كن غنيا

#السؤال: أستاذ صهيب أرجو أن توجه نصيحة للفقراء فبعضهم لا يصبر على فقره ولا يعلم فضل الفقر وإيجابياته.

#الجواب: أنصح كل الفقراء أن يسعوا ليصبحوا أغنياء، والغنى يختلف عن الثراء، الغنى من الاستغناء ويكون للثري وغير الثري، فإما أن يكون غني النفس أو يكون غني المال، ولم أجد أي شيء جميل في الفقر سوى من قدر عليه ذلك ولم يكن قادرا على الخروج منه فصبر عليه، ولو كان الفقر جميلا لرأيت الأغنياء يذهبون إلى الفقراء يعقدون معهم صفقة تبادلٍ يعطونهم مالهم ليصبحوا هم الفقراء والآخرون هم الأغنياء.

أما حديث (اطلعت على الجنة فوجدت أكثر أهلها الفقراء) فطبيعي لأن أكثر البشر فقراء من الأساس لذلك تكون فرصة وجود الفقراء بكثرة في الجنة أمرا منطقيا، ولكن هناك نصوص أخرى دلّت على فضل الأغنياء المتقين.

جاء ناس من فقراء المهاجرين إلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فقالوا: ((يا رَسولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كما نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قالَ: أَوَليسَ قدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجْرٌ؟ قالَ: أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحَلَالِ كانَ له أَجْرٌ. فرجَعَ فُقراءُ المهاجرينَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقالوا: سَمِعَ إخوانُنا أهلُ الأموالِ بما فعَلْنا، ففَعَلوا مِثلَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: ذلك فضْلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَشاءُ)) [رواه مسلم].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا حسدَ إلا على اثنتينِ رجلٌ آتاه اللهُ مالًا فهو ينفقُ منه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ ورجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ)) [رواه البخاري]

وفي رواية ((لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَهو يَتْلُوهُ آناءَ اللَّيْلِ، وآناءَ النَّهارِ، فَسَمِعَهُ جارٌ له، فقالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعْمَلُ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَهو يُهْلِكُهُ في الحَقِّ، فقالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ ما يَعْمَلُ)) [رواه البخاري]

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم ؟ ، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا :بلى يا رسول الله . قال : ذكر الله عز وجل)) [رواه أحمد والترمذي].

والشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الفضل لإعطاء الورق والذهب ولا يمكن تحقيق هذا الفضل دون أن يكون للمنفق مالٌ أصلا ينفق منه.

وقال الله عز وجل ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)) وقال الله ((وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)).

وحتى عندما مدح الله الفقراء لم يمدح أهل الشكاوى والتذمر وناشري الطاقة السلبية والنكد وإنما مدح المتعففين الذين يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف، فهم في حقيقة الأمر أغنياء وإن لم يكونوا أثرياء، قال الله (( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)).

قد يكون الإنسان ثريا لكنه يكون فقيرا في ذهنه بسبب طمعخ وعدم قناعته فيكون دائم الشكوى عديم الحمد لله، بينما قد يكون ناقصُ المال غنيا عفيف النفس قانعا بوضعه مستمتعا به يتلمّس متعة الحياة في أبسط التفاصيل، ولكن من الجميل أن يجمع الإنسان بين الثراء والغنى ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير (كما قال النبي صلى الله عليه وسلم).

كتبه #صهيب_بوزيدي

من نفس الموضوع: فكر ومجتمع وتأملات

الأخلاق الفرنسية

فكر ومجتمع وتأملات

المتظاهرون في فرنسا أغلبهم مجرد لصوص استغلوا أوضاع الفوضى للسلب والنهب وهذا حال كل الشعوب لا فرق بين متحضرها ومتخلفا لأن الجامع بينهم "الأنانية" فعند أول…

معضلة أسلمة الإلحاد وتسنين التشيع

فكر ومجتمع وتأملات

أكبر مصيبة ابتليت بها الأمة هي أسلَمة الإلحاد وتسنين التشيع. أقحموا كما هائلا من العقائد الشيعية والإلحادية للتراث الإسلامي السني وهم يحسبون أنهم يحسنون…

ولكن شيخي أشهر منك

فكر ومجتمع وتأملات

قال لي: لماذا لا تناظر شيخي ؟ قلت له: لم يعرض علي المناظرة وإلا لكنت ناظرته قال: وتريد منه هو أن يعرضها عليك ؟ فقلت: ألستَ من عرضها علي ؟ فإني غير مهتم…