أقوال الصحابة والفقهاء في التضحية بإوزة أو دجاجة

الفقه وأصوله

كتبت مقالا طويلا جدا عن حكم التضحية بغير بهيمة الأنعام ثم تركت الهاتف دقيقة وعدت إليه فإذا به يحذف لتحرر مساحة الذاكرة الحية من الهاتف لن أعيد كتابته لأني تعبت ولكن ملخصه ما يلي:

#قول_المجيزين_للتضحية_بما_تسير_ولو_بطائر:

وجود من أجاز التضحية بالطائر والديك والدجاجة ونُقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه فقال ((يكفي في الأضحية إراقة الدم ولو من دجاجة وأوز)) وقيل قد ذكرها في العقيقة وقيست عليها أضحية العيد وبه قال الباجوري ((كان شيخنا يأمر الفقير بتقليد ابن عباس، ويقيس على الأضحية العقيقةَ، ويقول لمن وُلد له مولود: عُقّ بالديكة على مذهب ابن عباس))، وأجازها بلال بن رباح رضي الله عنه إذ قال سُوَيد بن غَفَلة: سمعت بلالًا يقول: ((ما أبالي لو ضحيت بديك. ولأَن أتصدق بثمنها على يتيم أو مُغْبرّ أحبُّ إليّ من أن أضحي بها)) وقيل إن الشق الثاني من الرواية مدرج من سويد فعلى ذلك يكون متبنيا أيضا لهذا الرأي، والروايتان رواهما عبد الرزاق الصنعاني وابن حزم بإسناده وروى الأولى الإمام البيهقي أيضا، كما قال بهذا الرأي الإمام ابن حزم الذي قال ((والأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو طائر، كالفرس، والإبل، وبقر الوحش، والديك، وسائر الطير والحيوان الحلالِ أكلُه)) وأجازها ابن المبرد الحنبلي وكتب فيها رسالة بعنوان [الرد على من شدَّد وعسّر في جواز الأضحية بما تيسر] والذي ذكر قولا لعدد من العلماء أنهم قالوا: ((إن الأضحية يجزئ فيها كل ما يَحل أكله من طائر وذي أربعٍ مباح)) ثم قال ((وهذا الذي أختاره وأقول به)).

#قول_المانعين:

وهم الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) وهؤلاء حصروا الأضحية في بهيمة الأنعام وقد تفرّد الإمام النووي بادعاء الإجماع في المسألة وكان الإمام ابن مِبرَد يقول ((إن التضحية بما تيسّر من الحيوان المباح أكلُه "ليس بمخالف للإجماع؛ فإني لم أرَ أحدًا ذكر هذه المسألة بالإجماع ولا ذكر فيها إجماعًا، بل أكثر ما ذُكر فيه أنه محل وفاق)) علّق الدكتور معتز الخطيب على هذا الكلام قائلا: قلت لعله لم يطلع على قول الإمام النووي، ثم قال في آخر مقاله: ((ومن ثم فلا يُمنع التقرب إليه عز وجل بما لم يَمنع من التقرب إليه به، ولم يَرد نصٌّ بالمنع من غير "بهيمة الأنعام"))

قلت صهيب: نفهم مما سبق أنه لم يدّعِ الإجماع إلا الإمام النووي رحمه الله وجزم بعدم وجود الإجماع كل من ابن حزم وابن مبرد وغيرهما.

#فما_العمل_مع_الخلاف؟

أقول صهيب: قبل مناقشة ما يجزئ وما لا يجزئ من الأضحية يجب أن نعرف حكم الأضحية نفسها:

1 _ أنها ليست واجبة وإنما سنة مؤكدة وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة وابن حزم الظاهري وغيرهم.

2 _ أنها واجبة للموسر: قال به الأحناف والليث بن سعد والأوزاعي وربيعة وابن تيمية (مخالفا للحنابلة).

إذًا فلو ذهبنا نقسّم أقوال العلماء بين مجيز للتضحية بدجاجة أو ديك وبين مانعٍ واضعين في الاعتبار اختلافهم أيضا في حكم الأضحية بين موجب لها على الموسر وبين قائل بالاستحباب استخلصنا الفوائد الفقهية التالية:

#أولا: اتفق جميع العلماء على أن الأضحية لا تجب على غير موسر، وقد وضحت في مقالٍ سابق حد الموسر في كل مذهب.

#ثانيا: القائلون بجواز التضحية بدجاجة هم القائلون باستحباب الأضحية من أساسها ولو ببقرة أو كبش.

#ثالثا: رغم كون الجمهور لا يرى أن التضحية بدجاجة تجزئ إلا أن العلماء قاطبة يتفقون على أن غير الموسر تسقط عنه الأضحية ومنه فإنه لو ضحّى بدجاجة ولا يضحي بها إلا معسر فسواء كانت مجزئة له أم لم تكن مجزئة فإنه لا يأثم بترك فريضة الأضحى إجماعا وذلك لأنها ساقطة عليه حتى عند القائلين بوجوب الأضحية، فضلا عن القائلين باستحبابها فإنه لا يأثم عندهم ولو ترك الأضحية من أساسها ولو كان موسرا وتركها.

#رابعا: روي أن أبا بكر وعمر تركا أضحية العيد عمدا حتى لا يظن أنها واجبة وروي عن ابن عباس وبلال بن رباح القول بإراقة الدم ولو دم ديك أو دجاجة ويُفهم من هؤلاء الصحابة أنهم كانوا يرون التيسير في الأضحية وعليه فإن المضحي بدجاجة حتى ولو كان آخذا بقولٍ مرجوح "جدلا" فإنه معذور لوجود من قال بذلك من العلماء منهم اثنان من خيرة الصحابة.

#خامسا: إن لم تجزئ المضحي الأضحية بدجاجة فإنه لا أقل من أن ينال بها أجر التقرب إلى الله بها، ومعلوم أن الذبح باسم الله وحده فيه أجر، وتقديم القربان لله فيه أجر، وذبح الدجاجة لإطعام أهله وأولاده فيه أجر، فهو مأجور بكل الحالات سواء كان عنوان ذلك الأجر "أضحية العيد" أم غير أضحية العيد، مثله كمثل من أراد صلاة النافلة وقرأ ما شاء الله أن يقرأ من القرآن ثم حضره أنه صلى بغير وضوء فإنه وإن لم تقبل صلاة نافلته قُبل منه قراءته للقرآن إذ لا يشترط فيه الوضوء والنافلة أساسا مستحبة وقراءة القرآن مستحب خاصة إن صلى صلاة طويلة كصلاة القيام فإنه يقبل منه قراءة الحزب أو الحزبين في تلك الركعات وإن لم تقبل صلاة النافلة نفسها، والهدف أساسا واحد "تحصيل الأجر".

#سادسا: إن من رحمة الله أنه لا يحاسب عباده بطريقة جافة بشرية "وكأنها عمل رقمي يخص آلة حاسبة" وإنما نصت الكثير من الأدلة على أن الله ينظر للموقف نفسه وقد يقبل من الموقف الصادق وإن بدا ضعيفا ما لا يقبله من الموقف الكاذب أو الأقل صدقا وإن بدا قويا، لذلك روي أن الله غفر لرجل لم يعمل عمل خير قط إلا أنه أماط شوكا أو جذعا عن الطريق فشكر له فغفر له وأدخله الجنة كما غفر لبغي من بني إسرائيل لسقيها كل.با في حذائها وغفر لمن لم يعمل عمل خير قط ثم أمر أولاده أن يح.رقوه إن هو مات ويذروا نصفه في يوم عاصف ونصفه الآخر في الماء فقال له كن فكان جسدا واحدا فقال أي عبدي ما حملك على ما صنعت ؟ قال خشيتك ؟ قال فاعلم أني قد غفرت لك، فأدخله الجنة رغم أنه لم يعمل عمل خير قط وسامحه عن جهله يوم قال (لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا نكرا) فشك في قدرة الله وهذا كفر إلا أن الله عذره بجهله، فمن باب أولى أن يعذر مسلما يضحي بديك لأنه لم يجد ثمن كبش أو بقرة "وإن كنت أجيز الاشتراك في ثمن الأضحية وقد فصلت ذلك في مقال سابق، وهو أفضل وأدعى لرفع الحرج عنه أمام أهله وأولاده وعلته كعلة التضحية بالدجاجة بل هي أقوى من ذلك لاتفاق العلماء على جواز التضحية بالضأن وإن اختلفوا في حكم الاشتراك فيها" ولكن هذا أو ذاك كله نتفق على أنه بعيدا عن الخلاف لا يأثم لو ترك الأضحية من الأساس لأنه غير موسر عند القائلين بوجوبها وغير ملزم بها عند القائلين باستحبابها وهو مأجور فيما ذكرنا وإن لم تحتسب له أضحية للعيد فستحتسب له أجرا آخر، والعبرة آخر المطاف بكسب الأجر وهذا قد حققه وهو المطلوب، وقد يجعلها الله مجزئة له وإن لم تكن كذلك لأنه ظنها مجزئة وعزز ظنه بقول علماء أجلاء من الصحابة وغيرهم كما لم يرد في القرآن ولا السنة ما يفيد المنع من التضحية بغير بهيمة الأنعام والأصل حمل النصوص على إطلاقها دون تقييدها.

#ملاحظة: عندما ذكرت أول المقال أني تعبت ولن أعيد كتابة المقال لم أكن أتصور أني سأكتب مقالا بهذا الحجم إنما أردت كتابة سطر أو سطرين فإذا بي أكتب هذا دون أن أشعر.

كتبه #صهيب_بوزيدي

شارك المقال:

من نفس الموضوع: الفقه وأصوله

الموقف من الترند الخاص بالشيخ الددو

الفقه وأصوله

1 _ ليس في القرآن ولا في السنّة ما يُحرّم هذا التصرف بغض النظر عن مدى نفعه أو عدمه. 2 _ هذا الفعل إن لم ينفع فإنه لا يضرّ. 3 _ قال الشوكاني في نيل…

أصولي المنهجية

الفقه وأصوله

1 _ مصادر التشريع عندي: القرآن بالدرجة الأولى والأعلى ثم السنة المتواترة ثم ما صح من أحاديث الآحاد. 2 _ أصولي في علم الحديث هي أصول أهل السنة ولكني أعني…

مناظرة مع نفسي حول مصدرية الإجماع: الحلقة 3

الفقه وأصوله

نقض الجزء الثاني من الدليل الأول. قال الله ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق..)) لا علاقة لهذه الآية بحجية الإجماع ولا…