ما رأيك في مقاطع تحفيز الأغنياء ونصائحهم

يردني سؤال: (هناك مقاطع تحفيزية وفيها نصائح من أغنياء مشاهير ينصحون الناس ليصبحوا أغنياء منهم آندروتايت وإيلون ماسك وغيرهم، هل ترى أن هذه النصائح أفضل من النصائح الموجهة من طرف دكاترة الاقتصاد والتجارة في الجامعات ؟)

#قلت_صهيب:

1 _ سمعتُ كثيرا من رجال الأعمال المشاهير يقولون (خذ النصيحة ممن جرّب كسب المال ولا تأخذها من أساتذة الجامعات إذ لو كانت نصائح الأساتذة مفيدة لنفعوا بها أنفسهم وصاروا بها أغنياء بدل أن يكونوا موظفين براتب لا يتجاوزون به مرتبة أصحاب الدخل المتوسط).

2 _ في نفس الوقت أعلم أن من قواعد رجال الأعمال التي يعملون بها (عدم إعطاء سرّ المهنة) وذلك لأن سر المهنة لو وزع على الناس جميعا لفعل الجميع مثل فعلهم ولا يمكن أن يصبح كل الناس أغنياء لأن ثروات الكرة الأرضية لا تكفي ليصبح كل الناس أغنياء، ولتقريب الفهم لنفترض أن 10 أفراد من الناس يملكون (100 مليون دولار) فإن كان (أحدهم يملك 90 مليون والثاني 9 ملايين والثالث 900 ألف والرابع 90 ألفا والخامس 9 آلاف والسادس 900 والسابع 90 والثامن 9 والتاسع 1 والعاشر 0) فإن ذلك الأول لن تكون من مصلحته تعليم بقية الأفراد كيفية اكتساب الثروات الكبيرة إذ لو تعلم العاشر كيفية كسب 10 ملايين فمن أين ستنقص تلك العشرة ؟ (فإما أن تنقص من جميع الأفراد الثمانية الآخرين الذين يملكون ما مجموعه 10 ملايين وإما أنها ستنقص من الأول) فلو أنه علمه كيف يكسب 40 مليون دولار فلا شك أنه سينقص من مال الأول وذلك لأن المبلغ نفسه 100 مليون، فلا يمكن للعاشر اكتساب 40 مليون إلا إن أنقص من ميزانية الأول ما بين 30 إلى 40 مليونا لتتوافق النسب مع الثروة الموجودة.

3 _ بناءً على ما سبق فإن الأستاذ الجامعي قد يقدم معلومات صادقة للطلاب لكنها معلومات غير حقيقية وغير صحيحة وغير واقعية ولو كانت نافعة لنفع بها نفسه.

4 _ أما الغني فيملك معلومات حقيقية ونافعة لكنه لن يكون صادقا في تقديم المهم منها لأن ذلك ليس في مصلحته، وأنا هنا أتكلم عن أصحاب (ملايير الدولارات).

5 _ لا يكون سبب الغنى لدى الغني بالضرورة معرفته بطرق تحصيل المال إذ قد يكون سبب ثرائه إرث بلغه أو ولد غنيا من الأساس، أو جاءته فرصة جعلته يقفز دفعة واحدة وقد يكون ممن سلك سبلا غير مشروعة ولا أخلاقية ويكون المتلقي عنه ممن يريد الكسب الحلال أو القانوني أو الحلال والقانوني في آن واحد، إذ ليس كل مالٍ حلال مسموح به في القانون وليس كل ما سمح به القانون يكون حلالا، وكثيرٌ من رجال الأعمال العالميين قد يكونون من غير المسلمين أصلا فليس محرما عندهم الربا ولا القمار ولا الخمر ولا المخد.رات ولا الد.عارة، ولا غيرها من المحرمات التي تزيد عن هذه أو تنقص.

6 _ ليس معنى كلامي أن كل غني يكون قد كسب ثروته بطريقة غير مشروعة، ولكن من الصعب جدا أن يصل الإنسان لثروة تقدر بملايير الدولارات دون أن يمس ماله ولو دولار محرم، ليس مستحيلا لكنه صعب جدا، إما الغنى الذي يكون من فئة ملايين الدولارات فما تحت فالوصول إليه دون اللجوء للحرام أقل صعوبة من الأول.

7 _ ليس كل أستاذ جامعي لم يحقق ثروة يكون سبب عدم تحقيقه لها عجزه عن فهم عالم الأموال والتجارة، وإنما قد تكون الأسباب كثيرة، فقد يكون السبب راجعا لكسله، فالكسول قد يفوت فرصا ذهبية لكسب المال لمجرد كسله، وقد يكون سببه الخوف، فالخائف لا يستطيع ممارسة التجارة إذ في كل مرة يخاف من احتمالات الخسارة فلا يتقدم للأمام، وقد يكون سببه عدم العثور على أي فرصة ينطلق منها كأن يكون فقيرا معدما وهذا يجعل عقله اللاوعي يفضل الاستقرار وضمان عدم الفقر على المجازفة، فالذي ذاق طعم الفقر اللاسع واللاذع قد يبقى خائفا من عودته إلى تلك الحال مدى الحياة، لذا نجد أكثر الناس يفضلون الطريق الآمن (الوظيفة) والتي تحميك من أن تكون فقيرا لكنها تحمي الغنى منك أيضا، فلن تجعلك لا فقيرا ولا غنيا، ومن الناس من لا يملك دافعا ليصبح غنيا من الأساس، سيرى أن وظيفته تكفيه ليعيش حياة كريمة يحقق فيها الضروريات وبعض الرفاهية فلا يجد في نفسه حاجة لأن يصبح غنيا، ويجب أن نتذكر أن كلامنا الأساتذة الجامعيين عموما لا عن أساتذة الجزائر، فالأستاذ الجامعي في أمريكا مثلا ليس راتبه كالأستاذ الجامعي في الجزائر.

8 _ إن نصائح رجال الأعمال المشهورين متضاربة فيما بينها وهذا يدل على أن لكل منهم طريقته الخاص فليس هناك منهج دقيق يؤدي باللزوم إلى الثروة.

9 _ كثير من هذه التحفيزات المصحوبة بموسيقى وأغنية تحفيزية من نوع (توغني دون لوفيد) تشعل في المستمع حماسة لحظية قد تنطفئ بعد انتهائه من السماع بخمسة دقائق، وقد تشعل فيه حماسا لا ينطفئ، مثلها مثل المواعظ المصحوبة بآهات حزينة قد تجعل المستمع يبكي للحظة ثم يعود كما كان وقد توقد فيه نارا لا تنطفئ إلى يوم موته، فالنتيجة ستختلف باختلاف المستمعين أنفسهم.

10 _ بعض هؤلاء يقولون (كي تصبح غنيا يجب أن تعمل وتنام فحسب، كل وقتك للعمل وبعضه فقط للنوم) وهي مثل النصائح الخاصة بالمجال العلمي (يجب أن تدرس وتنام فحسب) وأنا أرى أن هذه النصائح ليس لها أي معنى إن لم يفهم الإنسان سر الصنعة والمهنة، فالذي لا يملك عملا يعمله لن يستفيد من الاستيقاظ الباكر شيئا، سيستيقظ ليراقب الطيور وهي تزقزق إلى أن يعود للنوم مجددا، العبرة ليست بالوقت الذي يقظيه يقظا ولا حتى بالوقت الذي ينفقه في العمل وإنما السؤال (ما الذي يجب عليه أن يعمله تحديدا ؟) عندما يجد العمل الذي يقوده للثروة ويتلمس نتائجه أو تكون الطريق فيه واضحة فإنه تلقائيا سينفق وقته فيه، ومن الأغنياء من ينام أكثر من الفقراء وهو غني رغم ذلك.

11 _ وجدت أحدهم يقول في اليوتيوب، لأصبح غنيا يجب أن أتناول 6 بيضات على الساعة 04:30 صباحا ثم أتمرن ثم أبدأ بالعمل. وهنا أقول: هذا البرنامج صحي رياضي ولكن ما علاقته بالغنى والفقر ؟ يقول (لأنه يعلم الالتزام) أقول: والالتزام مفيد بلا شك، ولكن أين الأساس ؟ يلتزم بماذا ؟ إن لم يجد ما يصنعه ليصبح غنيا فإن كل التزاماته لن تفيده بشيء وإلا لكان كل الرياضيين والأصحاء من الأغنياء، فكثير من الناس عضلاتهم مفتولة وأجسادهم رشيقة وصحتهم رائعة لكنهم ليسوا أغنياء، ومن الناس من تجده زائد الوزن أكله فوضوي ولكنه غني مع ذلك (والدليل أن المطاعم الفاخرة العالمية التي تتجاوز وجبة الفرد فيها 100 دولار ليست أطعمتها جميعا صحية) وإيلون ماسك أغنى رجل في العالم جسده ليس مفتول العضلات بل واضح عليه تراكم الدهون.

#السؤال_إذًا_كيف_أصبح_غنيا؟

أقول صهيب: إن قرأت هذا المقال ومازلت تسأل هذا السؤال فمعناه أن العبرة لم تصلك بعد، لا أحد يملك وصفة عامة تجعلك غنيا، إنما توجد نصائح تحفيزية إضافية لن تنفع إلا من وجد النفق الذي يقوده للغنى، وهذا النفق ليس ذو طبيعة واحدة أو طريق واحدة وإلا لوجدنا كل الأغنياء يعملون نفس الأعمال، كما أن الطريق المؤدي للغنى لو كُشف وسلكه كل الناس لانقطعت طريقه للثروة، ولنضرب مثالا، لو اكتشف الناس أن زراعة البصل تقود للغنى فصار كل الناس يزرعون بصلا، لصار العرض في البصل متجاوزا للطلب فيهبط سعره ويقل شراؤه لوفرته وكثرته، فتصبح تجارة البصل فاشلة، لذلك لا توجد نصيحة عامة كل من يقرؤها يصبح غنيا، ولذلك لا نجد أحدا من المشاهير يعطيك المكان الذي تشتري منه والسلعة التي تشتريها ويعطيك مكان بيعها (هذه هي النصيحة النافعة الوحيدة) لكنها لا تُعطى إنما يعطيك نصائحا حول عدد حبات الزيتون التي تأكلها في اليوم وعدد تمارين الضغط ووقت النوم والاستيقاظ، فكل ذلك ليس له أي قيمة حقيقية، لأنك قد تستيقظ مبكرا ولا تنام من الليل إلا 3 ساعات ثم تقضي وقتك كلها في "الفارغات فرغا" كما يقول أبي حفظه الله.

كتبه #صهيب_بوزيدي

No photo description available.

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…