد غير مذكى) وقال علي بن أبي طالب (لينال بركة الوادي) وقريب منه قول سعيد بن جبير (قال: طأ الأرض حافيا، كما تدخل الكعبة حافيا، يقول: من بركة الوادي) وذلك لأن الوادي ليس أي وادٍ كما أوهم برده (فهذا في الواد فكيف بالصلاة) بل هو الوادي المقدس (وإلا لا يختلف اثنان على أن مجرد الوادي العادي لا تُخلع فيه النعال فهل يخلع هذا المجيب نعاله كلما عبر واديا ويرى وجوب ذلك ؟ إن قال نعم فقد فقد عقله وليس للكلام مع المجانين سبيل فيلزمه تحريم المشي في الوديان بالنعال على قوله وإن قال بل كان واديا مقدسا له خصيصة معينة قلت: فما وجه استدلالك عندما قلت (هذا في الواد فكيف بالصلاة؟) ثم ما هذه المقارنة الغريبة التي لا يتحد فيها المحمولان (الواد، الصلاة) فالواد مكان وأما الصلاة فهي فعلٌ وينبغي أن يقيس الفعل بالفعل أو المكان بالمكان وهذا يعلمه من درس (أ، ب) في علم المنطق أو أصول الفقه بل من فكّر ولو ب1% من عقله.
فقد نص الله على أن هذا الوادي مقدس وذكر المفسرون أنه مبارك (أي أنه أهم من بقية البقاع) بينما الصلاة قد تؤدى في أي أرض (وإن لم تكن مقدسة) أما في مكة (المقدسة) فعندها تخلع النعال (فخلع النعال منوط بقداسة الأرض لا بفعل الصلاة نفسه، أما فعل الصلاة فقد جاز للراكب والمجاهد متقلدا أسلحته ودروعه ثم لمَ القياس أساسا وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في الخفين بالقول والفعل معا ؟
قال ابن رجب الحنبلي ((وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا. وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، قال له: أبالوادي المقدس أنت؟! وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة. وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنه أحدث - يريد: أنه ابتدع -)) فانظروا الفرق بين كلام الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه وبين كلام هذا المتهور (أعني فيما يتعلق بمسألة الوادي المقدس تحديدا)
#أقوال_أهل_العلم_في_الصلاة_بالنعلين:
قلت صهيب: لم يختلف العلماء بين محرم ومجيز للصلاة في النعلين بل اختلفوا بين قائل بالإباحة وقائل بالاستحباب (فتخيلوا أن هذا الرجل بغير علم طعن فيمن يرى مجرد الجواز فكيف يكون موقفه إن علم من الشيوخ الذين لا يمكنه الطعن فيهم كونه منتميا للأشعرية انتسابا إن رآهم يقولون بالجواز والاستحباب فوق ذلك ؟)
1 _ قال ابن رجب الحنبلي ((والصلاة في النعلين جائزة، لا اختلاف بين العلماء في ذلك، وقد قال أحمد: لا بأس أن يصلي في نعليه، إذا كانتا طاهرتين، وليس مراده: إذا تحقق طهارتهما، بل مراده: إذا لم تتحقق نجاستهما)) [فتح الباري لابن رجب الحنبلي "يتشابه في الاسم مع كتاب ابن حجر"]
2 _ قال ابن رجب الحنبلي أيضا ((وقد روي الأمر بالصلاة في النعلين، ما خرجه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، من حديث شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا في خفافهم))، وروى عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، قال: لم يخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة إلا مرة، فخلع القوم نعالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لم خلعتم نعالكم؟)) قالوا: رأيناك خلعت، فخلعنا، قال: ((إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا)). قال البيهقي: تفرد عبد الله بن المثنى، ولا بأس بإسناده. قلت: عبد الله بن المثنى يخرج له البخاري، كما تقدم. وهذا يدل على أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم المستمرة الصلاة في نعليه، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا. وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة، قال له: أبالوادي المقدس أنت؟! وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة. وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة، ونسبه إلى أنه أحدث - يريد: أنه ابتدع -. وكان النخعي، وأبو جعفر محمد بن علي إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما، وصليا فيها. وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال، منهم: أبو هريرة، وغيره. وقال الشافعي -ونقلوه عنه-: إن خلع النعلين في الصلاة أفضل؛ لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما، ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي، وغيره من أصحابنا)) [كتابه فتح الباري "لابن رجب الحنبلي وليس فتح الباري لابن حجر العسقلاني].
3 _ قال النووي ((الحديثان صحيحان، والصلاة حافيا أفضل؛ لأنه الأكثر من فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما صلى بالنعلين في بعض الأوقات؛ بيانا للجواز، وخلعهما حين أخبره جبريل صلى الله عليه وسلم أن فيهما أذى، وإنما أنكر عليهم خلع نعالهم؛ لأنه يكره للمصلي إحداث الفعل في الصلاة من غير حاجة)) انتهى.
قلت صهيب: فليلاحظ أن العلماء اتفقوا على جواز الصلاة في النعلين وإنما كان السجال بينهم حول ( هل الصلاة فيهما مستحبة وهل الصلاة حافيا أفضل أم في النعلين أفضل) فعلى قول هذا المتهور كل هؤلاء من حزب الشيطان حتى شيوخ الأشاعرة الذين ينتسب إليهم وهو يجهل أقوالهم.
#الملخص: بالنقل والعقل والحس برهنت على بطلان كلام هذا المتهور الذي يلزم منه:
1 _ رد سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
2 _ الطعن في فتوى أجمع عليها علماء المسلمين.
3 _ قول عبارة توهم تكفير من أفتى بهذه الفتوى التي دلت عليها السنة وقال بقولهم كل علماء الإسلام.
4 _ استدل بالآية استدلالا باطلا مخالفا لقواعد الأصول ومخالفا لسنة الرسول ومخالفا لتفسير أصحابه وعلماء الأمة قاطبة وليته اكتفى بذلك وقال (لي رأيي وإن خالف كل الناس) وإنما تهور وحكم على كل من قال بغير قوله الذي انفرد به وحيدا أنه (من حزب الشيطان) فجعل بكلامه كل المسلمين من حزب الشيطان إلا هو والجهلة الذين يتبعونه.
#ملاحظة: الصلاة في النعال لا نقصد بها الدخول لمسجد مفروشٍ والصلاة فيه بالنعال فإن المشي في النعال عموما خارج الصلاة باتفاق البشر لا إشكال فيه ومع ذلك لو دخل الناس مكانا مفروشا لخلعوا نعالهم حتى لا تصاب ببقع التراب "الذي يعد فقهيا طاهرا لكنه لا يناسب تلطيخ الفرش به" وهذا ليس له أي علاقة بحكم الصلاة في النعال وإنما له علاقة بالفرش نفسه سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، أي سواء دخل المرء وداس على الفرش وهو لا يصلي أو يصلي فالمشكلة في الفرش، أما الصلاة في النعال فهي صحيحة وليس شرطا أن تؤدى فوق الفرش، قد تكون في الأرض، أو البلاط ونحو ذلك وحتى من صلاها في الفرش فصلاته صحيحة ولكن عليه أن يحل مشكلته مع الفرش الذي غبّره سواء في بيته فيغسله فإن لم يكن المسؤول عن نظافته فلا يتعب الناس بغسله سواء كان ضيفا عند الناس أو في المسجد (فقط من هذا الباب).
كتبه #صهيب_بوزيدي


