كيف نعالج الخلاف في حكم الاختلاط
#هل_قاعدة_سد_الذرائع_حجة_في_التحريم؟
المشكلة في كثيرٍ من الذين يناقشون حكم الاختلاط عدم انطلاقهم من تحرير النزاع في الأصل الفقهي الذي تفرّع عنه هذا الحكم وإنما يتناولون الموضوع بطريقة تراشق الحجارة، فهذا ينقل قولا لأحد الشيوخ وذاك يرد عليه برابط لإحدى المواقع الالكترونية، وهذا يتكلم بكلام عاطفي والآخر بكلام عقلاني ثم لا يرسوان على شيء له فائدة علمية.
والصواب أن يعرف المتناقشان في هذه المسألة الأصل الذي انطلقت منه، إذ بتحرير محل النزاع فيه ينتهي الإشكال.
#الأصل_المتنازع_عليه هو مبدأ (سد الذرائع) فهل هذا المبدأ له حكم الوجوب أم حكم الاستحباب ؟ فمن قال بوجوبه فصّل فيه ومن قال باستحبابه لم يلزمه منه شيء.
#كيف_نحرر_النزاع؟
#أولا: يجب أن نعلم أن الأصوليين غير مجمعين على وجوب سد الذرائع (أي غير مجمعين على تحريم كل ما يكون ذريعة للحرام ما لم يكن محرما لذاته بنص شرعي ينص على تحريمه أو تحريم ما له نفس علته فيقاس عليه).
فقد أخذ المالكية به ولم يأخذ به الشافعية والأحناف، وفي رواية عن أحمد أنه أخذ به، وبين العلماء خلاف في موضوع (هل تفرد الإمام مالك بالأخذ به أم أخذ به غيره واستدل القائلون بعدم تفرده ببعض تنزيلات أصحاب المذاهب الأخرى على أنها تلزمهم بالأخذ بالقاعدة) ومعنى الأخذ به (أي القول بوجوب سد الذرائع)
وبما أن الفقهاء مختلفون حول هذا الأصل فالواجب على المسلمين مناقشته من غير تنشنج "وإن كنت أرى أن التشنج لا ينفع في النقاش حتى في المسائل التي لا يسوغ فيها الخلاف".
كما أن المسلم يناقش هذه المسألة وهو مطمئن لا يخاف على نفسه من الضلال أو الوقوع فيما يُغضب الله لأنه لن يخرج عن قول أحد العلماء فيها.
#ثانيا: يجب أن نطرح سؤالا واضحا: هل الذين أوجبوا سد الذرائع عندهم دليل على هذا الوجوب ؟ هل يوجد نص في الكتاب أو السنة يوجب سد الذرائع التي لم يرد فيها نص مخصوص يسدها ؟ وهل يوجد نصٌّ يضع حدا للذرائع الواجب سدها والذرائع التي لا يجب سدها ؟ فإن لم يكن في ذلك نص، أليس تحريم ما لم يحرمه الله هو استدراك على الله ومحاولةٌ للتشريع معه ؟ وكأن الله والعياذ بالله غفل عن أحكامٍ فلم يحرمها حتى يتفطن بعض العباد إليها ليحرّموها من تلقاء أنفسهم، فإن قيل (كيف تجمع بين قولك هذا وقولك الأول الذي طمأنت فيه القارئ قائلا: لا تخف على نفسك من الضلال عند مناقشة هذه المسألة؟ والأمر فيه اتهام للمخالف بالتشريع مع الله) فأقول (لازم القول ليس قولا، لأنه لابد من توفر الشروط وانتفاء الموانع فليس كل من لزم من قوله أمرٌ شنيع استحق بذلك التشنيع، إذ قد لا ينتبه لهذا اللازم فيُعذر بعدم علمه به).
#رابعا: دليلي على استحباب سد الذرائع هو الدليل على استحباب الورع إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تجنب أشياء ليست محرمة "من باب الورع" كما قال في حديث النعمان بن بشير الذي رواه البخاري ومسلم (إن الحلال بيّن وإن الحـرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعـلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجـسد مضغة إذا صلحـت صلح الجسد كله وإذا فـسـدت فـسـد الجسـد كـلـه ألا وهي الـقـلب) فدلّ هذا الحديث على استحباب الورع بقوله (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ومعلوم أن "الشبهات" يراد بها المسائل التي يصعب على كثير من الناس تحرير حكمها فقهيا فلا يعلمون أهي من الحرام أم الحلال، وقد تكون في أصلها حلالا وقد تكون حراما، فمن لم يعلم بها فالأفضل له تجنبها اتقاءً لدينه وتورعا لأن الذي يقع فيها قد يقع في الحرام مثل الراعي الذي يرعى حول الحمى فإنه معرض لاحتمال الوقوع فيه، فهذا الحديث دل على استحباب الورع لا وجوبه، والورع ترك الحلال الذي يُخشى أن يقود إلى حرامٍ أو يكون حراما.
كما أن القول بوجوب سد الذرائع يلزم منه تحريم كل شيء وذلك لأن الحياة نفسها ذريعة للوقوع في المعصية فالفتنة لا تؤمن على الحي، وحتى الذين قسموا الذرائغ إلى قسمين ليس لهم دليل على هذا التقسيم.
بل لا يوجد عندهم حد يُضبط به هذا التقسيم لأن الحد الذي وضعوه نسبي يختلف من حالة إلى أخرى
#خامسا: كنت سأختار جمع أدلة القائلين بوجوب سد الذرائع ثم الرد عليها ولكني فضّلت توفير الجهد على نفسي فأقول: كل من أراد أن يطرح دليلا من أدلتهم فليطرحه في التعليقات ثم أجمع الأدلة لأرد عليها في المقال التالي، ولكن من باب التنظيم واجتناب الفوضى أقول ما يلي:
1 - يكون الدليل بالشكل التالي (ينقل الآية أو الحديث) ثم يذكر الشاهد من استدلاله بها ويكتفي بذلك القدر.
2 - لا ينقل مقالات أو روابط مواقع أو فيديوهات مطولة لأني لن أجد وقتا لتعقبها جميعا وإنما يكتفي باختيار أقوى دليل لديه ويضعه في تعليق واحد فإن كان يملك دليلا غيره فليضعه في تعليق منفصل تحت تعليقه لا تحت المنشور، فمن نقل رابطا أو مقالا مطولا فإني أحذف تعليقه لانتهاكه المعايير المذكورة هنا.
3 - لا ينقل أقوال العلماء لأنها ليست حجة (أساسا قد ذكرت وجود الخلاف في المسألة، أي أنني أعلم سلفا بوجود من يوجب سد الذرائع، فلا يوجد أي معنى لنقل قول أحدهم في ذلك لأنه لن يضيف أي جديد).
4 - التعليقات المتضمنة للطعن وقلة الأدب لا أرد عليها ولا أسيء إلى صاحبها كما أساء إلي، وإنما أكتفي بحظره مع حذفها احتراما لنفسي وللمتابعين الأفاضل
5 - كل من وجد في نفسه عدم الأهلية للخوض في مثل هذا الأمر فلا بأس عندي أن يستفسر أو يسأل ليتعلم، وإلا فما الفائدة من وجودنا على الفايسبوك أصلا، لكن الذي يريد الاعتراض بغير علم فليرح غيره ويسترح كي لا يتعب المتابعين ويتعبنا بجهله، فهناك من لم يدرس في حياته ولو كتابا واحدا في أصول الفقه ويريد التدخل في كل المسائل بغير علم، وليتهم يتأدبون في الكلام.
6 - الأدلة التي نتكلم عنها تكون في أصل (سد الذرائع) لا في موضوع الاختلاط نفسه، إلا إن كان المستدل يزعم وجود أدلة على تحريم الاختلاط مباشرة من غير احتياجه لقاعدة سد الذرائع.
7 - الأدلة المطلوبة يجب أن تفيد تحريم الذرائع (أي وجوب سد الذرائع) أما الأدلة التي تفيد الكراهة فلا يتعبنّ الناقل نفسه بنقلها لأني أساسا أقول بكراهة الذرائع واستحباب سدّها فهذا من الورع والورع مستحب وليس واجبا.
8 - الأدلة المستدل بها يجب أن تتضمن دلالة صريحة على التحريم بعد صحة ثبوتها.
9 - لا تُناقش أحكام الضرورة إلا بعد ثبوت التحريم.
10 - لا تكون الأدلة من نوع (أليس الأولى أن نسد الذريعة لنصون الدين ونسد أبواب الشيطان) لأن الخلاف يدور بين وجوب سد الذريعة واستحبابها، والقول بالاستحباب معناه أن سد الذرائع أفضل من عدم سدها ومن سد الذرائع على نفسه فهو مأجور، لكن هل يأثم من لم يسد الذرائع؟ هل يأثم من فعل حلالا قد يقوده إلى حرامٍ حتى مع عدم وقوعه في ذاك الحرام ؟.
كتبه #صهيب_بوزيدي

