أحد المداخلة يقع في كارثة عقائدية

المداخلة والمنهج

#ملاحظة: المقال للرد على هذا المدخلي وحده دون إلزام بقية المداخلة بكلامه، وإنما غاية ما نقوله: هذا هو مآل الغلو وتقديس الأشخاص في المذهب المدخلي.

والغرض من الرد عليه ليس لإلزام الطائفة كلها وإنما لكون محتوى الرد عليه نافعا في الرد على العقلية المدخلية بصفة عامة، وقد يمكن تقسيم المدخلية إلى قسمين (المدخلية الرسمية وهي كلام شيوخهم الظاهر المصرح به / والمدخلية العميقة وهي ما يتم تداوله وتناوله على مستوى أتباع المداخلة من دون أن يكون للشيوخ موقف رسمي منه وهذا سببه الفتاوى التي تُنشر تحت اسم "لا تحدث بها العوام، لا تخبر بها إلا الإخوة السلفيين 'أي المداخلة'" وهي التعليمات التي تنزل وفق السلّم الهرمي حتى تعمّ كل أتباعهم فتجد السلوك الصادر منهم في مصر كالذي يصدر منهم في الجزائر أو السودان أو غيرها".

وخير مثالٍ على ما أقول: يزعم المداخلة أنه لا يحق لأحد منهم أن يجرح أحدا وإنما التجريح من حق مشايخهم فقط، فهذا ظاهر دعوتهم، لكن عند التطبيق يتم تجريح وهجر مخالفيهم من غير الرجوع لشيوخهم وذلك لأن القواعد التي يسيرون عليها واضحة ولو لم تكن معلنة جميعا.

ويتضمن ردي على هذا المدخلي أيضا فوائدا في التفسير والقرآن وطرق الاستدلال والمنهج الإسلامي في التعامل مع التزكيات كما يتضمن بعض الأصول المنطقية والعقائدية لذلك أرى أنه قد يفيد القارئ بغض النظر عن موقفه من المداخلة أو من هذا الشخص المردود عليه تحديدا.

#بداية_المقال:

قال الله عز وجل ((قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا))

أما المدخلي فاستعمل نفس سياق الآية واستبدل كلمة القرآن بشيخهم فركوس، فهل يُعدّ كلامه شركا ؟ الجواب: نعم كلامه فيه شرك وافتراء على الله.

#أولا: معلوم أن القرآن جزء من كلام الله وكلام الله صفة لله لذلك تحدى الله المخلوقات أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا على ذلك لأن خاصية الله قوله ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) والمِثل هنا ليس مجرد التواطؤ العام في الصفة بين الخالق والمخلوق وإنما التواطؤ الخاص هو الذي يقتضي التمثيل، وهو الاشتراك في الكلّية مع التساوي في قوة أفرادها، أما التواطؤ من نوع التشكيك (الاشتراك في الكلية مع التفاوت في قوة الأفراد) فلا يُعدّ تمثيلا، بل أزيد وأقول (إن القدر المميز الذي يختلف به الله عن مخلوقاته هو تمامه في كل صفاته ونقصانهم في كل صفاتهم مما يقتضي استحالة وجود مثيل له بينما يمكن عقلا وجود مثيل لمخلوقاته ولو شاء لخلق الله من كل مخلوقٍ مخلوقا مطابقا له في كل الصفات أو بعضها).

فعندما يجعل هذا المدخلي شيخه فركوس في مقام القرآن ويتحدى المخلوقات أن يأتوا بمثله مع نفيه إمكانية ذلك فهو واقع في أحد مصيبتين أحلاهما مر:

1 - إما أن فركوس عنده مثل الله لا يمكن عقلا وجود مثله وهذا شرك بالله.

2 - وإما أنه اتخذ عند الله عهدا وأخبره بعدم وجود مثيل لفركوس فيصدق عليه قول الله ((قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)).

#ثانيا: استعمل هذا المدخلي نفس نظم القرآن مع تغيير بعض كلماته وإسقاطها في غير محلها ولا دلالتها بل وقد أسقطها في موضع يقارن فيه فركوس بصفةٍ من صفات الله ويزعم أن ليس له مثيل في المخلوقات، ومعلوم أن المنكّل بالقرآن أو المستهزئ به قد يقع في الكفر، وأما استعمال نظم القرآن في غير محله فقد حرمه كثير من العلماء أقتبس بعض أقوالهم من موقع (إسلام وجواب للشيخ صالح المنجد) فأقول: قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: ((وَلَيْسَ لأحد اسْتِعْمَال القرآن لغير مَا أنزله الله لَهُ ؛ وَبِذَلِك فسر الْعلمَاء الحَدِيث المأثور : ( لَا يُناظر بِكِتَاب الله ) أَي : لَا يُجْعَل لَهُ نَظِير يذكر مَعَه ، كَقَوْل القائل لمن قدم لحَاجَة : لقد جِئْت عَلى قدر يَا مُوسَى ، وَقَوله عِنْد الْخُصُومَة : مَتى هَذَا الْوَعْد ، وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ .

ثمَّ إِن خرجه مخرج الاستخفاف بِالْقُرْآنِ والاستهزاء بِهِ : كفر صَاحبه !!

وَأما إِن تَلا الْآيَة عِنْد الحكم الَّذِي أنزلت لَهُ ، أَو يُنَاسِبه من الْأَحْكَام : فَحسن ؛ وَمن هَذَا الْبَاب: مَا يبنه الْفُقَهَاء من الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالْقِيَاسِ ، وَمَا يتَكَلَّم فِيهِ الْمَشَايِخ والوعاظ)) (مختصر الفتاوى المصرية 172) .

قال الإمام السيوطي رحمه الله: ((من الاقتباس المردود تضمين آية في معنى هزل ، ونعوذ بالله من ذلك ، كقوله :

أوحى إلى عشاقه طرفه *** هيهات هيهات لما توعدون

وردفه ينطق من خلفه *** لمثل ذا فليعمل العاملون)) (الإتقان في علوم القرآن 1/387)

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ((فآيات الله عز وجل ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً .

أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت فهذا لا بأس به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد بالآيات على الوقائع ، فاستشهد بقوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن/15 .

حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما، فنزل من المنبر صلى الله عليه وسلم وقال : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة )التغابن/15، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع لا بأس به ، وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يرد الله بها ، ولا سيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء ، فالأمر خطير جداً)) (لقاء الباب المفتوح 60/ 13)

#ثالثا: وقع هذا المدخلي في خطأ فاحش آخر وهو تزكية فركوس إيمانيا وقلبيا عند قوله (هذه صلابة إيمانه وتمسكه بالحق ولا يخشى غضب السلطان) وزاد على ذلك أن رجم بالغيب فقال (ويحتمل "يقصد يتحمل" السجن والأذى ولو كان الموت).

ومعلوم أن الشريعة الإسلامية تنهانا عن تزكية أنفسنا في جانب التقوى والإيمان رغم أننا أدرى بقلوبنا من درايتنا بقلوب غيرنا فكيف جاز له أن يزكّي غيره ؟ ودليل تحريم ذلك قول الله عز وجل ((فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)) وقد تُفهم الآية بمعنى (لا يزكِّ أي فردٍ منكم نفسه) كما تُفهم بمعنى (لا يزكي بعضكم بعضا) ولا تعارض بينهما وقد يكون كلا المعنيين صحيحا (لا يزك أي فرد منكم نفسه ولا يزكي بعضكم بعضا) ويدل على المعنيين ما أورده ابن كثير في تفسيره إذ قال وهو ينقل حديث مسلم في صحيحه: ((عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تزكوا أنفسكم ، إن الله أعلم بأهل البر منكم" . فقالوا : بم نسميها ؟ قال : "سموها زينب")) ثم أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود وابن ماجة فقال ((مدح رجل رجلا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ويلك ! قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل : أحسب فلانا - والله حسيبه ، ولا أزكي على الله أحدا - أحسبه كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك)).

فإن تبيّن ما سبق علمنا أنه من المحرّم على المسلم أن يزكي قلب مسلمٍ آخر فإن كان مادحا له لا محالة فليقل "أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا ..".

بينما المدخلي دخل في تزكية قلب فركوس وذهب يرجم بالغيب ويتكلم عن شجاعة قد نتوقعها من أي جماعة إلا المداخلة فهم معروفون بمداهنة الظالمين ومعاونتهم على المستضعفين بالفتاوى الطاعنة فيهم والتي قد تصل درجة استحلال دمائهم، ثم عندما تجد المدخلي يتكلم عن تحمل فركوس غضب السلطان والسجن والموت وما شابه تحسب أن السلطان يترجى فركوس ليفتي للناس بطاعته وفركوس يمتنع ويأبى، ومن شاهد الحقيقة علم أن المداخلة جميعا بمن فيهم فركوس أصلهم الأعظم هو تثبيت عروش السلاطين فعن أي سجن وقتل يتكلم هذا الرجل ؟ أم أنه بسبب قول فركوس (لا يطاع الحاكم في معصية) وقوله (الطاعة للحاكم ليست مطلقة) ظنوه قد جاء بشيء جَبُن عنه كل الجزائريين ؟ فأقول للمدخلي مطمئنا له (اطمئن فالحاكم هنا لا يسمع بفركوسكم أصلا فلن يدخله للسجن ولا هم يحزنون فاطمئن) ثم إن دخول الشيخ للسجن حسب قاموس المداخلة كان بالأمس القريب علامة على أن الشيخ خارجي مبتدع، بل وفي الميدان يصفون من خرج من غوانتانامو بالخارجي لمجرد دخوله هذا السجن "الأمريكي"، فكيف لمن سُجن في بلاد عربية ؟ لماذا لم نسمع ثناء المداخلة على سجناء السعودية ومصر ؟ حتى ولو كانوا ضد منهجهم فلماذا لم نسمع منهم كلمة منصفة في مدح شجاعتهم وصلابتهم وثباتهم ؟ يتركون الواقع الحاصل فيجحدونه ثم يمدحون الوهم الزائف، ولأن شيوخ المداخلة لم يذوقوا أي محنة صاروا يحاولون تلفيق محن خيالية مزيفة ليلصقوها بهم، فمرة يقولون (الخارجي فلان يهدد الشيخ رسلان بالقتل والشيخ رسلان يستودع طلابه وسط بكائهم) ومرة يقولون (السمع والطاعة للحاكم ولو ضرب ظهورنا) بينما لم يضرب ظهورهم ولا هم يحزنون وقد ذكرني ذلك بشخص صدع رأسي بالكلام عن طاعة ولي الأمر ثم مررنا بالدرك الوطني فكتبوا له مخالفة، فبعد أن انطلقنا صار يقول (يحيا الإره*اب، مليحلهم الإره**اب المجاه*دين فرات ما يستاهلوش المطيعين لي كيما أنا)، فمن أجل مخالفة مرورية انقلب 180 درجة ليهدأ بعدها ويعود لدعوته القديمة.

وفي نفس الوقت الذي يلتزمون فيه طاعة الحاكم ولو ضرب ظهورهم تجده يقول (لا يخشى الحاكم ولو سجنه أو قتله)، تحس أنهم يشتاقون إلى السياط سواء مع الحاكم أم ضده "المهم أن يكون الضرب موجودا" وواقع أمرهم مختلف جذريا عن فرضياتهم في الكلام.

#رابعا: من خطط المداخلة الغلو في مدح شيوخهم حتى تأليههم وذلك ليسعى مخالفوهم إلى مفاوضتهم في عدم عصمتهم فحسب فيسلمون لهم بعالميتهم وصلاحهم ونحن ولله الحمد لا ينطلي علينا ذلك فحال هذا المدخلي في وصف فركوس كحال من يريد بيع دراجة هوائية قديمة فيحاول إيهامك بأنها مكوك فضائي أو طائرة نفاثة حتى إذا فاوضته فيها صرتَ تقبل منه أن يجعلها سيارة فخمة من نوع لامبرغيني أو فيراري وتنسى أنها في الأصل دراجة هوائية فتشتريها ب 200000 دولار بينما قيمتها الحقيقية 10 دولارات فقط.

كذلك فعلوا مع شيوخهم.

كتبه #صهيب_بوزيدي.

أحد المداخلة يقع في كارثة عقائدية
شارك المقال:

من نفس الموضوع: المداخلة والمنهج

هل يحارب النبيُّ السلفيةَ في منام شمس الدين

المداخلة والمنهج

ظهر شمس الدين في مقطع مصور يقول فيه (راكم معروضين للمعرض الدولي راني راح نخرج كتابي الجديد الذي سميته استيلاء اللصوص على النصوص كتبت هذا الكتاب ولم أضع له…

المقنين الزين

المداخلة والمنهج

لا أدري ما مشكلة المداخلة مع قصيدة المقنين الزين ؟ ألأنها بالجزائرية أم لأنها قيلت في شهيد من شهداء ثورة التحرير الجزائرية أم لأنها صدرت من إمام لا ينتسب…

تربية عبيدِ الأقدام

المداخلة والمنهج

علّق عبدُ الأقدامِ هذا بمقطع فيديو لشيخ لم أره ولم أسمع به في حياتي قطّ ولا أدري من أين جاء به فقال له أصدقائي (نتمنى أن تدعوه لمناظرة الأستاذ صهيب) فردّ…