ليس شرطا أن يكون الحق دائما مع الجمهور
من المبادئ التي صارت واضحة عندي في العلم منذ زمن طويل أن القول الراجح وقول جمهور العلماء ليس بينهما أي ترابط بالضرورة فليس كل قول كثر القائلون به كان هو الصواب بالضرورة فكثيرا ما ترجع أسباب كثرة القائلين به من العلماء إلى ما يلي:
1 _ تقليد العلماء بعضهم بعضا.
2 _ انتشار ذلك القول في عرف الناس مما يجعل المخالف له يخاف من التصريح به فلا يتشجع بالصدع بخلافه إلا قلة، وقد يُهم الناس أقوالهم فلا يتناقلوها.
3 _ في عصور مضت قد يتسبب القول المخالف للسلطة بسجن قائله وربما قتله ثم إحراق كتبه وطمس أثره.
4 _ ينظر الناس للعلماء نظرة خاطئة حيث يأخذون قول كل عالم وكأنه مواز لقول العالم الآخر ثم يحسبون الأكثرية وكثيرا ما يكون عالمٌ بوزن مائة عالم آخر في العلم عموما.
5 _ قد يكون الحق في الخلاف مع الأقل علما في العموم إلا أنه يكون ممن تفرغ لتلك المسألة خصيصا فدرسها دراسة لم يدرسها من يفوقونه علما، أي أننا قد نأتي بمجموعة من العلماء لهم من التوسع في المسائل ودراستها ما لهم ثم يأتي عالمٌ آخر يكون مثلهم في العلم وربما أعلم منهم كما قد يكون أقل علما في العموم ولكنه تفرغ لدراسة مسألة واحدة دراسة وافية وشافية فتتبع كل آثارها وركّز في أحكامها وقد يؤلف في الحكم الواحد مجلدا أو مجلدين بغير حشوٍ في الوقت الذي لا نجد في آثار غيره من العلماء إلا فتوى سريعة لا تتجاوز سطرا واحدا، والدافع لتركيزه على المسألة وإهمالهم لها أنهم لم يجدوا حاجة للاهتمام بدراستها لما يرونه من قبول فتواهم في العرف العام بينما هو يعلم أنه بمجرد إطلاقه للفتوى فإنه سيثير جدلا وسخطا ويتعرض لكثرة المنتقدين مما يجعله يتسلح ضد ذلك قدر المستطاع فيعطي من الجهد الفكري والبحثي لتلك المسألة ما لا يعطيه لغيرها من المسائل، لذلك يجب أن نضع في الحسبان التفاوت في الاهتمام بالمسألة نفسها من عالم لعالم.
6 _ وقولي ليس بالضرورة أن يكون الحق مع الجمهور لا يعني أن الحق بالضرورة يكون مع القلّة أيضا فكثيرا ما يكون الحق مع الجمهور ولكن العالم المتقن إن خرج بقولٍ غريب أو شاذ فإنه يستحق دراسته بجدية والنظر فيه بدل محاربته بناء على ما رسخ في الذهن من كلام الأغلبية.
7 _ كلامي محصور في العلماء المؤهلين للخوض في المسائل الشرعية بعلمٍ وإتقان وإلا فلا عبرة بخلاف غير المؤهلين والدارسين والجهلة أو المضلين أو أصحاب الأهواء فهؤلاء كثيرا ما لا ينطقون عن علمٍ ونجد كلامهم متهافتا يضحك الثكلى فلا عبرة بهم إنما الكلام محصور في أهل العلم المتقنين.
كتبه #صهيب_بوزيدي
