هل الإلحاد شرك
#نوعية_الحجج_في_المقال: (حجج عقلية مستقاة من القرآن).
#ملاحظة: هناك معلومات ذكرتُها في هذا المقال تصلح لافرادها بمقالات مستقلة ولكن ليكون المقال متناسقا ومتكاملا فوجب أن أحيطه من معظم الجوانب التي يتسع لها حجم "مقال" من وجوب الاختصار وعدم التشعب.
#السؤال: هل الإلحاد شرك؟ علما أن الشرك أن تؤمن بالله وتشرك معه غيره في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته فتجعل له ندا ومِثلًا في واحد منها أو أكثر بينما الملحد لا يؤمن بوجود الإله أصلا فهل يخرج من كونه مشركا؟ إن لم يكن مشركا فهل يغفر الله له بقوله "إن الله لا يُغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"؟
#الجواب: من وجهين والأول مقدمة للوجه الثاني.
#الوجه_الأول: إن الله قال "ويغفر ما دون ذلك" ولم يقل "ما سوى ذلك" أو "غير ذلك" والفرق بين هذه الكلمات هو أن كلمة "ما سوى ذلك" تُفيد كل ما سوى الشرك سواء كان من مرتبته أو دونه أو أعظم منه؛ وكذلك عبارة "غير ذلك" فتدل على المغايرة بغض النظر عن المرتبة أما "دون ذلك" فتفيد ما هو أدنى من الشرك وبما أن الإلحاد أعظم كفرا وقبحا من الشرك فمن باب أولى ألا يُغفرَ إذ لم يُغفر الشرك وهو دونه فكيف بالإلحاد الذي هو فوق الشرك؛ فتكون الآية نافية للمغفرة عن الشرك وكل ما كان أعظم كفرا وخطيئة من الشرك ومثبتتة للمغفرة في كل ما كان أدنى خطيئة من الشرك.
فلا تشمل المغفرة الإلحاد وسب الله واستبدال الخالق بخالق غيره من مخلوقاته فهذه أعظم من الشرك الذي ظاهره اثبات وجود الله ثم اشراك غيره به "ظاهره قولا" وعند تحقيق الوجه الأول سنعلم أو استبدال خالق بخالق آخر يُعدّ شركا ولا يكون المشرك مشركا إلا وقد استبدل الخالق بخالق آخر "أقره قولا أم نفاه".
#لكنه_قال: "ويغفر ما دون ذلك" ومعنى "دون ذلك" أي ما هو أهون من ذلك؛ ما هو أقل وأصغر من ذلك فيخرج بهذا المعنى ماكان أعظم من الشرك لأنه لا يكون دونه.
في معجم المعاني الكبير: ((هُوَ دونَهُ : أَيْ أَدْنَى مِنْهُ، أَقَلُّ مِنْهُ تَماماً، لَمْ يَصِلْ إلى مُسْتَواهُ.
شيء دُون: هيِّن
رَجُلٌ دونٌ : حَقيرٌ، خَسيسٌ)) انتهى من المعجم.
#ما_هو_الشرك؟ الشرك معناه اثبات وجود الله مع اشراك غيره معه في الربوبية أو العبادة أو صفاته "بمماثلة صفة لغيره بصفة له أو أكثر والمماثلة هي التواطؤ الخاص أي التواطؤ في الكلية مع التساوي في قوة الأفراد؛ ويخرج منه التواطؤ من نوع التشكيك وهو التوافق في الكلية مع التفاوت في قوة الأفراد فلا يكون هذا الأخير تمثيلا ومنه فلا يلزم منه الشرك".
#هل_يُسمى_استبدال_الله_بآلهة_غيره_بالكلية_شركا؟
الجواب: نعم؛ وهو أقبح من النوع الأول "اثبات وجود الله قولا واشراك غيره معه" فهذا يكون بتأليه غير الله من مخلوقاته وصرف الربوبية والألوهية عن الله كليا.
#الدليل: هو أنه ما من مشرك إلا ويعبد إلها غير إلهنا حتى ولو أثبت وجود الرب فإن الرب الذي ينسبه له بناتا وبنين ونقصا في صفاته وجهلا وعجزا أو عبثية مناقضة للحكمة فليس هو الرب المتحقق في الخارج؛ فهو وإن ظن أنه يُشرك بالله دون استبدال له لسانا فحقيقته تنافي ذلك إذ أن الصفات التي ينسبها لله "من نقص ونسبة الولد والشركاء له" ليست هي صفات الله الخالق التام الذي قال عن نفسه (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) ومع ذلك فسمى الله هؤلاء بالمشركين؛ قال الله عن مشركي العرب (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) وقال الله (أإله مع الله تعالى الله عما يشركون) والشاهد من الآية أن الله نزه نفسه عن ذلك ومعناه أن الله الذي معه إله غيره ليس هو الله المتعين خارج الذهن وإنما هو الموجود في أذهانهم الفاسدة ولا وجود له حقيقة لأن وجوده مستحيل لذاته فكيف يكون المسبب الغائي التام ثم يكون له شركاء في ذلك فيكون المسبب الغائي الناقص فلا تكون الذات نفسها جامعة بين التمام المطلق والنقصان فهذا تناقض يفيد استحالة التحقق لذات القضية.
فإن اتضح ما سبق عُلمَ أن الشرك أساسا لا يكون إلا باستبدال الرب بأرباب غيره لأن الرب الحقيقي لا يمكن أن يُشاركه في ربوبيته أحد فهو صاحب الملك التام ولو كان غيره معه شريكا له في الملك لما اتصف الله بصفة الملك التام إذ سيملك بعض الموجودات والبعض الآخر يكون مملوكا لشريكه "تعالى الله عما يشركون" وكذلك إما أن يكون الله داخلا في ملك شريكه وإما أن يكون شريكه داخلا في ملكه وإما ألا يملك أي منهما الآخر ولازم الأول أن الله مملوك وليس مالكا لكل شيء إذ لا يملك مالكه "سبحانه وتعالى عما يشركون" ولازم الثاني أن يكون شريكه مملوكا له فكيف يكون مملوكه شريكا له ؟ أفيمكن أن تصنع سيارة ثم يكون جزء من السيارة شريكا لك في صنعها ؟ فيكون بذلك قد ساهم في صناعة نفسه قبل وجوده ومنه يكون موجودا قبل أن يكون موجودا فهو متصف بالوجود في حال عدمه وبالعدم في حال وجوده وهذا تناقض واضح مجرد تصوره يدل على امتناعه؛ كما أن الشريك لن يكون مالكا لله فلا يكون تاما ولا يكون ربا فتنتفي ربوبيته وأما الحالة الثالثة فلازمها أن الله ليس مالك كل شيء إذ لم يملك شريكه وشريكه ليس مالك كل شيء إذ لم يملك الله فيكون كل منهما متصفا بالنقص في صفة الملك وماكان ناقصا في صفة من صفاته كانت ذاته ناقصة وما نقصت ذاته فلا يكون ربا مهما علت قوته لأنه محتاج إلى علة فاعلة "قرينة مرجحة" ترجح وجوده على عدمه وتكون مؤثرة في وجوده فلا يكون بذلك الأول.
ومنه فلا يكون المشرك واصفا لحقيقة الله وهو مشرك بل يصف غير الله لذلك قال الله: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) فجعل الله الشرك به كذبا في وصف ذاته وليس مجرد اضافة لذاته الحقيقية فبمجرد وقوع الشرك يقع الامتناع ويكون المشرك غير واصف لحقيقة الله ولذلك نزه الله نفسه عنه ذلك فقال "سبحان الله عما يصفون" وأبطل الشرك عقلا بقوله "إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" وهذا ما شرحتُه بأسلوب فلسفي قبل ذِكري للآية فقوله "لذهب كل إله بما خلق" أي لن يكون أي من الآلهة خالق كل شيء وإنما لكل منهم ما خلقه فكل منهم هو الخالق الناقص فلا يكون بذلك ربا؛ وقوله "ولعلا بعضهم على بعض" هو ما شرحته عندما قلت أن يكون أحدهما مالكا للآخر فيكون الثاني مملوكا له فيعلو الأول على الثاني أو العكس فيعلو الثاني على الأول وإن تساووا في القوة فكل منهم لن يكون خالقا أصلا لأن الناقص غير خالق ويصح فيه السؤال "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" فالناقص لا بد له من خالق ولا يكون مخلوقا من لا شيء ولا يمكنه أن يخلقه نفسه ويخلق غيره إذ يكون خالقا ومخلوقا لنفسه فهذا تناقض سبق بيانه فإن كان خالقا غير محتاج لخالق آخر فلا بد أن يكون تاما وهذا لا ينبغي للجمع من الخالق بل يكون للواحد الفرد الصمد.
#الوجه_الثاني:
بهذه المقدمة ندخل إلى الوجه الثاني وهو إشراك الملحد إذ استبدل الخالق بغيره ربا "الطبيعة؛ العلم التجرباني؛ الكون لمن كان يراه أزليا من الدهريين؛ والفراغ الكمي أو الطاقة لمن قال بأزليتهما من المعاصرين؛ وفي مجمل الأقوال تأليه العدم والصدفة دون نسيان البكتيريا المتطورة؛ وكذلك هواه"
قال الله: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
والشاهد: وصف الله لمن يتبع هواه بأنه عابد لهواه ومؤله له فقال (من اتخذ إلهه هواه) فيكون الملحد الذي استبدل الإله بهواه مشركا ودرجة شركه أعظم من درجة الشرك البسيط؛ وإن الملحد الذي نفى وجود الخالق جعل جوهر الإنسان هو مصدر الحقيقة المطلقة كما قال أصحاب الإلحاد الحداثي؛ وفي مرحلة ما بعد الحداثة نفوا الحقيقة المطلقة بالكلية فحق عليهم قول الله "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون" فنفوا بأنفسهم العقل مصدرا للمعرفة فكان لزاما لذلك نفي الحس وإن أقروه لفظا لأن عملية السمع والبصر لا تكتمل بمجرد تشفير الدماغ للمعلومات التي تحملها الفوتونات الضوئية عبر البصر أو الأمواج الصوتية عبر السمع أو الأستيل كولين عبر فتحه لقنوات فولطا لدخول NA+ وخروج K+ عبر المشبك العصبي فكل ذلك التشفير والقراءة لا يعدُ أن يكون اظهارا للصورة لكن الدماغ الحسي لن يخبر صاحبه بأن هذه صورة ذئب مثلا وأن الذئب يعض وله أنياب ولحم وشحم وعضم ودم فببطلان العقل مصدرا للمعرفة يبطل الحس اوتوماتيكا فيؤدي ذلك إلى العشوائية والعبثية في الأفكار وهذا ما يكون أشد ضلالا من ضلال الحيوانات "الأنعام" لأن الحيوان له غرائز "معلومات أولية" ويتقن التفكير؛ بينما من يضيّع ربه فيحق عليه قول الله (إن هم إلا كالأنعام) وذلك في حياتهم التي يعيشونها فلا حلال ولا حرام ولا هدف ولا غاية فهم يهيمون في الأرض يرتعوا منها وينتظرون موتهم ثم قال الله (بل هم أضل سبيلا) وذلك لأن لازم نفي العقل نفي الحس ونفيهما معا يجعل الإنسان في مرتبة أقل من مرتبة الحيوان وهي مرتبة العشوائية وانتكاص المبادئ الفطرية فيتفوق عليه الحيوان بالغريزة "الفطرة" التي ينكرها الملحد.
كتبه صهيب بوزيدي.

