قواعدي المنهجية في البحث عن الحق
#تنبيه: جعلتُ المقال طويلا لشيء في نفسي ولأني أزعم أن ما ورد فيه مفيد فمن شاء فليتجاوز الملاحظات وليبدأ مع بداية المقال.
هذه طريقتي الخاصة في البحث عن الحقيقة والمعرفة في كل مجالات العلمِ النظرية والعملية، العقلية والتجريبية والنقلية، فيما ينفع في الدنيا وما ينفع في الآخرة أذكرها بدقّةٍ أتمنى من القارئ أن يحاول التركيز أثناء قراءتها وحبذا لو يحافظ على حضور الذهن أثناء القراءة فالشرودُ قد يُضيّع الجزء الأهم من المعلومة.
#ملاحظة_1: عندما أقول "هذه طريقتي الخاصة" فليس معنى ذلك بالضرورة استفرادي بهذه القواعد وإنما قصدت أني لا ألزم بهذه القواعد أحدا فهكذا قناعتي وافقني من وافقني وخالفني من خالفني.
#ملاحظة_2: عندما أقول (وافقني من وافقني) فليس معناه جعل نفسي محور الكون ومركزه والناس يوافقونني أو يخالفونني وإنما أنا محور هذا المقال "فقط" ولأن الموضوع عن طريقتي 'فإن "أنا" الكاتب صارت محورا في موضوع هذا المقال تحديدا، أما إن كان الموضوع غير متعلق بي فلن يكون لحضور "أنا" الكاتب أثر، وهذه ملاحظات استباقية حتى أقطع الطريق سلفا على من يترك كل المضمون الذي أقدمه ويصطاد كلمات عفوية غير مقصودة ليوصل للناس أفكارا من النوع (هذا نرجسي، مغرور، متكبر، متعجرف...) وما أقوله ليس من وحي الخيال فقد حظرتُ عددا لا يحصى بسبب كلمات لم ألقِ لها بالا فحملوها على أقبح المحامل، ومثال ذلك أني ذات يوم نشرت مسألة أصولية فصلت فيها فجاءني السؤال الروتيني المعروف "من سبقك إلى هذا" فأجبت صاحبه "لا يهم من سبقني وإنما انظر لأدلتي فإن كان لك رد فهاته" فجاء آخر فقال "تأتي بقول لم يوافقك عليه أحد من المسلمين وتريد إقناعنا بأنك المسلم الوحيد المحق والباقي على باطل ؟" فأجبته قائلا "وافقني عليه الإمام الشافعي" فجاء شخص ثالث وصور كلامي دون أن يصور التعليق الذي رددت عليه ثم قال (ما هذا التكبر كيف تقول وافقني الشافعي وكأنك بدأت بالكلام قبله ثم وافقك عليه وهو الذي مات قبلك بقرون فالأولى أن تقول وافقتُ الشافعي لا أن تقول وافقني الشافعي) فجاءني من حيث لا أحتسب حيث كان تركيزي على المسألة الأصولية ثم مناقشة التعليقات في كون المسألة نفسها "أهي حق أم باطل؟" والذي تعودتُ عليه أن النقاش يكون بالأدلة المعرفية الخاصة بالمجال (ما الدليل على صحة هذه القاعدة ؟ وما الدليل على بطلانها) ثم انقلب الحوار إلى التقليد ولسان حال القوم (إن لم تأتنا بمن قال مثل مقولتك فلن نؤمن لك) فأتيتهم بالشافعي فبهتوا وبدل أن يحسوا بالخزي والعار بعد أن (سارعوا للعيب) واتهموني بالانفراد بذاك القول وانهالوا علي بالتهكم تبيّن لهم أن الفرق بيني وبينهم أني أعلم ما لا يعلمون وأعرف من أقوال الأئمة والعلماء السابقين ما لا يعرفون وزيادة على ذلك أعرف الحق بأدلته المعرفية الصحيحة المتسلسلة من المقدمات الأولى إلى النتائج الأخيرة دون أي مصادرة عن المطلوب أو مغالطة أو الاعتماد على الدعاوى المجردة أو القفز على المقدمات أو الاستدلال بما هو محل للنزاع أو الخروج عن مناط الاستدلال ونظرا لضعف المستوى العلمي بين المتلقي المعترض بغير علم تجده يسارع للاعتراض قبل أن يفهم الموضوع حتى إذا ما أغلقت في وجهه كل الأبواب ونزلت معه إلى مستواه الذي يزعم أنه يطالب به كي يقتنع وأتيته بما طلب، قفز إلى جانب آخر ليهرب من الموضوع بعيدا عن القاعدة الأصولية وأدلتها وبعيدا عما طالب به "من سبقك إلى هذا" لينتقل إلى موضوع "غرور الكاتب" ويقيم عليها حفلة (قال وافقني عليها الشافعي والأولى أن يقول وافقته) وكأنه بهذه العبارة يظن أنه نجح في إسقاطي وإراحة ضميره، وكأن هذه المسألة قد حُسمت لصالحه بعد أن بين غرور صهيب، ولا يدري أن المسألة إن كانت صحيحة لذاتها فإنها تبقى صحيحة ولو ذهب صهيب إلى جنهم وبئس المصير "عافاني الله وإياكم منها وأسكننا فسيح جنانه وغفر لنا"، فالحق حق لذاته ولن يتحول إلى باطل إن شوهت صورة قائله، فالحق حق وإن قاله الشيطان الرجيم وهذا ما علمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (صدقك وهو كذوب) أما أهل العجز والضعف فلا يجدون غير إسقاط الناس منهجا لهم في الانتصار لجهلهم ولو تأمل هذا المفتري الموقف لوجد من سألني قال (من وافقك على هذا _ لم يوافقك أحد) فكان جوابي على شكل سؤال السائل (وافقني الشافعي) ولو أنه قال (من الذي وافقته في ذلك) لقلت (وافقت الشافعي) فتركيزي لم يكن على هذا بل على الموافقة في حد ذاتها وظننت أن البديهي المعلوم عند الناس أن الشافعي مات قبل ولادتي بحوالي 12 قرنا فلم أتوقع أن هناك من سيشكل عليه الأمر ويحسب أني لو قلت وافقني الشافعي فإني أقصد أني ولدت قبل الشافعي وتكلمت في ذلك قبل أن يتكلم الشافعي، كما إني وللعلم قد أصّلت لتلك القاعدة واعتقدتها قبل أن أعلم أن الشافعي قال بها لذلك كانت الموافقة من باب الصدفة ولم يكن في كلامي تقليد للشافعي (بمعنى أني لو وُلدت قبل الشافعي لكنت قد سبقته إلى هذه القاعدة وذلك لأني لم أستفدها منه بل حررتها بنفسي دون تقليد أحد غيري فوافق كلامي كلامه صدفة وقد حدث معي مثل ذلك مع غيره من العلماء والأئمة عشرات أو مئات المرات حيث أقول كلاما وأؤصل وأفصّل فيه ثم أقرأ فأصادف من قال بمثل قولي.
#بداية_المقال:
#القاعدة_الأولى: الاهتمام بمعرفة الحق.
قد يقال: كل الناس يهتمون بمعرفة الحق. فأقول: أبدا ليس ذلك بصحيح، بل جلّ الناس لا يهتمون بمعرفة الحق والدليل قول الله ((وأكثرهم للحق كارهون)) وقول الله ((ولكن أكثركم للحق كارهون)) والواقع نفسه يشهد بذلك فنجد الناس يدافعون في الغالب عن معتقداتهم السابقة وإن كانت خاطئة أو يدافعون عما يصب في مصلحتهم وكثيرا ما تتعارض المصلحة مع الحق وهنا نجد أصحاب الشخصية البراغماتية التي تهتم للمصلحة لا الحق ونجد أصحاب الحق الذين يقدمونه على المصلحة ويشهدون به ولو على أنفسهم وإن كنت لا أزكي نفسي في أخلاقي فإني على الأقل أعلم يقينا أن اهتمامي بمعرفة الحق يفوق كل اعتبار (على الأقل لنبتعد عن التزكية أحصر كلامي في الاهتمام بمعرفة الحق لنفسي) وهناك من يتبع عقلية (فليسعنا ما وسع من سبقنا / وجدنا عليها آباءنا، وُلدت هكذا فأستمر على ما ولدت عليه) وهناك من يقلد شخصيات معينة (لا يعلم أصلا لماذا يقلدهم) ويجعلهم مقياسا للحق وقد يكون سبب ظهور هذه الشخصيات أمامه واقتناعه بمرجعيتهم أول مرة (ترقية حاكمٍ أو إشهار إعلامٍ أو تزكية عالمٍ ثانٍ لا يعلم لماذا يتبعه هو الآخر).
أما أنا فإن التزامي بالحق يصل درجة من الجرأة ليس لها حدود، فلو لم أقتنع أن الإسلام دين الحق لخرجتُ منه دون أن يرف لي جفن أو ينبض لي قلبٌ بخوفٍ ولو اقتنعت بعدم وجود الله لأحلدت ولو اقتنعت أن الحق في دين آخر لاتبعته ولكني موقن يقينا تاما أن الله حق والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من الأنبياء حق وجبريل عليه السلام وسائر الملائكة حق والقرآن الكريم وسائر الكتب السماوية كما أنزلت قبل تحريفها "أي الكتب السابقة للقرآن" حق وأن اليوم الآخر حق وأن القضاء والقدر حق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله شهادةَ مقتنعٍ لا مقلّد وأؤمن أن كل مسلم يكفيه وينجيه إسلامه ولو قلّد أو اتبع من سبقه وذلك لأنه في النهاية أصاب الحق ولكن شخصيتي وعقليتي الخاصة التي لا ألزم بها أحدا ولا يقدر كل الناس على الالتزام بها ومقتضياتها ولوازمها وعواقبها أصلا لا تقبل اعتناق أي شيء دون اقتناع به.
#القاعدة_الثانية: أحكم على من أقرأ له بنفسي (ولا أعتمد على القراءة لمخالفيه وخصومه).
لو جاءني مسلمٌ عالمٌ صادقٌ وحذرني من شخصٍ وقال إنه ضال زنديق فاجر فإني لن أتكلم عن ذلك الشخص ما لم أقرأ أو أسمع له بنفسي وذلك لأن ذاك العالم الصادق ليس معصوما وقد يكون فهمه غير دقيق كما قد يكون حكمه على الشخص مبنيا على مخالفته له في مسألة الحق فيها مع المتهم بالزندقة لا متهمه.
كما أني وإن اقتنعت جدلا بزندقته فإن منهجيتي العلمية تمنعني من الرد عليه إلا إن قرأت له بنفسي واقتبست من كلامه بنفسي.
ويصل هذا الأمر بي درجة في غاية الحدة والصرامة: فلو أن باحثا سنيا قال إن ذلك الشيخ الشيعي الإثني عشري قال كذا وكذا وأشار إلى كتابه وذكر رقم الجزء والصفحة فإني لا أستطيع النقل عنه مباشرة إلا إن فتشت في كتاب الشيعي ووجدت ذلك الكلام بنفسي وذلك لأني تعودت على عقلية المناظرة أو الاستعداد لها فأجهز نفسي دائما لاحتمال دخول شيعي ما يطالبني بذكر المصدر، فذلك الشيعي لن يثق بالباحث الذي أثق به وإنما يطالب بالمصدر من كلام الشيخ الشيعي مباشرة، ذلك وجب أن يكون كل ما أقوله قابلا للبرهان والمواجهة ومن يعرفني عن قرب يعلم أني افتراض كل الاحتمالات الممكنة واتخاذ تدابيرها اللازمة قبل وقوعها فإني وإن كنت أعلم بنسبة 99.99% ألا يطالبني أي شيعي مثلا بالمصدر أو الدليل فإني لن أنقل شيئا عن الشيعة إلا إن كان مصدره أو دليله جاهزا عندي.
#القاعدة_الثالثة: المناظرة الداخلية.
وذلك لأن في ذهني شخصيات تتبنى كل الأقوال والمواقف والاحتمال ففي ذهني (صهيب الملحد والشيعي والمدخلي والأشعري والنصراني واليهودي والغنوصي والماسوني والإبليسي والربوبي واللاإكتراثي والمعتزلي والجهمي والمشائي والرواقي والأسكندراني والمثالي بل وكل رأيٍ وإن لم يُعرف له صاحب وكان له احتمال في الواقع فإن في ذهني من يتقمص دوره ويطرح شبهاته حتى أن عقلي كثيرا ما يطرح عليّ أسئلة وإلزامات مخالفة لم يطرحها أحد من الناس).
والمصيبة الأعظم أني لا أنحاز في الحوار إلى معتقد صهيب الحالي وإنما أجري مناظرة ذهنية بين صهيب بموقفه الحالي وبين كل المواقف المحتملة الأخرى فلو كان للمسألة 6 احتمالات واستحال وجود الاحتمال السابع فإني أجري مناظرة سداسية يتنبى كل طرف منها صهيب داخل عقلي والمنتصر منهم في المناظرة هو الذي أتبنى رأيه.
#القاعدة_الرابعة: عدم الخوف من التنقل من رأي لرأي.
قد يقول قائل: قال الإمام مالك (إذًا لأكثرنا التنقل).
أقول: ليس هناك دليل شرعي يحرم كثرة التنقل ولا العقل يمنع ذلك أو يستقبحه، وبعبارة أخرى (أين الإشكال إن كثر التنقل عن علمٍ وبيّنة ؟).
ثم إن التنقل ليس لازما إن كان الباحث دقيقا ومتمكنا من البحث ثم كان معتنقا للحق من البداية بل إنه بعد البحث يرسخ على الحق أكثر ويزداد يقينا.
أما إن كان الباحث على خطأ فإن انتقاله إلى أن يصل للحق شيء إيجابي.
وليس كل متنقل يكون مذموما ولا كل ثابت يكون ممدوحا فقد يثبت الإنسان على الباطل وقد يتنقل إلى الحق.
ولو أن مسلما خاض مناظرة مع هندوسي ولد على الهندوسية وقال له الهندوسي (إذا لأكثرنا التنقل والتنقل مذموم) لقال له المسلم (لكن التنقل من الباطل إلى الحق ممدوح) فمعنى ذلك أن ذم التنقل لا يكون على إطلاقه وإنما يختلف باختلاف نقطة الانطلاق ونقطة الوصول فالمنتقل من الباطل إلى الحق محمود الانتقال والعكس هو المذموم كما هو الانتقال من بيتٍ خربٍ إلى بيتٍ معمور فهذا جيد والسيء الانتقال من المعمور للخرب.
وملخص ذلك في قول الله ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات))
فالخروج الأول انتقال وكذلك الثاني انتقال ولكن أولهما الهدى والثاني الضلال وبينهما انتقال في مسائل سائغة يعذر فيها المنتقل لأنه أراد الحق ورضا الله ولذلك اختلف فقهاء الإسلام في مسائل كثيرة كلهم يريدون الحق والهدى ورضى الله فمن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
#القاعدة_الخامسة: عدم الخوف من الضلال.
قد يبدو هذا الكلام غريبا ومخوّفا في حد ذاته ولكني أرى العلم كالتجارة، المتهيّبُ لا يبرح مكانه وقاعدة (ساحة الأمان أو الراحة / كونفورت زون) نفسها، فكما أن الخائف من الخسارة لن يستطيع دخول عالم الأعمال فكذلك من يخاف من الضلال لن يستطيع دخول المعترك العلمي ذي المستوى العالي الذي تزلّ فيه أقدامٌ ويجرف التيار أخرى وتتلاطم فيه أمواج الأدلة مع أمواج الشبهات.
ولكن عزائي في هذا علمي بنيتي وهي "البحث عن الحقيقة" لذلك لا أخاف فإني أعلم أن الله اشترط فيمن يعذبه أن يتبيّن له الهدى ثم يعمل بخلاف ما تبين له، أما أنا فإني أتقصى الهدى وأضع هدف حياتي كلها أن أكون على الهدى، وثقتي بالله أنه إما أن يرشدني إلى الهدى أو يعذرني إن أخطأتُ من حيث أردت الصواب.
قال الله عز وجل ((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)).
فالمذموم عند الله هو الذي يتّبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
أما الراسخون في العلم فقال الله أنهم يقولون (آمنا به كل من عند ربنا) وذلك لأنهم آمنوا بآيات الله على مراد الله ثم تقصوا معرفة هذا المراد فأعلن الله الرضا عنهم لمجرد إيمانهم وتسليمهم بما ورد من عند الله ولنيّتهم الحسنة في تقصي الحق وفهم مراد الله عز وجل ولم يحصر الرضا في الذين علموا الحق وأصابوه لذلك لم يقل (والراسخون في العلم يعلمونه) بل قال (يقولون آمنا به) فقد يؤمن الإنسان بصدق الله ومقالته لكنه رغم ذلك يفهمها خطأ ولن يفهم مراد الله بشكل جيد في كل صغيرة وكبيرة فهنا يكون معذورا.
ولأنبئكم في آلاء ذلك أقول: لو أن والدك قال لك (يا بني أريدك أن تشتري لي أكلا لذيذا من مطعم جيد) ثم ذهبت أنت وفي ذهنك المطعم المفضل لديك والذي ترى أن مذاقه الأفضل وبعدها تحضر الطعام لوالدك فهنا قد يعجبه الطعام كما أعجبك وأعجب كل زبائن المطعم كما قد لا يعجبه الطعام وتكون مخطئا في معرفة الذوق الذي يريده والدك، فهل تكون بذلك عاقا لوالدك ونيتك إرضاؤه وإحضار الطعام الطيب له ؟
قد يقول قائل: لكن وضّح لنا المطلوب منا خلافا لمثالك فإنا لا نعلم مذاق والدك المفضل.
قلت لنفترض وجود طريقة معينة تمكن الولد من معرفة الذوق الصحيح لوالده إلا أنه حاول معرفته فأخفق، هل يكون عاقا هنا مستحقا للسخط والغضب ؟
ليس المهم أن يكون المثال مطابقا فالمطابقة مستحيلة أساسا لأن الموضوع الأساسي عن الله عز وجل والله ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) لذلك لا تجعل التمثيل بين الوالد والله فذلك ممتنع مستحيل وإنما التمثيل هنا بين من يريد الرضا بعمله بين العبد والولد في المثالين.
وذلك للتفريق بين المحاد لله أو عدو الله أو المشاقق للرسول أو المعادي للدين أو الخبيث المنافق الذي يريد عمدا ضرب الإسلام من الداخل أو الذي يبتغي الفتنة ويتتبع المتشابه مع علمه بالمحكم من جهة وبين الباحث عن الحقيقة المنقاد لأوامر الله ورسوله المؤمن بكل ما جاء من الله المذعن الذي يريد رضا الله ويبذل جهده في معرفة دينه وفهم شريعته ثم يغوض في محاولة فهم القرآن ودراسة تفاسير العلماء الكثيرة ودراسة علوم الآلة وتعلم علوم الحديث ودراسة السيرة وإنفاق العمر في التعلم والدفاع عن الدين ونشره والدعوة إليه والتذكير به، فهل بعد كل هذا يجد نفسه في جهنم ونيته كانت الوصول إلى الحق ومعرفة مراد الله حتى يلتزمه ؟ هذا الذي أتكلم عنه.
لذلك لم أخف من الوقوع في الخطأ مادمت أنطلق بحسن نية وبزادٍ معرفي واسع مليء بالدراسة والبحث والتفكير والتأصيل والتفريع والاستدلال الدقيق ومناقشة كل الأقوال المذكورة وحتى الأقوال المحتملة وإن لم تذكر ومعرفة بنى الأنظمة والتيارات والمذاهب في مختلف العلوم وقراءة ما الله به عليم من الكتب وسماع العدد المهول من المسموعات ثم السعي إلى الالتزام بما اقتنع به الإنسان من مبادئ وقيم وأخلاق والأيام دُوَلٌ أيام جدٍّ واجتهاد وأيامُ غفلةٍ وخمول "فيما يخص العبادة" وإلا فالعلمُ نشطٌ متّقدٌ لأنه صار متعة لذاته وهدفا منشودا بعد أن كان يُدرَسُ تارة ويتروّحُ العبد منه تارة صار العبد يتروّحُ به لا منه.
ثم إن المتخوف من الضلال أيضا لن يضمن له خوفه إصابة الحق بل إن الباحث عن الحق بالبرهان والدليل وتحري الصدق والعلم أأمن وأسلم من الوقوع في الضلال من الذي يتبنى آراءً عشوائية ثم يصر على اعتناقها بغير برهان ولا دليل وكأنه يقول: (شادي بادي قالي راسي ادي هذي ولا هذي).
#القاعدة_السادسة: مداولة الدعاء ((اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه)) فإن قائل هذا الدعاء إن اعتقده من أعماق قلبه وأخلص لله في الدعاء فإما أن يهديه الله إلى الصواب مباشرة وإما أن يعذره إن أخطأ والنتيجة في كلا الحالتين واحدة (الفوز باختبار الآخرة).
#القاعدة_السابعة: عدم التسرع.
هناك من يتسرع في اتخاذ أحكام جاهزة وخاطئة لمجرد قراته عنوانا أو صورة مرفقة بمقالٍ معين أو يقرأ جزءا من الكلام فلا يكمله ثم يأخذ فكرة خاطئة أو منقوصة.
أما من يريد الحق فإنه يدقق في قراءته قبل إصدار الأحكام.
#القاعدة_الثامنة: معرفة المغالطات المنطقية جيدا وتفادي الوقوع في فخاخها وفي الوقت نفسه (عدم استعمالها ضد المخالف لأن المغالطة من أساليب المبطلين لا من أساليب أهل الحق).
#القاعدة_التاسعة: الالتزام بالموضوع والتركيز عليه عند البحث أو النقاش وعدم الخروج منه أو القفز بين المواضيع ولو أني جدلا حُشرتُ في نقاشٍ فإني لا أحاول الهروب والتملص وإن قدرتُ على ذلك بالمراوغة وإنما أخضع للحق وأعتنقه ولو أن محاورا قدر على إقناعي أو اتضح لي الحق في أي مسألة فإني لا أكابر بل أعتنقها فورا.
بل أزيد فأقول: لن أؤجل إعلان اقتناعي بها ولن أتبع أساليبا من نوع (مواصلة النقاش ثم العودة للبيت ثم العودة للمحاور لأخبره أني بعد دراسة كثيفة اتضح لي أن رأيه هو الصواب) وكأني أوهمه أن السبب في اقتناعي بتلك المسائل هي قراءاتي الجديدة وإنما أعلن اقتناعي بكلامه وأبين له أنه أقنعني (فوريا) وذلك لأني _صهيب_ تحديدا لستُ قليل اطلاع لأحتاج للمراجعة وإنما قناعاتي مبنية على أدلة مركبة بترتيب متماسك وبمجرد الإشارة إلى خللٍ معين في ترتيب استدلالي سأنتبه فورا إلى الخلل وأعلن بسرعة تصحيحه وذلك لأن عدّته موجودة، لذلك أتمنى أن يكون محاوري دائما مرتب الذهن كثير العلم مثلي حتى نتجنب الكثير من إضاعة الوقت في مناقشة ما ليس من محل النزاع أو تقويلي ما لم أقله أو إلزامي بما لا يلزمني أو إكراهي على تقليد من يريد تقليده أو إتعابي بكثرة النقل فيما يُفترض أنه معلومٌ لأهل العلم وإنما أحب من يفهمها (وهي طايرة) خلافا مثلا لأسامة العتيبي المدخلي الذي ذهب يقول ذات يوم (صهيب بوزيدي يكذب ويتهمنا بالامتحان في الأشخاص كذبا) ثم ذهب وقال بعد بضع ثوان بنفسه (والامتحان بالأشخاص هو منهج رسول الله ومنهج السلف)) فهذا النوع يتعبك في الحوار لأنه لا يدري ما يخرج من رأسه فمن جهة يقول (صهيب كذاب لأنه يقول إن المداخلة يقولون بامتحان الناس بالأشخاص) ثم من جهة يحاول الاستدلال على صحة الامتحان بالأشخاص ليثبت بذلك أنه يقول بامتحان الناس بالأشخاص ويصف ذلك بمنهج النبي ومنهج السلف.
فهنا لن أحتاج إلى نقل الأقوال من كتب ربيع ولا من كتب أي مدخلي آخر بل أقول له (الدليل على أن المداخلة يقولون بامتحان الناس بالأشخاص) هو قولك بعد أن كذبتني في ذلك بثوان بنفسك (الامتحان بالأشخاص منهج النبي ومنهج السلف) فإذا أنت تقر بأنكم تقولون بامتحان الناس بالأشخاص بل وتحاول الاستدلال على صحته فالأصح أن تقول (نعم نمتحن بالأشخاص وهذا دليلنا ....وتبرهن) أما أن تتهمني بالكذب وتقول (لا نقول بامتحان الناس بالأشخاص وهذا كذب من صهيب علينا) ثم بعد عدة ثوان تناقض نفسك بنفسك وتدافع عن منهج امتحان الناس بالأشخاص وتدعي أنه منهج النبي ومنهج السلف فيلزمك هنا أمران:
إما أنك تدعي السير على منهج النبي والسلف فتكون مقرا لكونكم تمتحنون الناس بالأشخاص مادمت تدعي أن النبي والسلف يمتحنون الناس بالأشخاص فهنا تكذّب نفسك يوم كذبتني في نسبة هذا المنهج إليكم وأنت تقر اعتناقك له وإما أن تقول إن النبي يمتحن الناس بالأشخاص وكذلك هو منهج السلف لكننا لسنا على هذا المنهج وبذلك لا تناقض نفسك في البراءة من منهج الامتحان بالأشخاص ولكنك تتبرأ والعياذ بالله في المقابل من منهج النبي والسلف 'الذي زعمت أنه منهجهم'.
أما المحاور الذكي فإنه وإن خالفك يفهم كيف يحاورك ويفهم مصطلحاتك ويعرف معنى علم المناظرة وقواعدها وأصولها.
ثم إذا وصله الحق منك أقر به وأذعن ولم يكابر أو يعاند خشية أن يقال (غُلِب في الحوار) وإنما يكون الحق غايته.
لذلك فإني لا أسعى للنصر في الحوار وإنما إن غلبت حجتي حجة محاوري بقيت على رأيي وإن غلبت حجته حجتي انتقلت إلى رأيه وفي كلا الحالتين أنا رابح ففي الأولى ربحت فرصة إقناعه بالحق سواء التزم به أم عاند وفي الثانية ربحت فرصة الوصول إلى الحق إن كنت مخطئا في إصابته قبل الحوار.
فليس هناك من أخشى محاورته.
لو جُمعت علوم المسلمين جميعا في رجلٍ واحد ثم دعيت إلى مناظرته لفعلت دون أن أخاف من محاورته وذلك لأنه إن غلبني اتبعته وإن غلبته ازددت يقينا بما عندي من الحق.
#القاعدة_العاشرة: أقبل الحق من أي شخص كان.
سواء كان عالما أم جاهلا، عاقلا أم مجنونا، صغيرا أم كبيرا مؤمنا أو كافرا.
وذلك لأن الحق له أدلّته ولا يهمّ من حمله إلا إن كان السبيل الوحيد لمعرفة ذلك الحق هو تصديق حامله (كأن يكون نقلا لا يُعرف إلا من طريقه) فهنا نعمل فيه القواعد الحديثية وعلى أساس تطبيقها على حاله يقبل نقله أو يُرفض.
أما إن كان قوله لا يُحتاج فيه إلى تصديقه وإنما يأتي بحجج معينة أو براهين معينة وكانت موافقة للحق فيؤخذ منه ثم يقال (صدق وهو كذوب) أو (أصاب في هذه وهو ضال في غيرها).
كتبه #صهيب_بوزيدي
