أيهما الأهم في العلم آلجودة أم الكم
#مقدمة: أفتتح المقدمة بجدليتين إحداهما تنصر الجودة والأخرى تنصر الكم:
#الجودة:
#السؤال_الأول: النبي صلى الله عليه وسلم رجل واحد ومن هذا العصر خذ مائة رجل فأيهم أهم آلنبي صلى الله عليه وسلم أم المائة رجل ؟؟؟ فالمائة رجل غلبت الرجل الواحد من حيث العدد (الكم) ولكن النبي صلى الله عليه وسلم غلبهم من حيث الجودة فهل الجودة أهم أم الكم ؟ ومثله يوسف عليه السلام رجل واحد حكم خزائن مصر فنجت من هلاك وجفاف محقق فكان هذا الرجل خيرا من ألف رجل.
#السؤال_الثاني: قال الله (( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66))) فلاحظوا أن عشرين رجلا من الجودة العالية يغلبوا مائتين من جودة (الذين لا يفقهون) ولما ضعفت الجودة إذ قال الله ((الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا)) صار المائة بالمائتين ومع هذا الضعف بقيت الغلبة للنوعية الأجود فأيهما الأهم الجودة أم الكم ؟؟؟
#الكم:
#السؤال_الأول: قال الله (( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )) هنا أشار الله إلى أهمية العدد فقلل الأعداء في منام النبي وجعل الكثرة من أسباب الفشل للخصم ثم قال ((وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)) فدل ذلك على أن الكم في الحرب أهم من الجودة آنذاك فرغم أن الجودة في صف المسلمين إلا أن الكمية تلعب دورا مهما لذلك قلل الله المشركين في أعين المسلمين والعكس بالعكس. فهل الكم هو الأهم أم الجودة ؟؟
#السؤال_الثاني: نفس الآية في السؤال الثاني الذي ينصر كون الجودة أهم حجة ضد من ينصر الكم فيقول صحيح أن الجودة كانت أهم مقابلة الكم القليل ولكن بالكم الكثير ينتصر الكم على الجودة ولذلك لم يجعل الله بكل مسلم ألف مشرك بل جعل بكل مسلم عشرة مشركين ثم خفف العدد الى مشركين بكل مسلم فدل ذلك على أن الكم لو ازدادت كثرته فوق عشرة أضعاف لغلب الجودة سواء قبل النسخ أو بعده. فهل الجودة أهم من الكم ؟؟؟
#الجودة_والكم_في_مجال_العلم_بين_الماضي_و_الحاضر:
#الماضي: كان ولا يزال أهم شيء في العلم الديني هو القرآن الكريم وتعلمه ولكن الفرق بين الماضي والحاضر هو انتهاء الرواية في هذا العصر بعد أن دون الحديث في الأصول والمدارك (الكتب الستة والمسانيد والمصنفات) فلم يعد هناك حاجة لأخذ العلم رواية بخلاف ذاك العصر الذي قال فيه إبن سيرين (إن هذا العلم دين فاعرفوا عمن تأخذون) فاشترط العلماء في الرواية الصحيحة شروطا خمسة منها عدالة الراوي وهي ما يمثل الجودة ومثله الضبط وهي الجودة أيضا فكانت الجودة آنذاك هي الأصل في تحصيل الكم (عدد المحفوظات) ولكن لم يكن لتلك المحفوظات أي قيمة ما لم تحدد جودة الرواة فيها فلو حفظ أحدهم رواية في سندها كذابون ولم يعلم بوجود أولئك الكذابين فقد غلبت سوء الجودة الكم الذي في حافظته ويكون بذلك الحافظ للحديث الصحيح الواحد يدري صحته أفضل من الحافظ ل 500 حديث لا يدري صحة أي منها ومثله من حفظ 1000 حديث يعلم صحيحها من ضعيفها أو يعلم ترجمة رواتها يكون أفضل من حافظ 2000 حديث لا يعلم صحيحها من ضعيفها وحديث واحد مسند خير من عشرة أحاديث معلقة أو بلا سند فنلاحظ أن الجودة كانت غالبة على الكم حتى في عصر السلف رغم حاجتهم آنذاك للكم الوفير من النقل والتدوين لأنهم كانوا الحقبة التي لابد للتراث الإسلامي أن يمر من خلالها سالما إلى الأجيال الكسولة التي تليهم فيما بعد ومن حكمة الله ونعمته أن جعل تلك الحقبة في عصر أولئك الأخيار الذين حفظ بهم الدين ولو كان أهل زماننا في تلك الحقبة لضاع الدين وضاع التراث ولكن ((ليقضي الله أمرا كان مفعولا)) ولو نظرنا في قصص السلف وتذكير بعضهم لبعض بقصة صاحب الرغيف وصاحبة الهرة المحبوسة والتي سقت الكلب فعلموا أن الفعل الواحد من الشر قد يمحوا عمل عشرين سنة وأن الفعل الواحد من الخير قد يمحوا ذلك الذنب الذي رجح بالعشرين سنة كما في قصة الرغيف فغلبت الجودة الكم حتى في الحسنات والسيئات ومثله حديث النبي صلى الله عليه وسلم لجويرة رضي الله عنها إذ وجدها تذكر الله من الصبح إلى طلوع الشمس فقال آعلمك كلمات تزن ما قلت ؟ فقالت بلى فقال (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته 3 مرات) فكانت الجودة هنا أهم من الكم والأمثلة في ذلك كثيرة جدا أختم فيها بمثال الخوارج إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فدل هذا الحديث على أهمية الجودة إذ أن صلاة الخوارج من حيث الكم وبذل الجهد أكبر من صلاة الصحابة ولكن من حيث الفائدة فصلاة الصحابة أفضل بكثير وهنا غلبت الجودة الكم فهل كان ذلك كذلك في عصر السلف فقط أم أن عصرنا أحوج إلى الجودة من عصرهم ؟؟
#الحاضر: في هذا العصر بالذات نحتاج إلى الجودة أكثر مما نحتاج إلى الكم فلا فائدة من تكرار المكرر وإني لأعجب من كثير من المدرسين يكررون نفس البرامج القديمة فيحمل كتابا فيه شرح لمتن معين ثم يقرأ على طلبته من ذاك الشرح والطلبة مستمعون بلا حراك إلى نهاية الجلسة فيفترق المجلس ولم يكن لذاك الشيخ وظيفة إلا قراءة ما في الكتاب وكأن أؤلئك الحاضرين لا يحسنون القراءة بأنفسهم وبعضهم يذهب لحلقات شيخ ما فيحضر له الدرس إلى النهاية ثم يولي منصرفا ويظن نفسه تلميذا له ولا يعلم أنه والمستمع للشريط في البيت سواء ما لم يسأل شيخه ويستفسر منه ويستفهم منه بل ويناقشه فلن يستفيد إلا بالقدر الذي يستفيد منه المستمع للشريط في البيت ونحن في عصر لسنا نقود فيه الأمم وإنما نقاد من قبلها أفلا يكفي ذلك دليلا على وجود خلل ما في معيشتنا وطريقة تعاملنا مع هذه الحياة ؟؟؟ فنحن في أمس الحاجة إلى جودة العلم إضافة إلى الكم ولكن المميز من جود علمه لا من كثره فحسب والأفضل من هذا وذاك من جمع بين الجودة والكم فنحن في عصر كثر فيه المتكالبون على الإسلام ووجب صدهم في كل المجالات التي يهاجمون منها ولابد لنا من توظيف كل العلوم لخدمة هذا الدين العظيم فنريد من يتعمق في الفكر ومن يتعمق في السياسة والفيزياء والطب والهندسة واللغة العربية واللغات الأجنبية خاصة الإنجليزية والأردو واليابانية نريد المتخصصين في الإعلام الآلي والتكنلوجيا الحديثة بمخلتف مجالاتها والفلسفة وعلم الكلام والمنطق القديم والمعاصر نريد من يتخصص في التجارة وأما العلوم الدينية فنريد متخصصين في رد شبهات الملاحدة واللادينيين بكل أنواعهم وأشكالهم وكذلك في الديانات الأخرى نريد متخصصين في تنقيح الروايات الموجودة في التفاسير كتفسير الطبري وابن كثير مثلا أو العمل على تيسير الكتب القديمة أو الرد على الشبهات بكل أنواعها // نريد جيلا قويا في التأصيل العلمي يستدل بما يفحم الخصم ويقطع دابره لا بما يملي عليه الكتاب فلكل عصر شبهاته ولكل شبهات أدلة والردود تتنوع والشبهات لا تنتهي وكلما اختلف في شيء تمحص الحق فيه وهذا ما نقصده بجودة العلم /// رجل يقرؤ 500 صفحة في مواضيع لا تهمه كثيرا فرق بينه وبين من قرأ 50 صفحة من كتاب الصفدية مثلا او الرد على المنطقيين // رجل يحفظ كتابا كتبه بشر مثله وإن كان عالما فالأولى به إعطاء الأولية لحفظ كتاب الله أو سنة نبيه حفظا مصحوبا بفهم عميق بحيث يفهم كل آية بمعناها ويعرف الأقوال المختلفة في تفسيرها ويميز المعتبر منها من اللا معتبر ويرجح الصحيح من المعتبرة ويتبحر في الآية الواحدة حتى يفهمها فهما متقنا ولا يهم المسارعة في إنهاء قراءة كتاب ما دون فهمه بل يجب قراءته بطريقة تمكن الطالب من إعادة كتابة كتاب مثله من حافظته فتلك أرقى درجات الفهم والأرقى منها أن تستطيع الإضافة عليه بما لم يكن في الكتاب فتجمع بين الفهم وإنشاء العلم وفي هذا القدر كفاية وتتمة الكلام في الجزء الثالث والأخير من المقالة بعنوان: نوع العلم المفيد وهل العلم النافع والشرعي هو العلم الديني فقط ؟؟
كتبه صهيب بوزيدي ..... يتبع

