أحكام حول أضحية العيد
هذه بعض الأجوبة على الأسئلة التي وردتني حول أضحية العيد:
#هل_الأضحية_واجبة_أم_سنة_مؤكدة؟
اختلف العلماء في حكم أضحية العيد فمنهم من يرى أنها واجبة على المقيم الموسر "أي الذي يتيسر عليه ذلك دون ضرر" وهو قول الأحناف والليث بن سعد والأوزاعي وربيعة ومن بعدهم ابن تيمية ورواية من الروايتين عن أحمد.
والقول الثاني هو قول جمهور الفقهاء: قالوا إنها سنّة مؤكدة "أي أنها غير واجبة".
ولكن الراجح عندي في هذه المسألة هو قول الجمهور، فقد استدل الموجبون لها بقول الله ((فصلِّ لربك وانحر)) على أن الأمر يفيد الوجوب ولكن ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثان أحدهما أنه ضحى عنه وعمن لم يضح من أمته والآخر أنه ضحى عنه وعن أمته جميعا فأسقط بذلك وجوبها عليهم لتصير سنة هدفها التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم "والآية توجهت بالأمر للنبي صلى الله عليه وسلم وحده" فإن قيل لماذا لا تُحمل السورة على أنها أفعال أمر موجهة لكل المسلمين قلت: إن الله قد قال ((إنا أعطيناك الكوثر فصلّ لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر)) ولا شك أن الحكم لو وجه لكل المسلمين لكان حكم شانئ أي مسلم أن يكون الأبتر وهذا غير صحيح فالوعيد في شانئ النبي صلى الله عليه وسلم وحده وكذلك قول الله (إنا أعطيناك) ولم يقل (أعطيناكم) فالخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، والكوثر هو النهر في رواية وهو الحوض في رواية أخرى والذي أعطاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وهو الذي يذاد عنه أقوام يقال له إنك لا تدري ما أحدثوا من بعدك، مما يدل على أن الخطاب في الأصل موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم لأن الله قال ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) صار مستحبا للمسلمين أن يهتدوا بسنته وهديه، فإن قيل إني لا أفهم من ذلك إلا عموم الوجوب لكل المسلمين قلت: إذا يلزمكم أن تفهموا من قول الله عز وجل ((يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا *أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)) وجوب قيام الليل كله إلا قليلا أو نصفه أو ما هو أقل أو أزيد بقليل من نصفه، فإن قيل إن سياق الآية الذي قال فيه الله (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) ولا شك أن الوحي لا يهبط إلا على النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الآية في الأصل خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم كان مستحبا للمؤمنين أن يتأسوا بسنته وهديه قلت هذا مثل ذلك وبمثل ما صح الاستدلال في المثال الثاني يصح في الأول فلا فرق بينهما.
ثم قلت: وبغضّ النظر عن خلافهم في وجوبها وسنيتها فإنهم اتفقوا جميعا على أن الفقير معفى من هذه الشريعة ويجوز له ألا يضحّي.
#ضابط_الغنى_الذي_تشرع_به_الأضحية_عند_المذاهب_الأربعة
وضابط الغنى الذي تشرع به الأضحية مختلف فيه بين المذاهب فالأحناف يجعلون الضابط في أن يكون غنيا مالكا لنصاب الزكاة وعنده مالٌ زائد عن حاجته، أما المالكية فالضابط عندهم أن يملك قوت يومه ويكون مال أضحيته زائدا عن حاجاته الأساسية إضافة إلى شرط عدم لحاق الضرر المالي به إن ضحى ولا يجوز أن يستلف لأدائها، وعند الشافعية فالضابط عندهم أن يكون له مالٌ زائد عن حاجاته اليومية وزائدا عن حاجاته لأيام العيد وأيام التشريق، وأما الحنابلة فشرطهم القدرة على ملك ثمنها زائدا عن حاجاته الأساسية وأجازوا الدين فيها لمن يقدر على الإيفاء بالدين بسهولة، كالرجل الذي يكون غنيا في الأصل إلا أنه مر بمرحلة مؤقتة لم يجد فيها سيولة فيستدين وهو يعلم قدرته على قضاء ذلك الدين بسهولة وهو يعلم أيضا أن ثمن أضحيته زائد عن حاجته الأساسية
#حكم_الاشتراك_في_الأضحية:
وهذا يقودنا لحكم الاشتراك في ثمن الأضحية فقد أجازوا الاشتراك في أضحية الإبل والبقر واختلفوا في أضحية الغنم فذهب بعض العلماء إلى منع الاشتراك في الأضحية وأجاز آخرون اشتراك أهل البيت في الأضحية مهما كثر عددهم.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ((وَالْحَقُّ أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ تُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ , وَإِنْ كَانُوا مِائَةَ نَفْسٍ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا قَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّة)) [نيل الأوطار].
قال ابن القيم ((وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنْ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ)) [زاد المعاد].
وقد استدلوا بما قاله أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه لما سأله عَطَاء بْن يَسَارٍ فقال: سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ كَيْفَ كَانَتْ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ)) [رواه الترمذي وابن ماجة].
قلت صهيب: وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم وقال ((هذا عني وعمن لم يضحِّ من أمتي)) فأشرك معه كل فقراء أمته غير القادرين على التضحية، فإما أن يُحمل الحديث على أنه ضحى عن كل فقراء المسلمين إلى يوم القيامة وأشركهم في ثمن أضحيته فتسقط بذلك عنهم جميعا وإما أن يكون المقصود إشراكه الفقراء المعاصرين له فقط إذ التضحية في الأصل لا تؤدى قبل وقتها وكل عام له تضحيته، وعندها يكون قد سنّ للمسلمين جواز الاشتراك في الأضحية، وهذا الذي أقرره في المسألة وهو ما أدين الله به.
كتبه #صهيب_بوزيدي
