أفكار خاطئة حول التواضع والكِبر
#أولا: الفرق بين التواضع والمذلة.
1 _ التواضع أن تُعامِل الناس باحترام لا تزدريهم لأجل عرقهم أو شكلهم أو أوضاعهم المادية، وقد تتجرد طوعا عن ألقابٍ تستحقها فلا تذكّرُ بها مادام الوسط يحفظ مكانتك وهيبتك.
2 _ المذلة أن تسمح للسفهاء بالنيل من كرامتك وهيبتك ومكانتك فينزلوك منزلا دون منزلك فترضى بذلك وتقبل منهم الأساليب الماكرة في التقليل من قيمتك فهذا ليس تواضعا وإنما هو الذل والهوان عينه.
#ثانيا: الفرق بين الكبر والترفّع.
1 _ الكِبر كما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم (بطرُ الحق وغمط الناس) [رواه مسلم] وبطرُ الحق هو جحوده والمعاندة فيه احتقارا لقائله أو لأن الجاحد جعل نفسه في منزلة لا يرى غيره مؤهلا لنصحه أو إظهار الحق له، وأما غمط الناس فهو احتقارهم وازدراؤهم فهذا هو الكِبر.
2 _ أما الترفع فهو لفظ له معنى أوسع من الكِبر فكل كبرٍ ترفع وليس كل ترفع يكون كبرا ذلك لأن الكِبر هو الترفع بالباطل فبقي شقٌّ آخر وهو الترفع بالحق وقد علمنا الإسلام ذلك فقال الله ((وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)) وكما قال الشافعي: ((يخاطبني السفيهُ بكلِّ عيبٍ ... فأكرهُ أن أكونَ لهُ مُجيبا
يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حِلْمًا .... كعودٍ زادَهُ الإحراقُ طيبا))
ولا يقصد الشافعي هنا السكوت عن السفيه خوفا وإنما يقصد ازدراءه وتجاهله وتحقيره وعدم تشريفه بإنزاله منزلة الخصم والخصوم كالأصحاب لا يكونون إلا أندادا فكما قد يتواضع الإنسان فيصاحب من ليس ندا له في صفةٍ لأجل صفةٍ حميدة أخرى أعجبته فيه فقد يتنازل تواضعا في الخصومة فيخاصم من ليس ندا له في صفات معينة لأجل صفات تستحق الندية أو الاقتراب منها أما السفيه فلا يُنزل منزلة الأنداد بأي وجه من الوجوه لذا كان الترفع عنه حِلما لا كِبرا وكذا حثالة الناس والمجتمع لا يسمى الترفع عنهم كِبرا وإنما هو من النظافة والطهارة الحسية والمعنوية.
#ثالثا: الفرق بين الغُرُورِ والعُجب.
1 _ الغرور أن يعجب الإنسان بنفسه لأجل قوة مقدار صفات لم يبلغها وهو يحسب نفسه بالغها فكان ذلك من الغرر كمن يتكئ على شيء هشّ يحسبه متينا فيقعُ به.
2 _ أما العُجب فمفهومه أوسع إذ كل غرورٍ عُجب وليس كل عجب يكون غرورا فالمغرور معجب بنفسه بلا شك ولكنه إعجاب مبني على الغرر فهو مخطئ في تقدير نفسه أما الإعجاب بالنفس لأجل قوة مقدار صفةٍ حقيقية فهذا فيه تفصيل، إن كان في التقوى والعبادة والطاعات فهو منهي عنه لأن الأصل الذلة والانكسار لله والعجب يفسد الطاعة كما يُفسد المَنّ العطاء أما إن كان عُجبا في صفاتٍ لا ترتبط بتزكية النفس في التقوى كإعجاب الشخص بعلمه أو جماله أو ذكائه أو قوته الجسدية أو مواهبه فلا أعلمُ دليلا شرعيا ولا عقليا يمنع هذا ولكن يُفضّل تجنب إظهاره أمام الناس حتى يجنب الشخص نفسه تهمة الغرور فإن كان في موضع المعلم الذي يريد تعليم القاعدة وبدأ بها من باب الاستفزاز العقلي لغرض التعليم والتنبيه عليها فقد يكون أسلوبا نافعا مع من يفهم ويقدر ذلك فإن قُدر على تعليم الفرق بينهما دون الحاجة إلى إظهاره فهو أفضل، إلا أن هناك مقاما لا يُلام أبدا من أظهر مدح نفسه فيه وهو المقام الذي يراد فيه التنقص منه وإذلاله كأن يكون في حوار مع من هو أقل علما وفهما منه فيتهمه المخالف بالجهل أو قلة الفهم والذكاء فهنا لو رد عليه مظهرا قوته العلمية أو حتى أحرجه بالمنطق العلمي فأظهر لمخالفه ما يردعه عن إساءته لم يكن ذلك غرورا ولا عجبا مذموما وهو نظير أن يأتيك من هو أضعف منك فيتهمك بالضعف فتظهر له قوتك فتلوي ذراعه فيرتدع دون أن تضطر إلى إيذائه فإن إظهار القوة قد يجنبك وجع رأس الصِّدام وتكاليفه وإن كنتَ عليه قادرا ولهذا تُظهر الدول القوية اليوم قواتها العسكرية بالمناورات المصورة والاستعراضات العسكرية فذلك قد يجنبها خسائر الحرب وإن كانت المنتصرة فيها في النهاية.
كتبه #صهيب_بوزيدي
