عندما قتل الولد والده والأم ولدها لأجل الكرسي
سأحكي لكم قصة حقيقية وتاريخية من عهد الملك العباسي
كلكم تعرفون العبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
وكلكم تعرفون عبد الله بن عبّاس "ولده" وحبر الأمة وترجمان القرآن.
ابن عباس الصحابي المعروف له ولدٌ اسمه علي بن عبد الله بن عباس.
وعليٌّ ولدُ الصحابي الذي ذكرناه له ولدٌ اسمه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس "يعني هذا حفيد الصحابي ابن عباس"، وهذا الإنسان كان صاحب أول دعوة لجعل الخلافة في أهل البيت وقد أخذ فكرته هذه من عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب "يعني من حفيد علي بن أبي طالب من جهة ولده محمد بن الحنفية.
نرجع لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس صاحب أول دعوة للترمد على حكم بني أمية بحجة أن الحكم ينبغي أن يكون في أهل البيت، فأول الفكرة جاءت من حفيدَي الصحابيين "ابن عباس" و"علي بن أبي طالب".
فهذا له أولاد منهم أبو العباس السفاح وهو أول منقلب على الدولة الأموية والذي أقام حكمه كله على قصة نصبٍ واحتيال ودجل إضافة لسفك الدماء وأما ولده الآخر فأبو جعفر المنصور.
أبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور كلاهما أبناء حفيد الصحابي عبد الله بن عباس.
أما أبو العباس فهو أول الملوك العباسيين ومن بعده حكم أخوه أبو جعفر المنصور، ومما نقله الإمام ابن كثير في البداية والنهاية ((قال أبو إسحاق الثعالبي : على شهرة المنصور بالبخل ، ذكر محمد بن سلام أنه لم يعط خليفة قبل المنصور عشرة آلاف ألف درهم ، دارت بها الصكاك ، وثبتت في الدواوين ، فإنه أعطى في يوم واحد ، كل واحد من عمومته عشرة آلاف ألف . وقيل : إنه خلف يوم موته في بيوت الأموال تسع مائة ألف ألف درهم ونيف)) وهو الذي بنى سجن المطبّق الذي سجن فيه من رأى ميله إلى العلويين "أحفاد علي بن أبي طالب" ويقال إن العلويين والعباسيين كانوا يدا واحدة حتى تفرقوا في زمن المنصو فصاروا أعداء (عداوة أهل البيت لبعضهم بعضا).
وأبو جعفر المنصور له ولدٌ اسمه محمد المهدي وكان الخليفة من بعده، وهذا الأخير له ولدان أحدهما موسى بن محمد المهدي والثاني هارون بن محمد المهدي "المعروف بهارون الرشيد". وأما موسى بن محمد المهدي الذي حكم قبل هارون الرشيد فقال السيوطي عنه: ((سمته أمه الخيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده)) [تاريخ الخلفاء ص 181] فلكم أن تتخيلوا، موسى يريد قتل أخاه هارون الرشيد وأمهما تقل ولدها موسى وتغتاله.
حكم هارون الرشيد ثم مات وحكم من بعده الأمين الذي قتله أخوه المأمون في انقلاب على حكمه وهذا المأمون هو الذي دعا لجلد أحمد بن حنبل وابتلى الناس بفتنة خلق القرآن، ثم مات المأمون وحكم من بعده أخوه المعتصم بالله ابن هارون الرشيد وهو الذي جلد الإمام أحمد بنفسه ليرغمه على القول بخلق القرآن، وهي مسألة فلسفية لم يكن يفهم فيها شيئا سوى أن أخاه المأمون أوصاه بحمل مشعلها، ومات المعتصم وحكم ولده الواثق بالله الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي بتهمة التجسيم وخلّف بذلك رعبا من هذه التهمة لا يزال ماضيا إلى يومنا هذا، كحال تجربة القردة والموزة ورجم من يحاول الحصول على الموزة فتوالت القردة فصار كل منهم يرجم كل قرد جديد يحاول الذهاب للموزة دون معرفة سبب ذلك، ثم مات الواثق بالله فخلفه أخوه المتوكل بالله الذي قضى على الاعتزال في دولته وأعاد لأحمد بن حنبل اعتباره وأعاد الاستقرار إلى إقليم أرمينيا وأذربيجان وكانا تحت حكم دولته، وبنى مسجد سامراء الذي كان يسع 100 ألف من المصلين،
المتوكل بالله هذا كان له ولدٌ يسمى المنتصر بن المتوكل بن هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
هذا الولد قتل والده بالتعاون مع الأتراك الذين استجلبهم المعتصم بالله من قبل، وسبب قتله كما ذكره ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: ((في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكل على الله على يدي ولده المنتصر ، وكان سبب ذلك أنه أمر ابنه عبد الله المعتز الذي هو ولي العهد من بعده أن يخطب بالناس في يوم جمعة ، فأداها أداء عظيما بليغا ، فبلغ ذلك من المنتصر كل مبلغ ، وحنق على أبيه وأخيه ، ثم اتفق أن أحضره أبوه بين يديه فأهانه وأمر بضربه في رأسه وصفعه وصرح بعزله عن ولاية العهد من بعد أخيه ، فاشتد أيضا حنقه أكثر مما كان . فلما كان يوم عيد الفطر خطب الخليفة المتوكل على الله بالناس وعنده بعض التشكي من علة به ، ثم عدل إلى خيام قد ضربت له ; أربعة أميال في مثلها ، فنزل هناك ثم استدعى في يوم ثالث الشهر بندمائه ، وكان على عادته في سمره وحضرته وشربه ثم تمالأ ولده المنتصر وجماعة من الأمراء على الفتك به ، فدخلوا عليه في ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال - ويقال : من شعبان - من هذه السنة ، وهو على السماط ، فابتدروه بالسيوف فقتلوه ، ثم ولوا بعده ولده المنتصر على ما سنذكره)).
قلت صهيب: ولد يقتل والده، وأم تقتل ولدها وأخ يريد قتل أخاه وأبناء عمومة يقتل بعضهم بعضا، كل ذلك لأجل شهوة الحكم، فبين هذه الاغتيالات والانقلابات والحكم الدكتاتوري كيف لعاقل أن يدعي الإجماع في مسألة فرعية قد تمس السياسة آنذاك أو قد تطير لأجلها الرقاب وهو يعلم أن الأفواه مكممة ومن نطق إما أن يُقتل أو يُسجن أو تُحرق كتبه فلا تصلنا، وبعد كل ذلك يقال (لم يعلم له مخالف فهو إجماع سكوتي) فكر بعقلك وتدبر، وهذه قطرة من بحر.
كتبه #صهيب_بوزيدي.
