متى تتكلم في السياسة
عندما أغفل عن متابعة السياسة لمدة نصف يوم ويسألني صديق لي عن الجديد أقول "لم أتابع منذ نصف يوم"؛ ولا أنشر شيئا في السياسة حتى أراجع أهم الأحداث التي فاتتني.
ثم يأتيني بعض الناس المعترضين ممن ينقطعون عن المتابعة لفترات تصل حتى الأسبوع بل وربما ينقطع لمدة شهر كامل عن كل جديد ثم يناقش في السياسة بكل ثقة واندفاع كأنه الذي يدير سياسة العالم في الخفاء.
بل إن بعضهم لم يتابع السياسة منذ سنوات وبعضهم لم يكن يوما مؤهلا لمتابعة السياسة فضلا عن فهمها الذي يتطلب دراسة (دراسة ولا أقول قراءة فحسب) دقيقة وعميقة لكل المجالات التالية:
1 - أصول الحديث "كي يميز الخبر الصادق من الكاذب".
2 - أصول الفقه " كي يتقن فهم الكلام ويحيط بالقواعد الفقهية التي يجهلها أكثر المعترضين اليوم".
3 - علم المنطق "كي يميز بين الأدلة ويعرف غثها من سمينها وما يرتقي للشبهة وما لا يخرج عن كونه محض دعوى".
4 - دراسة العلم السياسي كأصل كلي قبل اسقاطه على متعيناته "أي أن يتخصص في السياسة كما يتخصص فيها الأكاديميون في الجامعة".
5 - اتقان التاريخ عموما والتركيز على التاريخ "الإسلامي (منذ البعثة إلى عصرنا هذا)؛ والغربي؛ والآسيوي" والتركيز بشكل أخص على تاريخ القرون الأخيرة لدرجة معرفته ما حدث في الفيتنام فضلا عما حدث في الدول العربية والإسلامية؛ وأما دراسة تاريخ الخلافة فمن باب أولى وهو أمر مفروغ منه.
"من يعي ما أقوله جيدا في هذا الباب يعلم أن الدراسة التي أتحدث عنها قد يتناول القارئ فيها مئات الصفحات من أجل تحقيق وقعة واحدة فضلا عن الحقب الكبرى".
6 - دراسة الأنظمة الفلسفية والابستمولوجية والحضارية والإقتصادية.
وهذا الباب وحده يحتاج تعمقا في عدد لا يستهان به من العلوم الفلسفية والتجريبية والإقتصادية والإدارية.
7 - عدم الاكتفاء بالمعلومات الظاهرة لكل الناس وإنما النظر بعمق أكبر؛ فمن لا يعرف شيئا عن الجمعيات السرية وأقطاب الماسونية والدول العميقة والتوجهات الأديولوجية لكل جهة من الجهات السياسية العلنية والخفية لن يستطيع فهم السياسة بعمق.
8 - أن يكوّن الباحث ثقافة عسكرية وديبلوماسية فيفرق بين الخطاب الحماسي والخطاب الرسمي ويعرف باب التكتيك والإستراتيجية وما يكون خدعة وما يكون تنفيذا وما يُفعل ضرورة وما يُفعل خدمة لأجندات مشبوهة.
9 - أن يعرف أقطاب الصراع العالمي وأقطاب الصراع داخل الدولة بل المؤسسة نفسها ويميّز بين تقاطع المصالح والحلف المؤقت والحلف الدائم ويفرق بين تغيّر وجهات النظر والخطط لدى الساسة وبين كتمان التوجه من البداية ثم إظهاره عند الحاجة.
10 - أن يحلل كل معلومة تمر في وسائل الإعلام لتساعده على معرفة التوجه الحقيقي للمؤسسة؛ فمن خلال الأديولوجيات التي تمر في الإعلام الإخباري أو التحليلي أو الأفلام والمسلسلات وحتى الأنميات يمكن للباحث أن يعرف الخفايا والخبايا والمشاريع التي يحملها صاحب ذلك المنتج؛ ويميز بين الدولة التي تتعدد فيها الآراء وتتشكل فيها المعارضة الحقيقية وبين الدولة التي تصنع معارضة وهمية وبين الدولة التي لا تذرُ إلا الأفكار الموالية.
11 - ألا يكتفي الباحث بتحليل السياسة الخارجية دون الداخلية أو الداخلية دون الخارجية فكم من بلد سياسته الداخلية حسنة وسياسته الخارجية عار أو العكس؛ مع أن ذلك لا يمنع من اجتماع السوء أو الحسن في السياستين معا في الدولة الواحدة.
12 - أن يدرس القوانين الدولية والقوانين الداخلية للدول التي يهتم بملفها السياسي بقدر ما يستطيعه حتى تتضح له الطُرق جيدا.
13 - المحامي والعسكري والفقيه والمحدث والمتخصص في العقيدة والمفكر والفيلسوف والإعلامي والإداري والفلاح والصانع والتاجر والعامل والموظف والكبير والشاب والصغير والطبيب والمهندس والأستاذ في كل المراحل والمجالات والسائق والحرفي والرجل والمرأة والمتزوج والأعزب والبر والفاجر كل هؤلاء يمكن الاستفادة منهم وكل في مجاله قد يعطي معلومة مهمة تفيدك ولو لم تفده؛ فمعرفة كل هؤلاء معرفة مباشرة أو بعيدة تقرّب للباحث واقع الحياة فلا يتقوقع في جماعة لا يدري ما يحدث خارجها فخطئ في التصور ثم الحكم.
#الخلاصة: بعد تحرير كل ما سبق يبقى الباحث معرضا للخطأ والصواب لكثرة التعقيدات والتشعبات في السياسة؛ إلا أنه يفرق بين الأصول الكلية التي ينبغي معرفتها وبين القضايا الجزئية التي يختلط فيها الصواب بالخطأ؛ فبعد كل ذلك يمكنه أن يطرح رأيه ولا يكون بالضرورة صحيحا.
ثم يأتي من قرأ متنا أو متنين ليستنتج بكل ثقة أن ذاك المتن وحده يكفيه لاختيار توجهه السياسي ولو كان مؤلف المتن قد مات قبل قرون من الآن كما هو حال المدخلي صاحب الصورة أدناه.
#ملاحظة: المدخلي صاحب الكلام في الصورة أدناه هو أستاذ في الشريعة في المرحلة الثانوية؛ نعم لا تتفاجأ؛ إذا كان حال رؤوسهم مؤسفا فكيف بأتباعهم.
#ملاحظة_2: ما قرأه من يؤيد سياسة أردوغان في العقيدة قد يفوق ما قرأه شيوخ هذا المسكين بأضعاف مضاعفة؛ سواء في الجودة أو الكم.
وليسأل سجون السعودية يجد فيها من كتب مئات الكتب وألقى آلاف المحاضرات فضلا عما قرأه.
كتبه صهيب بوزيدي.

